عاممدونات

تجربتي في مؤتمر القدس: فيض من بعث جديد

أشعر وكأن حياتي سلسلة من بعث جديد، في كل مرة أقف فيها عند حدود نقطة ما، لأتكأ مستسلمة لرياح الواقع، أفاجىء بقدرٍ حيٍ يطرق باب عزلتي.

كانت ليلة شتاء باردة، سارعت فيها كما عادتي لاسترق بعض الوقت لنفسي قبل أن يغالبني النعاس، فأتصفح هاتفي وأقضي بعض الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي. حينها استوقفني إعلان على صفحة صديقةٍ لي تدعو فيها باسم “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” لكتابة أوراق بحثية حول موضوع القدس، للمشاركة في مؤتمر “القدس: تحديات الواقع وإمكانات المواجهة” الذي يعقد في ظل ظروف معقدة، تتسرب فيها أخبار صفقة القرن كل يوم.

لوهلة، رأيت في نفسي من الحزم ما جعلني أخاطب نفسي بصوت عال “عيب عليك يابنت ما تكتبي في موضوع اسمه وهويته القدس”، ووجدتني أقلّب صفحات الورقة التعريفيّة للمؤتمر بحماس، كنت أقفز من موضوع لآخر، ودقات قلبي تخفق بشدة، ثم أخيرا، توقفت عند موضوع التعليم، شيء ما استوقفني عنده!

لم تمض سوى بضعة أيام حتى كان المقترح البحثي جاهزا للإرسال، وقد اخترت فيه أن أدرس موضوع تحريف المناهج في القدس، من منظور الذاكرة الجمعيّة التي تعيد إحياء التاريخ لتصنع منه وجبة يومية تغذي بها ذاكرة الناشئة، فالذاكرة الجمعية هي نقيض ما يعلق بأذهاننا من كونها مجرد أحداث ومخيالات حصلت معنا في الماضي، لتشكل في مجملها ظاهرة مجتمعية وثقافية، فتأتي الهوية والثقافة كنتيجة لفهم الذات وامتلاك جمعيّ للماضي، وليس كنتاج للوراثة البيولوجية.

حتى تلك اللحظة، لم أكن لأرهق نفسي في التفكير بجدية الموضوع، واحتمالية خوض التجربة كاملة ، كنت أتعامل مع نفسي برفق، لئلا أسمح للكسل أو اليأس بأن يتسربا إليها، كنت أفرح بكل خطوة على حدى، وجاء وقت الجد، حين تمت الموافقة على مقترحي وأعطيت مهلة ثلاثة أشهر لإنجاز بحث علمي أصيل.

ثلاثة أشهر ونيف، أو على حد قول منسقة المؤتمر “نوّار ثابت” كانت تلك أقصر فترة تعطى للباحثين، لإنجاز أوراقهم البحثية من قبل المركز، أما عني، فقد أفتتحت مهلتي تلك، بعمرة كان مقررا لها فيما سبق، والعمرة كما أصفها، إجازة من الحياة الدنيا على كل الصعد، فلا ضجيج، ولا معارف، ولا أولاد، ومسؤوليات، ولا حتى بيت، وترتيب وتنظيف وطهي لا ينتهى، إجازة من كل عوالق الدنيا ليحلق المرء في ترانيم الآخرة، حديث لا منتاه مع الله، وحب لا مشروط لعبيده، عفو وصفح وتسابق في الخيرات.

حين رجعت من رحلة المعراج خاصتي، كان الحماس يملىء قلبي بينما كانت الأفكار والتخبطات تعجّ في عقلي، فقد مضى على آخر بحث قدمته – وهو رسالتي الماجستير- ما لا يقل عن سبع سنين، لم يكن من السهل أن أنفض غبار الفوضى والنسيان، لأبدأ رحلة ألملم فيها أشتات نفسي الباحثة.

 بدأت بالقراءة والاطلاع والتفكّر والبحث الطويل، فأنا لم أبدأ الكتابة، إلا بعد أن اتضحت صورة الدراسة في مخيلتي، فبنيت سفينتي، وأبحرت في موضوع ظننته للوهلة الأولى يعبر سباحةً، غير أنه كان أعمق وأخطر من كل ما تصورت؛ كان حرب يومية تحاك لها من قبل الاحتلال خطط قصيرة وبعيدة المدى؛ تهدف لإعادة صياغة الإنسان المقدسي ليشبّ ناكرا لهويته، ناقما على قوميتة، مسلّما برواية الاحتلال.

لم يكن من السهل عليّ كأم لأربعة أطفال، ومسؤولة من زوج وبيت وأطفال، وأنا التي لم أعتد على الالتزام بوظيفة أو عمل لفترة طويلة، أن أكرس كثير وقتي لإنجاز البحث، غير أني وجدت في نفسي من الرغبة والإرادة، ما جعلني أجلس أمام شاشة جهازي ما يقارب الأربع إلى خمس ساعات يوميا، ويمكن لأي سيدة في مكاني أن تتخيل مقدار الوقت المستقطع بين إطعام الأطفال والاعتناء بهم، وحل مشاكل وفض خصومات ورقابة وتوجيه ومتابعة دروس، لكن سري الصغير تمثل في زوجي الذي كان يسارع بسؤالي حول ما أنجزته من دراستي في ذلك اليوم.

مضت الأيام سريعا، وتوالت أحداث كثيرة، كنت أنقطع فيها عن دراستي، لأعود بعد ذلك بنفس أقوى. ثم جاء اليوم الموعود، نظرت لعملي، وقد اكتمل بفخر ومحبة، وهو الذي أصبح جزءا من حياتي، فكنت أحسبه طفلي الخامس.

أرسلته برفق عبر البريد الإلكتروني، ووظلت أرقبه كما فعلت أخت موسى التي ألقته في اليم، كنت أتفقد بريدي حثيثا عل الرد يأتي قريبا، وكنت أدرك أن عملية التحكيم لست بالأمر اليسير، وظللت أنتظر، ثم جاء الرد الذي تراقصت له كل حواسي، التوصية بالنشر دون قيد أو شرط، كانت سعادة بلا حدود وفخر وثقة استيقظت في نفسي تباعا.

تجربة جديدة حالمة، حين وجدتني أقف بين ثلة من الأساتذة والباحثين، من جنسيات وقوميات متعددة ،توحّدنا بوصلة واحدة ترنو الى القدس.

كان كل شيء مثاليا، يستفزك لتخرج أفضل ما فيك، وعلى غير سبق تخطيط مني، كنت أقلّب كتيب المؤتمر أفتش فيه عن الباحثات أمثالي، أقف فيه عند الصفحات التعريفية الخاصة بهن، وأقرأ بعض ما كتب حول دراساتهن البحثية، وكأن الرابطة الأنثوية تتوقد في ظل غلبة الحضور الذكوري. وقد شكّلنا تجمّعا حيويا، فكنا نسارع لحضور جلسات بعضنا البعض، فنشد على الأيادي مشجعات داعمات، وفي الحقيقة، كانت المواضيع وطريقة الطرح والتفاعل مع الباحثات لافتاً جدا.

حين وقفت على المنصة، نظرت لكل القلوب التي ترقبني، وشعرت بأن الكون كله لي، فتراقص صوتي على إيقاع جهدي وسهري الطويل، لينسج أيقونة فريدة لذاتي الجديدة، فما حققته اليوم، فتح لي أبواب عوالم حالمة، لن تسمح لي بالركون إلى الصورة النمطية للمرأة بعد ذلك ما حييت.

أخيرا، علمتني تجربتي أن البذور التي خلنا أنها ضاعت بتعاقب الفصول، ستزهر يوما إذا ما أتيحت لها فرصة للعيش. وعلمتني تجربتي بأن البعث الجديد يحتاج عادة لتجارب حية تحيل الحلم واقعا، فتقرب البعيد وتذلل الصعب، فاحرصن على أن توقدن طريقكن بفوانيس من حياة الناجحين والناجحات.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق