قصتي: من جولة في بلادي إلى قمة كليمنجارو

لن أدعي أنني فتاة كثيرة الترحال ولدي الكثير من التجارب والمغامرات؛ فأنا فتاة عادية جداً وبسيطة، تخرجت من قسم اللغة الإنجليزية وآدابها وتفرعت في موضوع الترجمة. والآن أعمل مترجمة من العربية إلى الإنجليزية وبالعكس.

بدأت رحلتي مع الجبال قبل كليمنجارو. فمنذ عامين تقريباً، بدأت بالخروج والتعرف على طبيعة بلادي وزيارة قراها ومدنها. وفي كل مرة أزور قرية، أعشق كوني فلسطينية، مع أنني في السنين القليلة الماضية كنت أُفكر لماذا خلقني الله فلسطينية ولم يخلقني أمريكية مثلاً؟

القمة في جوفي

عشقت بلادي جولةً بعدَ جولة ومسارًا بعدَ مسار، عشقت الهواء والحجارة وابتسامات أهل كلُ بلدٍ نزورها. هذه الجولات كانت الأساس لرحلة كليمنجارو. عندما أخبرتني ابنة خالي آلاء عن هذه الرحلة ظننت أنها ستكون رحلة سفر عادية ورياضية عالأغلب؛ ولكنني اكتشفت بعدها أن كل جولاتي في فلسطين كانت الأساس لهذه الرحلة، فعلياً، كنتُ أُجهز نفسي لهذه الرحلة نفسياً وجسدياً دون أن أعلم.

لكنها مختلفة بعض الشيء، كان هدف الرحلة الوصول إلى قمة كليمنجارو الإفريقية في تنزانيا واسمها أوهورو، ولكنني وجدت نفسي أبحث عن القمة في كلِّ شيء، في نفسي؛ قمة حزني وسعادتي، قمة خوفي وراحتي، قمة اهتماماتي ولامبالاتي، وقمة قوتي وضعفي. واللافت أنني وجدتها متجسدةً أمامي في كل يوم أمشي فيه في الخلاء والفضاء الواسع الرحب اللامتناهي، لن أقولَّ أنني وجدتها كلها ولكن معظمها. فالجبل كانَ مثل المرآة بالنسبة إليَّ، مرآةً تكشف لي ما بداخلي.

رمزية الجبل

وأحياناً، كان يخطر ببالي أن رحلة المشي إلى الجبل مثل رحلة الحج رمزياً، ففيها الشقاء والتعب ولكن فيها راحة واستكانة الروح، ورحلة سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، ورحلة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام سواء في الإسراء والمعراج، أو عندما خرج من مكة إلى المدينة.

لا أعرف لماذا، ولكنني تذكرتهم كلهم، حتى ياسر عرفات رحمه الله في جملته المشهورة “يا جبل ما يهزك ريح”. ولم أتذكر الشهيد باسل الأعرج، المثقف المشتبك، لأنني لم أنسه أصلاً، فهو ابن الجبل؛ احتمى به وذكره في مدوناته مراتٍ عديدة. هذه الأهمية الرمزية للجبل رأيتها بالمعاينة والتجربة الفعلية. لم أرَ الرموز، بل رأيت المشبه به منتصباً أمام عينيَّ.

لا أستطيع نسيان صورة الجبل. أحياناً كانت تمر علي لحظات لا أُصدق فيها ما تراه عيناي، لم أستطع أن أُفرق بين الحلم والحقيقة، كانت هذه اللحظة قمة السعادة، ولكنها كانت ممتزجة أيضاً بالخوف والمشاعر المختلطة. لم أستطع التحرر من فكرة أن الرحلة قد انتهت، فبالنسبة إلي الرحلة بدأت بعد عودتي إلى فلسطين.

التنوع سنة الله

أسائل نفسي: هل وجدتني على القمة؟ لا، لم أجد نفسي هناك، ليس لأنني لم أصل إلى القمة، وإنما أدركت بعدها أن الانتظار لا يكمن فقط في تحقيق الهدف وإنما بك أنت، خلال رحلة تحقيق الهدف وما بعدها. إذن، هل وجدت نفسي؟ أيضاً لا، ولكنني ما إن أدركت المشكلة وجدت نصف الحل.

عندما كنت أمشي مرةً في الغابة الخضراء الممطرة، ومرةً في الصحراء الألبية القارصة، وأخرى في الثلج، ومرةً في الجو المعتدل؛ شعرت أن هذه الطبيعة ما هي إلا انعكاس لأنفسنا وما بداخلنا، فمرةً تمر علينا أيام نشعر بها بالفرح ونحب الحياة، نستمتع بصوت العصافير والمياه، ومرةً نكون مستائين لدرجة أن كل ما حولنا يجف، ونشعر ببرودة وسكون، وخلاء كل شيء. نشعر بفراغٍ داخلي تماماً كما الصحراء الألبية، أينما نظرت فراغ وطريق قاسٍ لا نهايةَ له.

ولكن مع ذلك، فكل هذا التناقض لهو جمال بحد ذاته؛ فالطبيعة لم تكن يوماً غابةً خضراء تعج بها الحياة ثم تستيقظ في اليوم التالي على صحراء باردة بلا زرع، لا. بل كان هناك دوما تدرج في قساوة الطبيعة، فتجد في اليوم الأول غابة ماطرة، وفي الثاني أشجارا ونباتات صغيرة، وفي الثالث صحراء باردة، واليوم الرابع ثلوج بيضاء. وهكذا تكون نظرتنا للأمور؛ ملؤها التوازن والتدرج، فذلك من أساسيات التفكير السليم في أي شيء. فلو أننا واجهنا الصحراء القاحلة والثلج مباشرةً بعد الغابة الخضراء التي تضج بالحياة، لما استطعنا إكمال يومٍ آخر حتى لو كنا أعظم المتسلقين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق