فلنشعل قناديلها: الأردنيون يشعلون قلوبهم قناديلا للقدس

الكثير منا كفلسطينيين نعيش في الأردن منذ الطفولة، وتلك الصورة المعلقة على جدران بيوتنا لقبة الصخرة وصوت فيروز وهي تغني (زهرة المدائن)، وشرح معلمة التربية الإسلامية لنا لرحلة الإسراء والمعراج، بل حتى أسماء المطاعم التي نمر بها، كلها كانت تثير في قلوبنا الصغيرة سؤالين، ما هي القدس، وكيف نصل إليها؟

كبرنا وتعددت الطريق التي تعرض فيها القدس أمامنا، بين من روج لنفسه عبر استخدامه لقضية القدس إعلاميا، عن طريق الانتخابات البلدية، أو من صدح بأعلى صوته على الفضائيات بأن حزبه أو نظامه هو فقط من له الأحقية والقدرة على تحرير القدس.

كبرنا، وشاهدنا طريق القدس يمر بكل عواصم ومدن وحواري الأرض ولا يصل إلى القدس، وتحولت القدس من قضية العرب الجامعة، إلى كرت الامتياز التي تتنازع عليه العرب المتقاتلة، وكبرنا وكبر معنا السؤال، أين هو الطريق إلى القدس؟

ومع الحرب على غزة في العام 2009 بدأت ملامح الطريق إلى القدس تتضح قليلاً، ومع مسيرات العودة الكبرى في العام 2011 وشهداءها، وهتاف الملايين في ميدان التحرير(الشعب يريد تحرير فلسطين)، بدأت ملامح الطريق تتضح، فمن صمد في يافا والقدس والقسطل وأحراش يعبد والشجرة في العام 1948، ومن صد حملة نابليون على أسوار عكا من قبل، هو من سيحررها.

وتبلور السؤال، وتطور، كيف لنا أن نكون من السائرين على طريق تحريرها، وهل لتحريرها أن يتأتى دونما دعم الصامدين فيها، هؤلاء الصامدين الذي استفرد بهم الصهاينة، يوم اقتتل العرب تحت أصنام الطائفية والحروب الأهلية، فتصاعد العدوان على القدس أضعافاً مضاعفة.

لنشعل قناديل صمودها 

في تلك الفترة الحالكة انبرى من الأردن والدول المجاورة لها أفرادٌ بادروا لقرع جدار الخزان، الذي تحدث عنه غسان في (رجال تحت الشمس) وبدأ التفكير في كيفية بلورة فن الممكن، وهو الفلسفة الرئيسية لمقاومة المحتل، لمشاريع دائمة تدعم الصمود في القدس، وتبلور الوعي في الأدن ودول الطوق، فتشكل حالاتٍ وكتل حرجة في مجتمعاتها تقود الركب نحو الدفاع عن القدس وحمايتها.

ومن تلك المشروعات مشروع فلنشعل قناديل صمودها الذي بلوره رجلان، رجلان فقط!

أحدهما بخبرته في العمل في مجال العمل الخيري الموجه للقدس، والآخر بحبه لها وعمل في المجال الهندسي، وكان السؤال واضحاً ومباشراً، كيف بالإمكان استغلال التوأمة بين فرعي نقابة المهندسين الأردنيين في الأردن والقدس، لبدء مشروعٍ مثبتٍ لصمود من لا يُحمى الأقصى والمقدسات إلا بوجودهم، فكان برنامج الإعمار للبلدة القديمة في القدس، بدأ المشروع بخطواتٍ متواضعة تجمع سنوياً ما لا يزيد عن ال 200,000 دينار تجمع من عدد من رجال الأعمال في الأردن، فكان سؤال الاستمرارية مداومٌ للقائمين عليها، ولكن العام 2013 جاء بمالم يتوقع، إذ بدأت الحالة الشعبية المتفاعلة مع قضية القدس في الأردن بالتوسع.

العديد منا لغاية الآن لا يزال يتسأل لماذا انقدح الوعي في عقولنا والشوق في قلوبنا، أهو الحال المتردي عربياً أم استعادة ذاكرة الطفولة، أم تصاعد العدوان الصهيوني المستهدف لقلب القدس في المسجد الأقصى، فمع حلول العام 2013 تبلورت تلك الحالة لعشرات المؤسسات العاملة للقدس في الأردن، وتجربة لجان القدس الرائدة التي كان لطالب جامعي عادي فضل السبق في تأسيسها، غدت اليوم رقماً صعباً في معادلة التفاعل الشعبي مع الأحداث الجارية في القدس، وقبل ذلك كله، أثبتت فئات الشعب البسيطة بمختلف الأصول والمنابت، أن المواطن الأردني الذي بالكاد يوفر قوت يومه، لا تزال القدس في قلبه ومعتقده، قبة الأجداد، حاضنة تراب الشهداء، ووصيتهم، فتصاعد التفاعل الشعبي مع الحملة خلال الأعوام 2014 – 2018 .

ففي اليوم المفتوح للحملة من كل عام، تتحول مراكز المساهمة للحملة ليوم يسطر فيه الأردنيون صفحات حبهم الفعلي لفلسطين والقدس والأقصى، وتمتلئ غرف المحاسبين، بأكياس الشلون والبرايز والقروش، وفي كل سنة تبكينا تلك الحالات، كتلك الحجة التي لن أنسى صوتها منذ سنتين، وهي تتصل بالإذاعة باكيةً بأنها لا تملك في بيتها إلا جرة غاز ولا تريد الحرمان من شرف المساهمة في تثبيت صمود المقدسيين، وكم من عروسٍ أهدت ذهب زواجها سراجاً يُسرج في قناديل الصمود في واري البلدة القديمة، وتلك الجمعيات والمؤسسات، التي تتبنى ٌإعمار عقارٍ كاملٍ في البلدة القديمة، على نفقة متطوعيها ومنتسبيها.

تجربة العمل الإعلامي مع فريق الحملة كانت من أعظم ما مررت به بحياتي، فقي تلك الغرفة تجتمع الدموع والضحكات والمشاحنات وكل ما في البشر من تفاعلات خلال 16 ساعة، وفي تلك اللحظات التي تختتم بها الحملة مع أصوات التكبير والبكاء والصراخ العفوي، لا ولن تغيب من الذاكرة، كثيرٌ هو ما يكتب عن تلك الحملة مما لا يسعه قلمي وحروفي العاجزة، ولكن الكثير شكك في السابق من صدى ما يجري في عمّان على ما يحدث في القدس، ولكننا في اليوم نستطيع القول بكل ثقة، إن دوي الرصاصة في القدس يسمع في عمّان، وصوت التكبير في عمّان يصل صداه وسيستمر بالوصول لجبال القدس وحاراتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق