رمضان حين يردُّ الروح للأسيرات

لمة العائلة هي أجمل ما يمكن أن تحمله أيام رمضان، نستظل بتفاصيلها التي يتمنى آخرون أن يعيشوا شيئاً يسيرا منها. لكن ماذا عن حال الأسرى الذين يكابدون مرارة الشوق لأجواء رمضان بعيداً عن الأهل، وماذا عن الحبيبات والزوجات والأخوات والأمهات إن كن هنّ الأسيرات؟!

فها هي الأسيرة المحرر هيفاء أبو صبيح من مدينة الخليل، كم كان رمضان 2016 قاسياً عليها! إذ اعتقلها الاحتلال لعام ونصف مدعياً محاولتها تنظيم “خلية إرهابية” و”الاتصال بجهات معادية”. انفطرت روُحها جراء ألم البعد عن عائلتها لأول مرة في حياتها، وافتقدها أطفالها الستة وزوجها المريض، ومع كل ذلك كان رمضان أسرِها دافئا بروحانيته ورحماته، بفضل الطقوس الجميلة التي عاشتها مع رفيقاتها الأسيرات بدءاً بمائدة الإفطار وليس انتهاءً بالعبادات.

نعم مضى الشهر الكريم ثقيلا بسبب بعد الأحبة وفي الوقت نفسه كان شهراً فيه من الجمال والخفة. عن تلك المشاهد الرمضانية تجاذبت “بنفسج” أطراف الحديث مع هيفاء.

يجابهن بشجاعة ومرح

تُرى كيف يبدأ الاستعداد من قِبل الأسيرات للشهر الفضيل؟ صادقة وعذبةٌ طريقتها حين استهلّت الكلام بهذه الافتتاحية: “لنبدأ من تعليق الزينة في الزنازين فذلك يمنع تماماً، ولم يثننا هذا عن ابتكار زينة خاصة بنا، فمن ورق الدفاتر نشكّل رسائل مكونة من ثلاثين ورقة، تأخذ شكل الوصايا والحِكم وبعض الآيات القرآنية التي نضعها تحت وسائدنا، على أن تسحب كل أسيرة ورقتها من الظرف الذي كان من نصيبها لتقرأ ما فيه بصوت عال وتعمل به طيلة الشهر”.

الغريب في الأمر أن هيفاء في أول رمضان لها بعد الإفراج رفضت تزيين بيتها، مستشعرة أكثر معاناة صاحباتها، لا سيما وهن يفتقدن الأهل والأحبة، وربما من يعرف هذه المرأة عن قرب لن يستغرب وفاءها.

تشتري الأسيرات التمر بكميات أكبر قبل رمضان وبعض الألبان والأجبان، ومن ثم يتبادل الجميع التهاني بمجرد أن تثبت رؤية الهلال، وبعدها تأخذ المسابقات طريقها للانطلاق؛ سواء في حفظ القرآن الكريم أو الأحاديث أو التجويد. وترصد لها بعض الجوائز؛ كأن يرصد مبلغ للفائزة تشتري به ما ترغبه من “الكنتينة”، كما يتم الترتيب لصلاة التراويح والجماعة على نحو يليق بخصوصية الشهر.

 “نحاول قدر المستطاع جعل الإفطار أقرب إلى أجواء بيوتنا، إذ تلّتف الأسيرات حول المائدة ينتظرن آذان المغرب فيما قلوبنا تلهج بالدعاء. حقاً إن روح المحبة والتكافل حاضرة في هذا المشهد بما يكفي”.

تتناول أسيرات الزنزانة الواحدة الإفطار والسحور؛ مع العلم أن إدارة السجون لم تسمح بالإفطارات الجماعية بين كل الزنازين -وفقاً لهيفاء- ولا يراعي السجان أي حرمة للشهر الفضيل، بل إنه يمعن في استفزاز الأسرى والتنغيص عليهم.

توضح هيفاء: “لا تكتفي مصلحة السجون الإسرائيلية برفضها طلبنا للإفطار الجماعي، بل يحلو لها ساعة الإفطار أن تُطلق جولات التفتيش وتخرج الأسيرات إلى الساحة قبل أن يكملن تناول الإفطار، وقد يحدث التفتيش أثناء التراويح”. وتضيف: “كما تمنع “المصلحة” إدخال ملابس الصلاة على وجه الخصوص، ولا تتوانى عن إرجاع المصاحف بحجة عدم التصريح”.

وإن تساءل أحدنا عن الأسلوب الذي تتبعه هؤلاء النساء الشجاعات لمواجهة هذه التعقيدات، فإن هيفاء تجيب: “بكل تحدي وعنفوان نجابه هذا “النكد”؛ لنفطر معاً في الزنزانة ونتبادل الأحاديث بمرح ونعدّ الحلوى بأقل الإمكانات المتاحة، ناهيك عن إقامة صلواتنا معاً رغماً عن أنوفهم، كنا نقف أمام السجان يداً واحدة دون أن نرضخ لجبروته، ومحاولاته التي لا تخمد لكسر إرادتنا، لقد غمرنا اليقين بأن “يد الله مع الجماعة”.

وعلاوة على ما سبق تقول أم فراس إن رفيقاتها لم يمنحن لذة النصر لهؤلاء ولو لمرة: “عند إخراجنا للتفتيش تنتشر البنات والابتسامة تزين وجوههن وكأنهن ذاهبات في نزهة، ويلقين في أذن السجان هذه الجملة ” يا الله ما أحلى شمّة الهوا بالليل”!

إبداع البدائل

كانت هيفاء تمارس الطبخ وإعداد ما لذ من الحلويات، وتضفي سحر لمساتها على المقلوبة والمسخن والفلافل وغيرها من المأكولات، علماً أن تحديد نوع الوجبة يكون وفقاً لرغبة الأسيرات: “في اليوم الأول هناك من يفضل الملوخية أو المعكرونة أو “الأوزي” أو المقلوبة، يتم الاختيار وفقاً لرأي الأغلبية بما أن أصولنا تتوزع من مختلف أنحاء فلسطين”.

وعن مهاراتهن في استخدام أبسط المكونات: “لا تتوفر المقادير المطلوبة غالباً؛ فعلى سبيل المثال الدجاج يأتي بلا مرق، ويكون مطهواً بالبخار، لذا أحاول تنظيفه مرة أخرى وأضيف إليه الماء الساخن والبهارات و”الماجي” حتى ينتج المرق المطلوب للطعام. مثال آخر: عندما أقوم بعمل “مخلل” لا أجد خلاً، وحينها أضيف عصير ليمون مركز حتى يغني عن الخل”.

لكن ماذا عن الحلوى يا ترى؟… تضحك روحها ثم تدخلنا في الأجواء: “بعض الحلويات لا يتوفر من متطلباتها أي شيء، لنأخذ الكنافة أنموذجاً: كنت أصنعها بفتات الخبز “خبز التوست المقطع”، ثم أضع الزبدة في المقلاة، و أقلّب فتات الخبز ومن ثم أرصه جنباً إلى جنب وبعدها أضع شرائح الجبن الصفراء فوق الخبز ومن ثم القليل من فتات الخبز و أضعها على النار لبعض الوقت ثم أقلّبها وبعدها أسقيها بالقطر، طعمها لذيذ!!”.

وتضيف وهي مستمتعة بحديثها: “كنت أجفف حواف الخبز بالشمس ومن ثم أدقها لاستخدمها في الحلوى وتغليف الدجاج والسمك بها، بعد أن أصبحت شبيهة بــ “البقسماط”. أما الكريما كنت أعدّها من اللبن الزبادي وملعقتين مربى فراولة”.

ماذا عن القطايف “حلوى رمضان”؟ تقول “الشيف” البارعة: “قطايفنا في السجن عبارة عن خبز التوست مقشور الحواف، نقوم برقّه بكوب بلاستيكي أو “قنينة” إلى أن يصبح سميكا ومتماسكا، أما القشطة نعدّها من الحليب والنشا، وأحيانا إذا توفر لبن فواكه (شوكو) بطعم الفانيلا نضيفه لتأخذ طعمها ونحشو العجين بالقشطة المُبردة ومن ثم نلفها وتصبح جاهزة للقلي”.

لا تعجز الأسيرات أمام عدم توفر أدوات المطبخ؛ ومن بين ذلك ما توضحه هيفاء:

نستخدم غطاء علبة البندورة أو علبة المخلل لتقطيع كل ما نريد من خضار وفاكهة، إنها “سكين السجن” التي تنقذنا. كما أن حفارة الكوسا صنعتها من ملعقة خشبية كبيرة بعد كسرها وحفّ الجزء الحاد  بالأرض بشكلٍ يجعلها تفي بالغرض المطلوب، ذلك أن أغلب أيام الجمع نطبخ المحاشي”.

وتشير إلى أن “البوتاجاز” الذي تتعطف به إدارة السجن عليهم يسمى “بلاطة” يعمل على الكهرباء ويتسم بالبطء الشديد، بحيث أن الطعام الذي يستغرق دقائق لإنضاجه، فإنه في هذه الحالة يحتاج إلى ساعات.

وتروي بعض المواقف التي تظهر فيها القدرة على إدارة البدائل بشكلٍ أفضل: “مكان الثلاجة خارج الزنزانة تحديداً في الساحة، التي لا يمكننا الوصول إليها إلا في ساعة الفورة، كنا نضع عبوات الماء في الثلاجة إلى أن تصبح مُثلّجة، ثم ننقلها إلى صندوق بلاستيكي ومن ثم نضع فيما بينها المشروبات الغازية واللبن والجبن وبقية الطعام حتى لا يفسد من الحر، وهكذا يصبح بإمكاننا الاستمتاع بالمشروبات المثلجة حتى آذان الفجر”.

الروحانيات تذيب قسوة المواقف

سألتُ هيفاء عن أكثر ما افتقدته أثناء الأسر، تنهدّت وكأن دمعة سبحت في عينيها :”اجتاحني الشوق إلى المسجد الإبراهيمي، فقبل الاعتقال كنت مع فريقي التطوعي أحيي ليلة القدر عبر توزيع الطعام والنظام وخدمة زائري المسجد، ومن ثم تنظيفه. كان ذلك العمل من أجمل أيامنا وأعمالنا التطوعية، إلى ذلك كله جرفني الحنين”.

وعن أكثر التفاصيل الرمضانية التي تفتقدها الأسيرات تقول: “نشتاق إلى مائدة العائلة، وتلك الجلبة التي تسبقها أثناء التحضير، ربما من السهل قول هذا.. لكن من عاش التجربة يدرك كم يتعذّب الأسرى حين يهب نسيم الذكريات في تلك الساعة”.

مرت ضيفتنا بموقف لا تحتمله أي أم،  فقد صادف في هذا الشهر أن تقدم ابنتها البكر امتحانات الثانوية العامة، تصمت بألم ثم تتابع: “لا يمكن أن أخبركِ عن مدى حزني بشأن بعدي عن ابنتي حين كانت في أمسّ الحاجة إلي، تخيلت كل ليلة أنني أسهر معها أرعاها، وشعرت بروحي تطوف حولها بالدعاء والصلاة، تمنيت أن أكون إلى جانبها لكن أمر الله فينا نافذ”.

إلا أن ثمة مفاجآة كان لها وقع أكثر ألماً: “تخيلي كم كُسر خاطري، فبعد صدور النتائج كنت أقف في قاعات المحكمة، وأمضيت ثلاثة أيام في غرفة عزل بلا راديو ولا تلفاز، دون أن أعلم إن كانت ابنتي قد نجحت أم لا”. كما أن أصغر أطفالها وعمره أربع سنوات بقي مصراً على رفض الطعام لأيام طويلة بسبب غيابها، وكان يتذمر باكيا: “أريد دجاجة كبيرة مثل التي تصنعها ماما”، أما طفلتها الصغيرة فلم تتقبل أن “هذه ماما” لشهور طويلة بعد خروجها من السجن.

صلاة الجماعة والتراويح وختمات القرآن هي ما يميز رمضانهن في الأسر، أما ليلة القدر فلها برنامج خاص يتضمن الصلوات والتسابيح والابتهالات والنوافل بعد الإفطار وفق برنامج دعوي حتى صلاة الفجر، ويتناوبن على الإمامة فيما بينهن. تواصل هيفاء حديثها: “كنا نتعذب كل ليلة لنلتقط بث إذاعة الفجر، حتى نسمع القرآن وننام على صوته، ونسمع بعض الفتاوى وقيامات العشر الأواخر”. 

ماذا لو تعرضت الأسيرة لــ “العزل الإنفرادي” في الشهر الكريم، تجيب هيفاء: “إن ذلك هو قمة التحطيم لمعنويات الأسيرة حين تجلس بمفردها في زنزانة غير مؤهلة، ليس فيها ما يأوي جسدها من فراش أو وسائد أو أغطية، وحتى ليس فيها أي وسيلة لتحضير الطعام، أما الطعام المقدم لها فهو سيء جداً، وبذلك يغدو السجن اثنان حيث لا أحد يشاركها قسوة أيامها، وكل ما تملكه أن تشكو لحائط الزنزانة المرافق لها طوال أيامها بالعزل”.

وأشارت إلى أن الاحترام سيد الموقف بشأن اختلاف الرغبات بين الأسيرات، بعضهن كن يتابعن المسلسلات وهناك من تتسمر أمام قناة “معاً”، القناة الفلسطينية الوحيدة المسموح بها، لا سيما حين تعرض البرامج التي تنقل شوارع المدن وأسواقها فيتقد الشوق في قلوبهن، وكان الباب مغلق أمام الحديث في “السياسة الفصائلية” تجنباً لنشوب الخلافات.

وإذا ما دخلت أسيرة جديدة إلى السجون الإسرائيلية وتزامن ذلك مع دخول رمضان، فإن مهمة “شاويش الزنزانة” كما يلي: “نبدأ بتعريفها على المرافق في القسم و بمكانها، ومن ثم اطلاعها على البرنامج الرمضاني المتداول وتحفيزها للقيام بأعماله وتبيان ما لها من أجر، وتذكيرها أنه شهر لاستجابة الدعاء فالله مجيب قريب”.

“كتيب الصلاة” هدية

كانت أم فراس ملهمة للفتيات بحق، لا سيما أنها “مدربة دولية” في التنمية البشرية، ناهيك عن أنها كانت تعمل مديرة لمدرسة خاصة سابقاً، ومن جهة ثانية لم تنفك عن اتباع الأساليب الإبداعية لأجل دب المرح والنشاط في أوصالهن بممارسة التمارين الرياضية واللعب دون أن تتوقف عن جرأة عمل “المقالب”، كل ذلك كان يسهم في التخفيف عليهن. تقول هيفاء: “ما كان يحق لي أن أشكو همي، ففي عنقي أمانة  26 أسيرة، ولو أني فكرت بنفسي وبأولادي لضاعت هؤلاء الأسيرات”.

موقف طريف لا يمكن لهيفاء أن تنساه أبداً وهذه المرة مع الأسرى الرجال الذين أسدوا لهن معروفاً ذات مرة، ترويه بروح الدعابة:

“أرادت إدارة السجن بناء حمام ثاني داخل زنزانتنا لأنها كبيرة، فوقعت هذه المهمة على الأسرى، وأثناء ذلك كنا نُرسل إلى الساحة، وبطبيعة الحال نُمنع بأي شكل من الحديث معهم، وحين ينتهون من عملهم نعود إلى الزنزانة، ويوما ما فوجئنا بــ “كتيب لمواقيت الصلاة” علي السرير، الذي يدخل في قائمة الممنوعات؛ وقد كُتب عليه: “إخوانكم بالله من جنين،  وقد دعتني المخابرات للتحقيق معي بشأن مصدر هذا الكتيب، حاولتُ الدفاع عنهم حتي لا يطالهم العقاب قائلة: “لا بد وأنه وقع عن غير قصد من أحدهم، ومن ثم أبقوه معي فيما عاقبوا أحد الشباب بيومين عزل”.

وصلنا إلى خاتمة الحوار مع هيفاء صاحبة الروح المشرقة، وأردنا أن يكون يوم العيد خاتمة سعيدة، تبتسم بحب لكل يوم جمعها مع الأسيرات: “قبل العيد صنعنا المعمول بالسميد والجوز والعجوة، ذلك أن الجوز يتوفر في “الكنتينة” لكن العجوة نعدها من التمر المجفف على النار لنضيف إليه القليل من الماء وبعض الزبدة والقرفة؛ كانت فرحة الأسيرات لا تقدر بثمن عندما شاهدن حبات المعمول حتى وإن لم تكن بالجودة المرجوة. أحببنا تشكيله عبر وضعه في قالب صنعناه يدوياً من البلاستيك ليأخذ شكلا جميلا، فيما “سحقنا” السكر باستخدام علبة البندورة، فلا توجد سوى المعلبات لتفي بهذا الغرض”.

هذا هو رمضان أسيراتنا، أرادت “بنفسج” أن تقربه لكم لعلنا نستذكرهن على موائدنا، وفي قلوبنا، ودعائنا..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق