حواراتعام

نادية طملية: مطبخ شامي بمذاق الحب ورائحة الأرض

كل من يعرف نادية طملية يجزم أن لها نفَس الجدات الأصيل. مضى وقت طويل على حياتها في أمريكا، إلا أن حنينها إلى عربات الكعك المقدسي وحلوى الدحدح واللوز الأخضر التي تجوب الشوارع في فصل الربيع، ما يزال يجرفها إلى بيارّات فلسطين.

 زهور الحديقة لا تبتئس بين يديها حتى وإن كان المصير إلى صحن سلطة، أما كعك الشاي باليانسون والذي يحمل اسم كعك الشاي الفلسطيني لأنه يُعجن بزيت الزيتون، فلا يمكن تفويت موعده.

وحين يجتمع زوجها مع أولادها الثلاثة تتعالى هتافاتهم كمشجعين على أرض الملعب “عاشت نادية”. وذلك ما أن تقع أعينهم على صينية “اليانسونية” بزيت الزيتون والسمسم والقزحة التي تسميها على سبيل الدعابة “بنت عّم صينية الحلبة والقزحة ومن قرايب الهريسة”.

 أما رائحة “مناقيش الزعتر”، فهي الشيئ الوحيد بلا منازع الذي يسحب العائلة من الأسرّة نحو طاولة الفطور. وإن كانت منقوشة الطحينة بالعسل والفستق الحلبي حاضرة، تصبح المائدة أجمل من فطور في شرفة تطلّ على شاطىء المالديف.

إخلاص لمطبخ الشام

تنشط المرأة في كل ما يتعلق بالمطبخ العربي، وبكل حماس تدوّن وصفات من المطبخ الفلسطيني وتنشر ما يتصل بها من ڤيديوهات. ولا تتوانى عن تدريس الطهي العربي لخلق حالة وعي بأصول الأطباق ونكهات المطبخ الفلسطيني وطرق تحضيرها، وفي ذلك كله “أمانة” تحاول أداءها بإخلاص.

تقول نادية لـ “بنفسج” أنها تدعو ما بين وقت وآخر أصدقاءها الأمريكان، أو من يحملون جنسيات أخرى، إلى تناول أطباقها التراثية؛ محاولةً بذلك التعريف عن فلسطين قضية وتراثا. وتنتقي بعناية أطعمة لها قصص ترتبط بالأرض، مضيفة بفخر: “مطبخ بلاد الشام كفيل بفتح نقاشات ماتعة، وقد تكللت دعوات الطعام التي أتولى أمرها بالنجاح، فعدد لا بأس به من ضيوفي لم يقتصروا على تناول الطعام في منزلي، بل كان ذلك سببا في تشجيعهم على تنظيم زيارات إلى كل من الاْردن وفلسطين وقضاء أوقات لا تُنسى”.

مقلوبة حلوة

في مواقع التواصل الاجتماعي تزخر صفحات “ضيفتنا” التي تكنى بأم عمر بصور لأطباق شهية؛ فبعد أن كانت تعمل في شركة مايكروسوفت في ولاية واشنطن الأمريكية، ومن ثم في شركة “كونكور التكنولوجية”، تركت عملها لتتفرغ لتربية أبنائها الثلاثة، ولإعطاء بعض من وقتها للأعمال التطوعية من خلال الأنشطة التي تنفذّها الجالية العربية في منطقتها، حيث تعيش هناك منذ 24 عاماً.

تستهل حديثها مع بنفسج: “وجدت نفسي مشدودة منذ الطفولة إلى تعلم الأكل العربي والحلويات، ولحسن الحظ، أن منزل عائلتي كان يحتضن نكهات مختلفة من أرجاء العالم. والدي فلسطيني من قرية عنابة المهجرة، ووالدتي تنحدر من جذور مصرية وأوروبية. عشنا في البرازيل، ومن ثم الأردن، مما أثرى النكهات التي دخلت مطبخنا كعائلة”.

تلّقت نادية التشجيع من أسرتها التي سمحت لها بتحضير وجبة الغداء كل يوم جمعة، بضحكة دافئة تستعيد تلك الذكرى: “من مغامراتي وأنا صغيرة، أني ذات يوم أصرّيت على تحضير طبق المقلوبة الفلسطينية -للمرة الأولى- لضيفة والدتي القادمة من البرازيل، قمت بكامل الخطوات، وكان منظرها رائعا، وبعد أول لقمة اكتشفت أني لم أضف إليها أية ذرة من الملح”.

ولطالما ادخرت من مصروفها المدرسي من أجل شراء المجلات الأسبوعية التي تحتوي على جزء صغير مخصص للأطباق العربية، وخصوصاً خلال شهر رمضان المبارك، وكانت لا تُضيع أية فرصة لمساعدة الأقارب والأصدقاء في تحضير الطعام، حسب قولها.

ملهمتي حماتي!

برأيكم ممن تستمد نادية الإلهام؟ يأتي الجواب من مكان غير متوقع ربما.. “حماتي”، وتعرّفنا بها على النحو التالي: “إنها أمي الثانية، ولدت وترعرعت في مدينة حيفا، ثم عاشت في يافا بعد زواجها، واستقرت في مدينة طولكرم بعد النكبة ومن ثم الكويت والاْردن. ولعل انتقالها من بلد لآخر، وحبها للطبخ صنع منها موسوعة من المعلومات، فيما يتعلق بتحضير الأكلات التراثية المنسوبة إلى المناطق المختلفة في فلسطين والعالم العربي.

إنها طاهية رائعة بحق. تعلمت منها الكثير، وما زالت من أهم مراجعي حتى يومنا هذا، لاسيما في الأكلات التراثية مثل المسخن الفلسطيني وصيادية السمك والرّمانية، والحلويات العربية مثل القزحة والهريسة والنقوع، وجملتها الشهيرة أرفعها شعارًا “الأكل الطيب بيجي من النفس الطيبة”.

“هل تسنّت لك زيارة فلسطين يا أم عمر؟”.. ابتسامة ملؤها الطمأنينة تتشح بها إجابة إنسانة اتخذت من البستنة والطهي صديقا عُمر: “تمكنت من زيارة معظم المناطق الفلسطينية، ومنها قريتي المدمرة عنابة ولهذا أنا محظوظة. دعيني أخبرك أني أعشق مدينة القدس، شوارعها وأسواقها ورائحة طعامها وخضارها الطازجة التي تفترش أرضها عند دخول المدينة القديمة. لا أعرف ماذا يحل بي عند التجول في أسواقها العتيقة، طاقة أمل تتدفق لتنعش روحي بأفكار جديدة للطهي. أحرص دائماً على زيارتها في كل رحلة لي حتى لو مكثت لبضع ساعات”.

للغربة فضل

تخطط نادية طملية مسبقاً لوجبة الطعام التي تنوي تحضيرها، مما يسهل عليها العمل ويوفر الوقت، وتحب الاستماع للأغاني القديمة أثناء العمل في المطبخ، كما تقول.

وعن مشاركتها في مواقع التواصل، تتحدث بإسهاب: “فن الطبخ والتحدث عنه ومشاركته مع الآخرين متعة لا توصف، أقدّر جداً المعلومات التي تأتي من خلال مشاركة الأطباق الفلسطينية التراثية عبر هذه المواقع كما أنشر بعضا من وصفاتي في موقع كوكباد ومدونة  your lebanon.

ويحلو لي أن أوثق خطوات عملي ومشاركتها مع متابعِيّي عبر قصصي التي أنشرها في صفحتي بموقع “انستغرام”، وأشجعهم على تجربة الوصفات ومشاركة تطبيقها بطريقتهم التي اعتادوا عليه في منطقتهم لتعم المعرفة”.

مواقع التواصل الاجتماعي لها الفضل في التقاء نادية، وكل من يتشاركون الهواية بمجموعة رائعة من المدونين والمدونات الذين يسعون بشكل دائم إلى تسليط الضوء على أهمية المطبخ والقضية الفلسطينية، موضحة في السياق نفسه: “وُلدت صداقات حميمة بيننا، وبالتالي تبادلنا الأفكار وتجارب الوصفات المختلفة، وشاركنا سوية بــ “هاشتاجات” منظمة تسهل عملية البحث عن أية وصفة أو حتى إحدى مكوناتها، أعتز جداً بهذه الصداقات، وأتطلع دائماً للتواصل المستمر مع هذه المجموعة”. 

في حضرة المطبخ العربي خاصة الشامي الذي يُقدم ألذ النكهات، تشجع نادية على إتقان طهي الأكلات التراثية قبل الابتكار فيها، ولا تتردد في دمج بعض من توابل المطبخ العربي مع أطباق مختلفة حول العالم لإضافة بُعد آخر لتلك الأطباق، حسب قولها.

ويتمنى المرء لو أنه ينضم إلى الدعوات التي تقيمها هذه السيدة الجميلة؛ ولكن على الأقل سندخل إلى أجوائها عندما تصفها: “يمتزج الحديث بنكهة الحب حين نحكي عن المسخن الذي لا أملّ من طهيه وبطبيعة الحال يجرنا الكلام نحو موسم حصاد الزيتون، أو أطباق الطحينية وزيارتي إلى مزارع السمسم البلدي في عنزا وعصيرة الشمالية؛ وهكذا يحدث التفاعل عندما نسرد تفاصيل عن القصص أو المناسبات أو العادات التي ترتبط بوصفات من هذا النوع”.

وتعبر عن سعادتها بمتابعة الكثيرين لها من جميع أنحاء العالم ومن بينهم أجانب، إذ تستقبل أسئلتهم وتشاركهم وصفاتها باستمرار، وخصوصاً ما يتعلق بالوصفات النباتية. وتجدر الإشارة أن نادية شاركت قبل سنوات، بوصفات من فلسطين وبلاد الشام في كتاب مدرسي جمع بين أطباق متنوعة من مختلف أنحاء العالم.

 

ثمة مفارقة تقف خلف سر تمتعها بنفَس أصيل، وهو أن الغربة وطدّت صلتها بالوطن وأشعلت فضولها للتعمق أكثر في المطبخ العربي عامة، والمطبخ الفلسطيني خاصة، مضيفة: “قيمة المكونات التي تدخل في طعامنا بشكل يومي لا تقدر بثمن، لذا، استحقَ مني الأمر أن اجتهد في إتقان طهي أطباقنا التراثية بأقصى ما عندي من مهارات”.

يروق لها أن تحكي عن بعض المكونات بحب، متابعة حديثها : “تعد الأعشاب الورقية الموسمية في بلاد الشام من أهم ما يميز مطبخنا العربي، وبيداي هاتين أزرع الأعشاب الموسمية لتحتفي بها أطباقي أيما حفاوة مثل الزعتر الأخضر والبقلة والهندباء والميرامية والنعناع والمليسة وحصى البان. هذه المكونات التي يمكن تحضيرها ببساطة ألذ ما نملك، وخصوصاً عند استخدامها مع أساسيات المطبخ العربي، مثل زيت الزيتون والفلفل الحلبي ودبس الرمان. وفي التوابل لا يُعلى عندي على السماق والزعتر والسمسم البلدي، وما يضيفه من نكهة لذيذة في السلطات والمقبلات والأطباق الرئيسية”.

بين طهي وحصاد

بيتٌ تدوّخ فيه الأم من حولها برائحة فطائر السبانخ شتاءً. وفي الصيف، تفاجئهم ببوظة الطحينة بالفستق الحلبي والدبس. حتماً يليق به منزلة النجوم، هكذا هو حال بيت نادية الذي يتشارك الجميع فيه بحبهم للطعام العربي، ويتفقون حول فكرة أن مطبخ بلاد الشام هو الألذ ويتعاونون في سبيل إعلاء رايته.

تسمح نادية لنا برؤية المشهد من الداخل حين ترسمه بطريقتها: “زوجي طباخ ماهر وله نفس رائع، يجرّب باستمرار وصفات جديدة من دول مختلفة. نحن نتبع سياسة “المطبخ مفتوح للجميع” ونشجّع أبناءنا على المشاركة من خلال ترتيب السفرة، أو قلي الكبة، أو حتى تجربة وصفة تثير انتباههم. وجودهم في المطبخ ليس فقط للمساعدة، بل يفسح أمامنا نقاشات نتجاذب أطرافها أثناء التفافنا حول مائدة واحدة. ومن جهة أخرى، نمنحهم فترة راحة بسيطة من شبكات الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تشوّش الجيل الجديد”.

ومما نغبطها عليه، أنها نسجت نسقاً جميلاً في الجمع بين الطهي وحصاد المنتجات الزراعية المنزلية، موضحة: “إن البستان وما يُنتجه من خضار وفواكه يمنحني طاقة إيجابية ويدفعني للطهي وابتكار أفكار جديدة؛ فما إن أختفي تعرف عائلتي على الفور أني في البستان، إما أقرأ كتاباً، أو أسمع موسيقى أثناء العمل فيه”.

وعلى فكرة، أصالتها لا تعني أنها تقف بعيدة عن الجرأة، تتطرق إلى ذلك بالقول: “أحب تحديات الطعام التي تتيح فرص الابتكار في الطهي والتقديم، وقد شاركت في عدد من التحديات على صفحتي الشخصية في انستغرام. على سبيل المثال، قدمت وجبة برغر الفلافل النباتي بطريقة صحية، والمسخن بأقماع مصنوعة من عجينة هشة وجرّبت “القطايف العصافيري” بحشوة النوتيلا، وغيرها من الأمثلة”.

سألناها عما ينقص المطبخ الفلسطيني، ليكون في مصاف المطابخ العالمية، فقالت: “لا ينقص مطبخنا أي من النكهات أو المكونات ليُدرج على قائمة المطابخ العالمية، بل ألاحظ في الآونة الأخيرة أن بعض المكونات الأساسية للطعام العربي مثل اللبنة والفريكة والزعتر والسماق والقزحة والطحينة وغيرها، أصبحت تظهر باستمرار في الأطباق العالمية تحت اسم مكونات صحية ولذيذة”.

تحاول نادية أن تستخدم المكونات الطازجة في الأطباق التي تحضرّها وفق المعايير الصحية، وحسب قولها، إن معظم مونة بيتها من اللبنة والمخللات ومرق الطعام تحضرّه بالمنزل، لتتفادي أية مواد حافظة تشتمل عليها المعلبات، وتزيد على ذلك بالإيضاح : “ابتعد قدر الإمكان عن قلي الخضار وأستعيض عن ذلك بشيّها، وعند طهي اللحوم والدواجن، أحاول فصل كمية من الدهن التي تأتي مع المرق للتخفيف من الدسم. وصفحتي تحتوي على أمثلة عديدة عن المعايير الصحية التي أتّبعها”.

وتأمل من الجميع أن يتقاسم المسؤوليات بشأن الحفاظ على المطبخ العربي لأجل الإبقاء على قوة حضوره، مضيفة: “يتوجب علينا الاهتمام والافتخار بوصفاتنا ونشرها على نطاق واسع. ماذا لو استثمرنا كل فرصة للإشارة إلى هذه المكونات وطريقة تحضيرها. عن نفسي أشعر بارتياح كبير إزاء الجهود التي تُبذل بشكلٍ واضح للعودة إلى الطعام التراثي وتعليمه لأبنائنا”.

قبل أن نغادر هذا الحديث الشائق، كان لا بد من إلقاء تحية على كُور اللبنة خاصتها، إذ تغطي واحدة بالزعتر وثانية بالفلفل الحلبي، ولا تنسى السماق، وهناك مجموعة تبقيها سادة بزيت الزيتون. وقد تضيف على كور أخرى نعناعا أو لوزا مطحونا، وذلك كله، من أجل إرضاء مختلف الأذواق.

ابتسامتها الحانية تستمر حتى آخر كلمة؛ قائلة في الختام: “حالياً استمتع بتدوين وصفاتي ومشاركتها مع متابعييّ لأجل تقديم صورة تنصف مطبخنا، ولا أتردد في إعطاء دروس الطهي للمهتمين والمشاركة في الأنشطة التطوعية، بالإضافة إلى تعاوني مع معهد للطهي في المدينة التي أقطنها؛ إذ يتجاوز الأمر نشاط الطبخ ويمتد إلى أحاديث عن “الطاولة الفلسطينية” وجَمعة العائلة والطقوس التي تصاحب بعض الأطباق”.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق