الوطن في المخيال الهندسي: مشروع يحاكي العودة للفتا المهجرة

جمعتهن كلية الهندسة المعمارية في جامعة بيرزيت، فحملن هم قضيتهن خلال دراستهن، واتفقن أن يكون مشروع تخرجهن عن القرى الفلسطينية المهجرة التي تتعرض لمحاولات طمس من قبل الاحتلال الإسرائيلي. وقع الاختيار على قرية لفتا، قضاء القدس، فكان عنوان مشروعهن “إعادة إحياء لفتا المهجرة كنموذج للعودة”. مهندسات العودة، ناقشن، ودرسن، وبحثن عدة جوانب سنتعرف عليها في هذا التقرير.

الصديقات الثلاث: جميلة عابد، كفاح أبو شرار، وأريج خلف، لم تكن قرية لفتا بالنسبة إليهن مجرد مشروع تخرج فقط، بل حياة عاشوا كل تفاصيلها خلال عام كامل؛ أضافت لهن على الصعيدين الشخصي والمعرفي.

تصوّر شامل لهوية أصيلة

تقول جميلة إحدى مهندسات المشروع: “قبل البدء بالمشروع درسنا أهم البنود التي يمكن اختيارها للعمل عليها، وضعنا تصورًا شاملًا حول؛ عدد أهالي قرية لفتا حال عودتهم إليها، أماكن سكنهم ووجودهم، درسنا مستقبل اللاجئين، وقدمنا نموذجا حيّا يبرهن أنّ حق العودة يمكن تطبيقه على أرض الواقع”.

كفاح أبو شرار، تؤكد أن الهدف الأساسي للمشروع هو إيجاد نموذج للقرية الفلسطينية القادرة على المحافظة على هويتها، وتقديم وثيقة تحفظ حق اللاجئ الفلسطيني في ملكيته لأرضه.

أما عن آلية التنفيذ، تشرح المهندسة كفاح لـ “بنفسج”: “شرعنا بوضع خطة أولية للمتطلبات بدءًا بمرحلة جمع المعلومات، وتحليل عدد من الحالات الدراسية المشابهة والمعاكسة للمشروع، وتدقيق الكتب والمقالات، والتواصل مع أهالي لفتا في مختلف أماكن تواجدهم”. وبعد ذلك، انتقل فريق المهندسات إلى برنامج إحياء القرية الذي شمل جوانب الحياة المختلفة، ومناحيها الاقتصادية، السياحية، التجارية، والخدماتية”.

لماذا اتفقتم على قرية لفتا كنموذج للدراسة؟ تجيب أريج: “موقعها الجغرافي الاستراتيجي؛ فهي البوابة الغربية لمدينة القدس المحتلة، وتتوسط عدة قرى مهجرة، مثل: عين كارم، والشيخ بدر”.

مقاومة هندسية

ما زالت لفتا محافظة على مبانيها بأقواسها وشوارعها. وكل حجر فيها شاهدٌ على المجزرة التي ارتكبت تحت الأقواس، تلك التي استشهد فيها أول شبان القرية. تقول أريج: “مشروعنا نوع من المقاومة، ومخطط مضاد للاحتلال الذي يحاول تهويد لفتا وطمس هويتها؛ فحق العودة لن يسلبه أحد، وهو قابل للتطبيق”.

أما عن العقبات التي وقفت أمام مهندسات العودة، تشير كفاح إلى أن شح المعلومات عن قرية لفتا كان عقبة أساسية، يضاف إليها مضايقات المستوطنين أثناء الزيارة الميدانية، وصعوبة الوصول إلى أهالي لفتا المنتشرين في أماكن مختلفة. 

جميلة من الخليل، وكفاح من رام الله، وأريج من جنين، لذلك، كان هناك صعوبة في الوصول لقرية لفتا وزيارتها، ولكن بعد محاولات عدة حصلن على التصريح للدخول للقدس، ورؤية لفتا على أرض الواقع.

رحلة للقدس بلا ارتحال

زيارة القدس المحتلة بالنسبة للمهندسات الثلاث أجمل مراحل المشروع، تقول كفاح: “اعتبرنا زيارة الموقع رحلة تاريخية تعليمية أثرية ودينية، وسعدنا بمساعدة أهل بيت المقدس لنا ومشاركتهم رحلتنا”. أردفت جميلة: “رافقنا في زيارتنا لقرية لفتا، موسى أبو ليل، لاجئ عمره يزيد على 90 عامًا. وعدنا معه بالذاكرة إلى 70 عامًا مضت، من على مرتفعات القرية؛ حيث حكى متألماً قصة التهجير والدمار الذي خلفه الاحتلال”.

مهندسات العودة درسن تاريخ المنطقة جيدًا، والتقين بكبارها، ووضعن تصورا فعليا مخطوطاً للقرية. أريج روت ل”بنفسج” حكاية منزل أبو بدر الذي هدمه الاحتلال فوق رؤوس ساكنيه، وما زال سقفه المهدوم موجودا حتى هذه اللحظة. كما عايشن قصص التهجير مع “حجات” القرية، ومن ضمنهن الحاجة فاطمة التي توفيت ابنتها خلال تهجيرها من لفتا. 

جميلة، عرّفها المشروع بأساليب بحث جديدة، وتوسعت في مفاهيم إعادة الإحياء، والتخطيط العمراني على مستوى إقليمي واسع. أريج، أكدت أنه لو لم تحتل قرية لفتا لأصبحت ضاحية من ضواحي القدس، إضافة إلى أن المشروع لم ينته بعد، وسيتم إيصاله لأكبر قدر ممكن. كفاح، دعت إلى تصميم مشاريع مشابهة، تهندس حق الفلسطينيين في العودة مهما طال الزمن.

الفريق تلقى الدعم الكامل من مشرف المشروع في جامعة بيرزيت، وجمعية لفتا الخيرية، حيث ترشح للمشاركة في مسابقة المؤتمر الدولي المعماري في لبنان.

قرية لفتا، كان يقطنها قبل التهجير حوالي ثلاثة آلاف نسمة، وفيها 55 منزلًا، بعضها ما زال قائمًا حتى يومنا هذا. وبنيت معظم بيوت القرية من الحجر، واتخذ مخططها شكلًا قوميًا أو دائريا؛ فأقيمت المباني متماشية مع منحنيات التسوية. 

يذكر أن قرية لفتا تحتوي على العديد من المعالم، أبرزها: جناين لفتا، عين لفتا، مقام الأمير سيف الدين، مسجد لفتا، وكان يسمى بمسجد سيف الدين نسبة للمقام القريب من المسجد، خان الظاهر بيبرس، المدرسة الأميرية، مقبرة القرية، ومعصرة الزيتون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق