في زيارة علية القوم: يبدَل المرّ عسلاً

خمس سنوات لي مضت في زيارات متفرقة إلى سجون الاحتلال، أزور فيها زوجي وحبيبي الغالي الذي فارقنا دون اختيار منه. أمر يراه المثبّطون جنونا، ويراه العارفون وصولا، فكل يرى بعين عقله، وهنا طبعاً ستختلف صحة العقول، وعليك أن تصغي لأسلمها، وأصحها لتستمر في درب الحرية.

تلك التصاريح التي تُمنح لنا بلونها الأزرق، تعني أنها أمْنِيَّة، أي أنه لا يحق لنا الزيارة إلا مرة كل أربعة أو ستة شهور. حمدا لله، غيرنا حُكم عليه بالمنع الأمني الدائم، فلا وصل ولا وصال.

القليل يمتاز بتصريح سنوي لونه بني، هو كحلم رجل مقفر بامتلاك منزل بالنسبة لنا. البعض يرى الزيارة هماً ونكداً، والبعض يراها ألماً، خاصة لمن ألمَّ به مرض. بعضهم يُجَمِّد مشاعره، فتراه يهيم على وجهه لا يدري أين يساق. ولكنهم جميعاً يتفقون أن ٤٥ دقيقة مع أسراهم تساوي الدنيا بما فيها من نعم!

في كل مرة أذهب للزيارة، أعود مثقلةً بالقصص والمشاعر والأفكار، ربما أحتاج يومين إلى أسبوع حتى أتخفف من أثر الزيارة الجسدي والنفسي المتعب، عدا ذلك الشعور بغمرة السعادة في دقائقي المعدودة مع زوجي، فتلك لا شأن لنا بها. أظنكم تفهمون قصدي، فتلك دقائق مقدسة؛ كلما تحدثنا عنها انتقصنا من قدسيتها.

كنت أوثّق تلك الزيارات بكلمات أحياناً، وأرفقها بصور وفيديو أحيانا أخرى سأذكر لكم بعضها، فلا يمكننا أن نحشر خمس سنين في مقال طبعاً. في عام ٢٠١٦ قررت أن أكون مرشدة سياحية متخصصة بالسجون، فتحوّلت لأليس في بلاد العجائب. دعوني أخبركم شيئاً. أنا أرى الأمور من هذا المنظور:

“رحلتي السياحية …

تبدأ هذه الرحلة مساءً، حينما لا أستطيع النوم، فكيف أنام وقد أغفو عن موعد الحافلة، أستيقظ مع أذان الفجر، أجهز حقيبتي بما لذ وطاب، وأنطلق بعد ذكر دعاء السفر. كم هي جميلة جبال فلسطين، خضرة يانعة، تنحصر تدريجياً كلما اتجهنا جنوباً وصولاً إلى الصحراء. صحراء فلسطين أيضاً جميلة، مساحات شاسعة من الصفاء وراحة العين، سبحان من أبدع!

توقفت بنا الحافلة …ما هذا؟لقد وصلنا!

مضت أربع ساعات ونصف ونحن في هذه الطريق، لا يهم…أخيراً، سندخل. سأذهب الى ذلك الشباك لأسجل اسمي وآخذ تلك البطاقة، لن تصدقوا تدافع الناس على الشباك، هذا يدل على أن الأمر ممتع جداً في الداخل.

أنتظر أن يصل دوري، صبري ينفذ.. متى؟ متى؟ إنه أنا، نعم أنا…دوري أخيراً!

جهاز تفتيش آخر. جميل جداً حرص هذا الجندي على سلامتي، لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، فتلك المرأة التي تحرص دائما على تقديم تدليك مجاني لنا، لا أدري أظنها مهرجة؛ فهي تحمل معها عصا سوداء تضيء بالأخضر والأحمر مصدرةً أصواتاً مختلفة.

وصلت إلى قاعة الانتظار، فتسارعت دقات قلبي، فكلما فتح أحدهم ذلك الباب اعتقدت أن دوري وصل، رفعت قدماي لتختلس النظر، لكن، دون جدوى.

ها قد فُتح الباب أخيراً، تسابقنا إلى الداخل، لنرى علية القوم وأشرافهم، كم اشتقنا لعيونهم . لكلماتهم، لابتساماتهم الحرة.. كم جميلة هي هذه الزيارة! حتى وإن كانت سياحتي إلى السجن، فهي أجمل الأماكن التي أحب أن أراها، حتى لا يهزمني عدوي أبدا !”

كلنا نعلم أن أجهزة التفتيش تلك لتثبيطنا، والمجندة التي تفتشنا ليست مهرجة، بل وربما ظننت أن من كتب هذه الكلمات شخص بسيط يريد أن يضحك على نفسه ويوهمها بجمال لم يكن يوماً حقيقة! ولكن المحب يرى بعين تختلف عن العيون كلها.. فعاشق دينه ووطنه يرى مُرَّهُم حلواً عسلاً يطيب له ويبرأ.

يقال: إن للحياة منكهات تضيف لها متعةً ولذة، ومن منكهات زيارة السجون ما دونته بكل حب عن أبرز شخصيات الزيارة من أهالي الأسرى:

عريف الزيارة: ذلك الشخص الذي ينصب نفسه مديراً على الأهالي. يدور بيننا، يشير بإصبعه ويقول: هل سجل الجميع اسمه هنا؟ هل أدخل الجميع المال؟ تأكدوا ممن معكم، هل هم في الباص؟

كبار السن خفيفو الظل: الذين رأوا من الدنيا الكثير، ومع ذلك يضحكون ويتبادلون قصصهم الطريفة التي تفرح الجميع.

كثيرو الكلام: مصدر الترفيه بقصصهم التي لا تنتهي، أو مصدر ازعاج للبعض، لا نعلم!

المتفقد الاجتماعي: وهو كبير السن الذي يتحدث مع أسيرهِ مدة قصيرة، ثم يقوم بعدها بجولة شباكا شباكا للسلام على الأسرى والحديث معهم. وفي شبابيك المتزوجين، يكون هذا الرجل مدعاة للتوتر غالبا!

فئة المحبَطين: الذين يستغلون كل موقف ليقولوا عباراتهم المشهورة: يبدو أننا لن نزور اليوم، يبدوا أن نهارنا طويل، وهكذا…

فئة المستبشرين خيراً: تسمعهم يكررون كثيراً: ” إن شاء الله، هذه آخر زيارة لنا”.

الفئة التي فهمت الدنيا: وآثرت دلال نفسها رغم الظروف، تراهم يحضرون الطعام أشكالاً وألواناً، فيأكلون ويضحكون ويتعازمون وكأنهم تحت شجرة وحولهم المروج الخضراء والورود. وأصدقكم القول؛ في إحدى الزيارات أحضر أحدهم (أرجيلته) والتفت حوله الجموع وتحول المكان لمقهى.

الفئة الضائعة: أولئك الذين بعد أن يتحرك الباص يتذكرون أنهم تركوا هوياتهم وتصاريحهم بالسيارة التي أوصلتهم. وتبدأ الاتصالات ليعود ذلك المسكين الذي أوصلهم لينقذهم.

مع الاحترام والحب لكل الفئات؛ لأنهم يصنعون ذلك الجو الجميل، والذكرى الجميلة في كل زيارة. أما إن كنتم تسألون عني أنا، فإنني من فئة كثيري الكلام، فقد أخبروني عندما قلت يا ليتني أتيت بروايتي: “أنتِ مسليه حالك لحالك، ومسليه كل الباص معك”.

كثيراً ما نقوم بالالتفاف على الحزن، فنضحك عليه مع ابتسامة منتصر. كثيراً ما نحوّل صعوبات حياتنا إلى مجموعة تفاصيل صغيرة تدخل علينا البهجة والرضا. بعد إحدى الزيارات، تأملت كل تلك التفاصيل التي أقوم بها لأغير أصعب وأطول الساعات إلى دقائق منتظرة وكتبت هذه الكلمات:

” صحيح أنني انتظر هذا اللقاء انتظاراً طويلاً، إلا أن ذلك الشقاء أو الجحيم المرافق للرحلة يكون له ثِقَلٌ مُنَغِّص، يجعل الكثير من عائلات الأسرى يقولون: “والله ما بكره إلا يوم الزيارة”، خاصة إذا كانوا ممن يزورون منذ سنوات طوال.كيف أُسعِد نفسي في هذا الجحيم، علماً بأن التالي قسم منفصل عن موضوع رؤية أسيري الغالي.

سأشتري رواية لتكون رفيقتي، أهرب إلى أحداثها في كل مرة يطول فيها الانتظار ويطول. عندما أصل الحافلة صباحاً، سأقصد مخبز “القاضي” لأشتري ما أشتهي من مبدأ “دلل نفسك”. ثم أردد أذكار الصباح، وأطالع شروق الشمس الذي يشرق بصفاء، وكأن هذا الكون لم يلوث قط، على طريق الحاجز صباحاً سأبحث عن بائع الكعك ذاك، وأشتري منه فطوري.

على الجزء الآخر من الحاجز، سأشتري القهوة -أحبها سادة مع قطعة شكولاتة، وأسرع الخطى بسعادة إلى الحافلة حيث سأفتتح الرواية وأبدأ. سأجوع حتماً، أضع الرواية، وأبدأ بذلك الفطور، مع تأمل اختفاء آثار الجبال واللون الأخضر وأَستَقبِل الأصفر وصحراء فلسطين.

إذا وصلت السجن، فإنني أقف في طوابير كثيرة، كثيرة جداً، وأستمع إلى قصص كثيرة أيضاً، وهنا أستغل وقتي بالاستغفار، فكم تحتاجه في تلك الطوابير الكثيرة والطويلة جداً جداً جداً!

من أحب اللحظات على قلبي، ذلك الشيخ -إمام الزيارة- الذي يتغير كل مرة حسب زوار هذا الشهر، سأنتظره لكي يقف وسط الساحة، يضع يديه خلف أذنيه وينادي للصلاة، سأحمل سجادتي، وأركض لأصطف بجانب عجوز تقية نقية أسمع دعواتها في السجود للأسرى والمسرى، عندها أسجد وأستشعر كم نحن أقوياء معاً، وحينها سأدعو بكل ما عندي من يقين ورجاء واضطرار ( يا رب.. اجعلها آخر زيارة).

قد أقوم من مكاني أُجلس عجوزاً بكل حنو وعطف، أو أمازح طفلةً وأضحكها، قد أُصَبِّرُ من زاره الشك، ثم والأهم من ذلك كله ستلتقي عيناي زوجي الغالي”. 

جرعات سعادة صغيرة رويتها لكم، لم تكن لتسعدني من قبل أو حتى أراها كشيء عظيم، ولكن اعتياد النعم أصبح من الماضي فكل تفصيل، مهما كان صغيراً، أصبح له أهمية بعد فقد! وبإذن الله، بكل يقيني وأملي أقول:

غداً تنتهي الزيارات، بل وتدمّر السجون.. غداً يحرر الأسرى وتحرر الأرض…أليس الصبح بقريب!

 

بهيه النتشه

زوجة أسير تمثل امتداد لمسيره، وتسعى لإيصال رسالة الأسرى وعائلاتهم للعالم. موظفة حكومية في تدريس التربية الإسلامية،محاضرة جامعية سابقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق