عاممدونات

عندما يكون رمضان أسيرا كذلك!

يفوح عطر رمضان فتهيم الرّوح وترفرف كطيرٍ حزين، تجتاز بصبرها كلّ الجدران والقضبان، تحطم السّلاسل والأغلال؛ حتّى تلقى في حلمها أطياف الذين تحبّهم من أهلٍ ورفاق فتُقَبّلُ أرواحهم وتهنئهم بالشّهر الفضيل قائلة لهم: “أعاده الله عليكم باليمن والبركات”.

يقضي الأسيرُ شهر رمضان يتيمًا فاقدًا لتفاصيله الجميلة: أصوات المآذن وهي تصدح بالتّكبير والتّهليل، إقامة الصّلوات جماعة في مساجد البلدة، خاصّة صلاة التّراويح. ويفتقد الأسيرُ أيضًا قرع الطّبول الخاصّة بالمسحراتي – صحيح أنّ هذه عادة قديمة، لكنّ فِرقا شبابية متطوعة تقوم بإحيائها منذ ثلاث سنوات على الأقل – رغم تكنولوجيا المنبهات، إلّا أن هذه الذّبذبات الإيمانية تهزّ الوجدان وتوقظ فيه كلّ بهجة.

انتقلت حياة الأسير من الأضواء المتوهجة التي تزدان بها البيوت في ليالي رمضان إلى عتمة السّجون وقهرها، هناك أيضًا يفتقد الأسير اجتماع العائلة وزيارة الأقارب والأحباب، أن يطل على والدته آخر النّهار، وهي في مطبخها ثم يسألها: “يمّا شو طابخة اليوم؟”.

ومن الأسواق المزدحمة بالمتسوقين قبل ساعات من موعد الإفطار لشراء بعض الحاجيات من بينها: المخلل، والحلويات مثل: القطايف، وأصابع زينب، وبلح الشّام، والعوامة، والعصائر المميزة مثل: التّمر الهندي، وقمر الدّين، وعرق السّوس… من تلك الأسواق إلى ساعات الفورة التي يقضيها الأسير في ساحة كبيرة تجمع الأسرى من كلّ الغرف والأقسام معًا، من السادسة صباحًا حتّى السادسة مساءً، أشياء كثيرة وتفاصيل صغيرة يفتقدها الأسير، يتذكرها وربّما يبكي؛ لأنّه في سجن يمنعه أن يحلم بكلّ هذه الأشياء التي سلبها.

رمضان في السّجن عبادة أخرى على رأسها الصّبر، وعزلة فيها وصل آخر للإله، قبل موعد السحور يقوم المعتقلون بتجهيز الماء في الثّلاجة، إضافة لكيس يحتوي على علبة حمص، وعلبة لبن الشمينت (لبن الزبادي)، وعلبة مربى، وخبز، ويقوم السّجان قبل أذان الفجر بساعة بتوزيع هذه الأكياس على الغرف.

 وقبل صلاة المغرب، يقوم طبّاخ الغرفة بتحضير الشّوربة والتّمر وعلب العصير، بينما يقوم أحد الشباب بتوزيع صحون الشّوربة، وثلاث حبات تمر وكأس ماء وكأس عصير لكل أسير، وقد تتضمن مائدة الإفطار بعض المعلبات المعاد طهوها مثل الفاصولياء البيضاء مع رب الطماطم والخبز، وأشياء أخرى حسب ما يتوفر لديهم، بينما يحضّر طبّاخ الغرفة وأحد الشباب المائدة يقرأ الأسرى الأدعية المأثورة ويستذكرون أحبتهم بالدّعاء.

يصلي المعتقلون صلاة التّراويح جماعة في الغرفة الواحدة، وبعد الأربع ركعات الأولى يُقدم إمامهم موعظة، ولا يخلو يومهم من جلسات الذِّكر وقراءة القرآن؛ ومنهم من يختم القرآن مرّة كلّ ثلاثة أيام. يتابع الأسرى البرامج الرمضانية حيث يوجد في كلّ غرفة تلفاز، تحدد له إدارة السّجن إحدى عشرة قناة فضائية.

 الأسرى في السّجون أفضل حالًا من الذين يزورهم رمضان وهم في أقبية التحقيق، فأولئك لا يعرفون عن الحياة والوقت شيئًا، بينما أسرى العزل الانفرادي يصومون ويفطرون وحدهم، لا يرون سوى وجه السّجان البغيض، ولفرط وحدتهم يقف عندهم الزّمن ولا يشعرون بتقدمه إلّا من خلال ورق الرزنامة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق