مبتكرة عقار “الزهايمر”: راسخة في الحلم سفيرة للوطن

قضت سنوات من عمرها داخل أسوار المختبرات البحثية تحاول حل اللغز الكامن وراء مرض العصر “الزهايمر”، اجتهدت وحاولت، حتى توج مجهودها ببراءة اختراع دوّت في الأوساط الطبية. متفوقة منذ طفولتها، وضعت نصب عينيها شعار “الشيء الذي لا يقتلك يجعلك قويًا”، لم تتراجع ولو للحظة، اسمها ثبات ولكل شخص نصيب من اسمه؛ الدكتورة ثبات الخطيب مبتكرة عقار الزهايمر تروي لبنفسج حكاية أعوام من البحث والجد والنجاح.

الفلسطينية ثبات التي لم تبلغ عقدها الثالث بعد، سجلت براءة اختراع في تطوير تركيبات دوائية جديدة تؤثر على الخلايا العصبية لمرضى الزهايمر وتحسّن من أدائها. تقول: “خلال عملي كباحثة درست الدماغ والخلايا العصبية والتغيرات التي تطرأ عليهم في حالة الأمراض العصبية، ثم حاولت تطبيق هذه المعرفة، وربطها بأرض الواقع عن طريق استخدام تقنيات مختلفة لإيجاد علاج للمرضى المصابين بالأمراض العصبية”.

لم يحصل هذا النجاح فجأة؛ أعوام كثيرة سبقت هذا الإنجاز من الجد، والغوص في بحر العلم، أنهت ضيفة بنفسج الثانوية العامة بمعدل 98% وكان من المفترض أن تبدأ رحلتها الجامعية بتخصص الطب البشري، ولكن رغبتها في التميز والدخول إلى عالم الأبحاث دفعها لاختيار تخصص العلوم الحياتية والتقنيات الحيوية.

لم ترغب ثبات أن ينتهي بها المطاف كطبيبة تقليدية، ناقشت الأمر مع والدها حتى توصلت لاتفاق أن تدرس مجالاً له علاقة بالطب، بشرط أن تكمل فيه الدراسات العليا. وبعد انتهاء دراستها بتفوق التحقت لدراسة الماجستير، وتمحورت رسالتها حول مرض سرطان القولون الوراثي. في العام 2015 التحقت ثبات بكلية الطب في جامعة “أبردين” البريطانية لدراسة الدكتوراة في علوم الأعصاب التطبيقية، ومن ثم بدأت العمل كباحثة في برنامج زمالة ما بعد الدكتوراة، وخلال هذه الفترة بدأت العمل على عقار مرض “الزهايمر”.

لعائلتها دور في اهتمامها بالطب وآخر ما توصل إليه، فوالدها طبيب جراح، ووالدتها صيدلانية كانا قدوة لها، فأرادت التفوق دائمًا حتى تصبح مثلهما، تقول لـ “بنفسج” : “أنا محظوظة بعائلتي؛ تلقيت كل أشكال الدعم منهم طوال سنوات دراستي، حتى عند سفري خارج البلاد للدراسة لم يعارضوا أبدًا”.

أملٌ لمرضى الزهايمر

تأخذنا الدكتورة ثبات في جولة خلف الكواليس لتعرفنا على سير العمل داخل أروقة المختبرات، تقول: ” بدأت العمل مع فريقي على تطوير تركيبات دوائية تفيد الأمراض العصبية المختلفة وخاصة مرض الزهايمر، لاحظنا خلال اكتشاف هذه التركيبات أن هناك نقصا في مادة كيميائية اسمها (ريتينويك أسيد)، وخللا في نظام عملها وتصنيعها في الجسم، وذلك في نماذج الحيوانات المعدّلة جينياً (أي معدلة ليصبح لديها مرض الزهايمر)”.

وتكمل الدكتورة شرحها لـ “بنفسج”: “هذه المادة يحصل الجسم عليها ويشتقّها عادة من فيتامين ( أ ) الداخل عن طريق الغذاء، حيث لا يستطيع تصنيعها بنفسه، فقمنا أولاً بتجربة (ريتنويك أسيد) كعلاج، ولكنّ المادة نفسها كانت غير مستقرة، وكذلك سامّة، عند استخدامها بتراكيز عالية. ولحل المشكلة، قمنا بصناعة تركيبات دوائية شبيهة بمادة (ريتينويك أسيد)، بحيث تكون أقوى وأكثر فاعلية باستخدام تراكيز صغيرة، هذه التركيبات الدوائية ما زالت قيد الدراسة في المختبر لمعرفة مدى تأثيراتها الطويلة”.

بعد الوصول إلى نتائج مبشرة توجهت ثبات وفريقها لمنظمة ال WIPO العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية للأفراد لتسجيل هذه المركبات بشكل رسمي كبراءة اختراع. وتضيف ضيفة بنفسج: ” إن هذه التركيبات ستنتقل قريبًا للمرحلة القادمة، وهي التجارب السريرية على الإنسان، ثم سيتم البدء بتصنيع التركيبات على شكل دواء وتوزيعها في الأسواق، ومن المتوقع أن تستغرق العملية عدّة سنوات”.

مرض الزهايمر يدمر الذاكرة والوظائف الذهنية، وهو عبارة عن ضمور في خلايا المخ السليمة، مما يؤدي إلى تراجع في الذاكرة والقدرات العقلية، حيث تبلغ نسبة الإصابة بالمرض حوالي 70% من حالات الخرف حول العالم، ولا يوجد علاج له؛ مما دفع ثبات لاختياره كمادة بحثية، في محاولة لفهمه والتوصل لحلول نهائية.

راسخة في الحلم سفيرة للوطن

وحين سألتها عن الرحلة الدراسية والبحثية في بريطانيا، أجابت: ” الأمور كانت ميسرة جدًا والجامعة مجهزة بكل المعدات التي يحتاجها أي باحث لإجراء بحثه، الصعوبة الوحيدة التي واجهتها في البداية هي محاولة التأقلم مع الغربة”. حين كان اليأس يحيطها، يأتيها طيف ملهمتها ومصدر قوتها، لتأخذ بيدها لبر الأمان بكلماتها الحنونة، تقول ثبات: “والدتي مصدر إلهامي، تشجعني على تحقيق أحلامي حتى لو كانت مستحيلة، ودومًا أتذكرها حين تقول لي: أنت ثبات ابقي ثابتة دائمًا”.

الغربة فيها صقل للشخصية وتوسعة للآفاق واكتساب للمعرفة والخبرة، سواء على الصعيد الشخصي أو المهني، تجربة لندن غيرت من شخصية ثبات وطريقة تفكيرها وعرفتها على ثقافات جديدة وأصدقاء جدد. الدكتورة والباحثة، بالرغم من ضيق وقتها لا تقتصر على القراءة في المجال الطبي بل تقرأ مختلف الكتب الثقافية والروايات، ومهتمة بتعلم اللغات حيث تتعلم حاليًا ثلاث لغات.

تقيم ضيفة بنفسج في بريطانيا، ولكنها الآن في فلسطين، في إجازة مفتوحة من عملها لتدرس الوضع الحالي بالبلاد ومجالات العمل المتوفرة، حيث تطمح لتصبح محاضرة بكليات الطب لتنقل للطلاب الفلسطينيين خلاصة تجربتها في علوم الأعصاب التطبيقية.

لم تكن ثبات طالبة وباحثة فقط في بريطانيا، بل كانت سفيرة لفلسطين تعرف العالم على المرأة الفلسطينية، تضيف: “تواجدي هنا كان أكبر تصحيح لصورة المرأة العربية المسلمة بشكل عام، من يراني يستغرب من وجودي بمفردي ولكني أصحح لهم النظرة وأخبرهم عن رضا عائلتي وتشجيعهم لدراستي بالخارج”. وتكمل حديثها لـ “بنفسج”: “كان البعض يعتقد أنني ارتدي الحجاب بالإجبار وإن لم أرتديه سأتعرض للقتل، وكنت أوضح لهم بأن قرار الحجاب كان قراري الشخصي”.

يوجد العديد من الأشخاص حول العالم لا يعرفون فلسطين، وعند سماعهم لاسمها يعتقدونها باكستان، وفي كل مرة كانت توضح لهم ثبات أين فلسطين، وتشرح لهم عن القضية الفلسطينية ومعاناة شعب كامل يرزح تحت بطش الاحتلال الإسرائيلي.

تعيد ثبات شريط الذكريات إلى ما قبل خمس سنوات حين كانت تبحث عن منحة في بريطانيا لإكمال الدكتوراة، تقول: “كنت على وشك تغيير حلمي من السفر لها إلى أي دولة أخرى نظرًا لصعوبة القبول فيها، ولكن ظهرت لي الدكتورة سبأ جرار كحبل نجاة، ولن أنسى ما قالته أبدًا، قالت حرفيًا: “إن كانت بريطانيا حلمك ما تتنازلي عنه وتروحي لدولة ثانية، بإمكانك تحقيقه”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق