لستُ جوهرة ولا قطعة ألماس

لستُ بجوهرة ولا قطعة ألماس، ولست بحلوى مغلَّفة ولا زجاج شفاف،أنا نصف المجتمع، يا نِصفاً آخر عصفت به الأفكار، فتكبّر، فعُمِيَت عيناه عن رؤية موضع قدميه، وأصبح فقط يهتم بوصفي وتشبيهي بالجمادات.

أنا أم أنجبت وتعِبت وربَّت وسهرت ومن وقتها الثَّمين أعطت، وعن شغفها تخلَّت. ولست بِثقَل عليك يا بُنيَّ ولن آخذ من وقتك شيئاً إن أجبتَ على هاتفي وأخبرتَني أنَّك فقط بخير.

أنا أخت وصديقة، عزيزة النّفسِ أَبِيَّة مدللة وشقية، بِيَدي أَخبز لك الرغيف، ومن غيري يجعل من المنزلِ جميلاً ونظيفاً.

لا ليست صلة الرحم أن ترمي في وجهي بضع دراهم لتكون لي عيدية أو مؤشراً للروابط الأخويّة، لستَ تفهم يا أخي أنَّ قلبي لك مشتاق متلهف منذ عام للقاء، ينتظر كلّ يوم مكالمة، وحينَ تُجيب عليَّ الخادمة، تخبرني أَنّك في عملك مشغول ستعود وترد الاتصال، فتنسى..

أنا زوجةٌ تركت منزل الدَّلال والأهل والأحبة وقرَّرت العيش معك في غرفة؛ لِنُؤَسِّس حياتنا الزّوجية، أنا نِصفكَ الثّاني فهل تسمع؟ إنّي ظننتك رفيق الدّرب، لا تضرب. رفقاً يا رفيقاً بي رفقاً، تَمهَّل! فالبنات من خلف البابِ تَنظر! فتمهل..

أنا ابنتُكَ يا أبتي لستُ بحمل عليك ولا على المجتمع، لستُ من قرَّر مجيئي لهذه الدّنيا بل أنت من قرَّر؛ فلا ترمُقني بنظرتك الحادة ولا تختبر صبري فإنّي لن أنطق كلمةَ أُفٍ ولن أغضب. أنت أبي الذي لطالما كان كُتلة من الحنان في الّسابق، ولا أدري لِما اليوم تَغيَّر.

لستُ “بعانس”؛ فربي قَدَّرَ لي أن يتأخر زواجي لحكمة ما، هو بها أعلم.لستُ مطلقة، أنا فقط لم يُحالِفني الحظ باختياري فكان ابتلاء وكان لابدَّ أن أصبر. لستُ بأرملة، أنا امرأة صبرت على فراق حبيبها ورفيقها وصانت نفسها..

لستُ جسداً لا يشعر ولا يملك إحساسا أو قلبا يتألَّم. أنا الجانب الآخر المشرق من هذا العالم، أنتَ فقط تنظر إليَّ بنظرة الكُسوف. لستُ ملكاً لأَحد، أنا إنسان مثلك إلا أنّ الله أعطاك مسؤوليات أكبر منّي فتمرَّدت وتكَبَّرتَ وتجمَّلَ التَّكليف في ناظريك وظننتهُ تَشريفا، أَنت مسؤول أمام اللّه عنّي، فلا تظنَّ اللهَ بتاركٍ عَبده.

سيكون من الجميل يا أخي إن تذكرتني كلَّ شهر بزيارة أو بمكالمة تروي اشتياقي وتُسعد قلبي، لستُ في حاجة إلى نقودك أو هداياك، بل تكفيني زيارة أو نظرة لوجهك الذي قاربت على نسيان ملامحه.سيكون من الإحسان يا أبتي إن قدَّمتَ لي حقوقي وأنتَ راضٍ و سعيد ومقتنع أن ما تقدمه لي هو واجبك وسيعود عليك بالنّفع غداً، وإن لم يكُن بالفانية سيكون عند ربّك الكريم وأنت تقف بين يديه.

سأكون أسعد امرأة في الدنيا إن وجدتُ يدك تَحِن عليّ يا زوجِيَّ العزيزِ وتُشعرني باحترامك لي، أو بمحبَّتك المختفية، حتى وإِن كان انتهى حبّك لي أو لم يكُن موجوداً أساساً يكفيني أن تَتَّبِع سُنَّةَ نَبيّنا الكريم -عليه الصلاة والسلام- وتَقتَدي بهديه، صدّقني، لَن تجد مِنّي إلا الخير.

حتى و إن لم يعجبك طعامي أو طبخي، ولا تستسيغه، فقط قف هنيهة وفكر، أو قدّر لي تعبي وجُهدي الذي بذلته ووقتي الذي استهلكته من أجل تحضيره. لا تستهن بالأعمال المنزلية أو بتربية الأولاد؛ فهي أصعب مما تتخيَّل  وأكبر مما تتصوَّره ذاتك.

والغريب في أعمالي اليومية أنّها ليست محدودة بعدد ساعات معينة من النهار، ولا تنتهي مع نهاية اليوم كما هي  أعمالك، وليس هناك عطلاً أسبوعية ولا إجازات سنوية، ولا راتب نهاية الشهر؛ إنّما هي مسؤوليات لا تنتهي وبلا حد معين، وهي لا تتقلص وإنما تتزايد مع الوقت.

أنا لا أطلب مدحا أو جزاء كما يفترض أن تقدم لي، وإنما أطلب فقط ألّا تحتقر من مَهمَّتي السامية كزوجة وأم ومربية أجيال وربة منزل، ويزيد الطين بلة عندما أكون امرأة عاملة وربة منزل أيضا، فهكذا تصبح المعادلة غير متزنة ولا تحقق شروطَها المفروضة.

سأكون ممتنة يا بنيّ إن فهمتَ أنَّ سبب عدم قدرتي على الوقوف هو أنَّك كنتَ ثقيلاً عليَّ كلما حملتك لفراشك، أو حملتك لبكائك، أو لأنك لا تريد المشي وتريد فقط أن تَبقى محاطاً بذراعي. تذكر أن عظامي أصبحت هشَّة لأن أعمال المنزل كانت كثيرة عليّ، وكانت تكثر وتكبر كلما كبرت أنت وإخوتك -حماكُم اللّه- .

كن أنت نظري كما كنتُ لك عندما تعبر الطريق، كن أنت سمعي كما كنتُ لك عندما أعيد على مسامعك أناشيد المدرسة وآيات القرآن الكريم، كُن أنت عكازي كما كنتُ لك عندما أوشكت على السقوط في عامك الأول أثناء تعلمك المشي، كن صبوراً على حركتي البطيئة كما كنتُ أصبر على مشاكساتك، حاول تذكيري إذا ما نسيت بعض الأمور كما كنت أذكّرك إذا ما نسيت واجباتك أو مواعيد امتحاناتك أو مبارياتك.

اسمعني إذا ما كررتُ لك أمراً عدة مرات لظنّي أني أخبرك به للمرة الأولى، كما كنتُ أستمتع وأنت تعيد لي مغامراتك اليومية وبطولاتك المدرسية ومواقفك الظريفة.

على عكسك تماماً، أنت كنتَ تتعلم وتتطور تدريجياً لتعتمد على ذاتك أكثر، بينما أنا الآن أتحول تدريجياً لكائن متكل تماماً على غيره، وكلما ازددتُ هرماً ستزداد أنت قوة يا بني، فكل ما يُؤخَذ مني يوضعُ فيك. ويا ليتك تعلم.

أنا الجانبُ المضيء من هذا الكون المظلم ..أخشى عليك إن تَركتني أنطَفِئ، أن تضلَّ الطريق وتسقط وتتأذى .. فلا تتركني فأنت بحاجتي كما أنا بحاجة نفسي وبحاجتك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق