سوسن أبو فرحة: رمضان يجلب معه هلالا ونجمة وبركة

لشهر رمضان ذكريات لا تمحى من قلب الطبيبة الطاهية سوسن أبو فرحة، إنها امرأة فلسطينية برعت في تصوير الطعام وفازت بجائزة دولية في هذا الجانب. قطعت منتصف الثلاثين لكنها لا يمكن أن تنسى تلك اللحظات التي كانت تقضيها في طفولتها إلى جانب والدتها في المطبخ لتساعدها في تجديل أطراف السمبوسك. من هنا تحديداً بدأت حديثاً لطيفاً مع “بنفسج” حول أجوائها الرمضانية.

صاحبة المدونة التي لاقت انتشاراً واسعاً بفضل ما تتضمنه من وصفات للأكلات التراثية الفلسطينية للناطقين بالعربية والإنجليزية كليهما. اعتادت أن تصنع من مائدتها لوحة فنية في كل يوم وعلى وجه الخصوص في خير الشهور، وحتى هذه اللحظة لا تكف ضحكتها البريئة عن التساؤل حين تقلّب في ذكريات الماضي: “لا أعرف لماذا كانت أمي تصر على تحضير الكوسا المحشي أول يوم في رمضان، حقاً لست أدري لمَ كانت تختار طبقاً مرهقاً ويتطلب الكثير من الوقت مثل هذا!”.

طفلة ثم أما

 تستهل سوسن كلامها بتهنئة قراء “بنفسج” بمناسبة قدوم الشهر الفضيل، وتسترجع أيام الطفولة على وقع أغاني رمضان القديمة فتقول: “أذكر أن أبي عندما بدأت الأهلّة المضيئة في الانتشار اشترى لنا هلالاً ونجمة كبيرين جدا، كانا بطول متر تقريبا. ولا زلت أذكر حماستي مع أخي الأصغر ونحن نعلق الهلال على زجاج الشرفة، ونراقبه بفرح كلما ذهبنا إلى الصلاة. كانت الزينة ممتدة على نوافد الحي كله وتبعث السرور في نفوس الكبار والصغار“.

وتضيف: “من بين أشكال احتفاء عائلتي بشهر رمضان في الماضي، حرص أمي على أن تنشر جواً من السعادة بمجرد دخول شهر رجب لتبدأ عداً تنازليا لحين دخول الشهر الفضيل. كانت تحاول أن تحفزّنا دوما على التراويح، وقيام الليل، وقراءة القرآن وتدارسه في رمضان أكثر مما سواه”.

لكن ماذا عن استعدادها بعد أن أصبحت أما.. تقول الطبيبة المفعمة بالحياة والمودة : “أحاول دوما أن أحدث تغييرا تدريجيا تصاعديا مع دخول شهر شعبان بزيادة مهمة جديدة كل يومين أو ثلاث مثل زيادة ورد القرآن اليومي، بهذا الشكل يكون انتقالي لرمضان أكثر سلاسة ومتعة، وبشكل تدريجي”.

وتتحدث عن وسائلها الخاصة لتحببّ أطفالها بالشهر الكريم: “منذ كان أطفالي صغاراً اعتدنا أن نشتري زينة رمضان قبل قدوم الشهر الفضيل وبمجرد إعلان ثبوت رؤية الهلال نزّين المنزل بالكامل كأنه يوم عيد؛ وتبقى الزينة معلقة طوال الشهر الفضيل”.

وثمة أمور أخرى تبادر سوسن إلى فعلها: “حبي للأشغال اليدوية جعل من المهمة أمراً ممتعا حين أطبع لوحات تشجيعية وشهادات تقدير لهم لتحفيزهم على الصلاة والصيام والعبادات. كما نصمم مجسماتٍ لمساجد أو فوانيس ورقية ونرّقمها حسب أيام الشهر الفضيل، ونشتري بعض الهدايا الصغيرة و نخفيها في الفوانيس، وفي كل يوم يتمون صيامه يحصلون على مسجد صغير و هدية”.

يقضي الثلاثة -سوسن وطفليها- وقتاً ممتعاً في المطبخ، ذلك أن طفليها يحبان المساعدة في تحضير مائدة الإفطار وتنظيف الصحون، ولكل منهم مهمة تناسب عمره.

الحلوى مرة أسبوعيا

                  

وبخصوص تحضير المائدة الرمضانية التي تصب في صميم موهبة ضيفتنا، تتابع الحديث لــ “بنفسج”: “أحرص على وضع خطة أسبوعية للوجبات وأتسوق على أساسها، هكذا أختصر ما أمكن من الوقت والجهد وأتجنب الحيرة اليومية والسؤال الذي أمقته عندما لا يكون لدي جواب: “ماذا سأطبخ اليوم؟”.

 تحتوي مائدتها الرمضانية عادة على نوع من الشوربة وسلطة مغذية ومتجددة يوميا، مجتهدة في استبدال القلي بالشوي و المكونات الدسمة بأخرى، كما تقصر تحضير الحلوى على مرة في الأسبوع ما أمكن. ومن أحب الأطباق إلى قلبها “الرشتة”- طبق تراثي شعبي- فهو خيار نباتي مغذي، وصينية البامية المحضرة في الفرن.

وعن طقوس اليوم الأول تقول: “في أسرتي الصغيرة ليس لدينا طقوس فيما يتعلق بطبق اليوم الأول، أحضّر ما يتفق عليه الأطفال عندما نخطط لأسبوعنا، يجنح أطفالي لطلب الحلويات خصوصاً مع كثافة برامج الطبخ المستمرة خلال رمضان وأحاديث أصدقائهم عن أصناف الحلوى والطعام في المدرسة؛ لذا أحاول جاهدة أن أوفر لهم بدائل مغرية و مغذية في آن”.

وترى أن شهر رمضان مصممّ ليكون معسكراً تدريبيا للروح حتى يرتقي الإنسان بنفسه؛ مما يستدعي الكثير من التركيز والصفاء، مضيفة: “عندما كنت أعيش في الإمارات لم أكن أفضل السفر لزيارة عائلتي في الأردن خلال الشهر؛ خوفاً من أن تغلب أحاديث الشوق العبادات والروحانيات، ناهيك عن أن السفر مرهق نوعا ما، ويخلو من الاستقرار مما يقود إلى تشتت الذهن بطبيعة الحال”.

زيارات المدونة تتضاعف

ثمة وقت تحبه سوسن في هذه الأيام المباركة، حينها تشعر بأن الله قد تجلّى على قلبها،تفصح عنه قائلة: “في النصف ساعة الأخيرة قبل أذان المغرب ألقي نظرة تأمل على السماء وأشعر أن الكون كله خاشع، أحاول في تلك اللحظات مراجعة يومي ومدى نجاحي في استغلال وقتي في ذلك اليوم الرمضاني الثمين الذي يقارب على الانتهاء، ولا يسعني إلا أن أشعر بالسعادة وأنا أشاهد حركة الناس في الشوارع. البعض يسرع ليلتحق بالفطور، وآخر يهرول ليشتري شيئا نسي إحضاره في طريق العودة للبيت، أطفال يلعبون بانتظار الأذان، وآخرون يسرعون للمسجد لحلقة قرآن أو ليصلّوا المغرب. نبض رمضان الجميل الدافئ يتجلى في تلك الدقائق الأخيرة”.

وفيما يظن البعض أن الطعام الفلسطيني دسم على معدة الصائم، تنفي سوسن هذه التهمة، موضحة رأيها: “أعتقد أن وصف المطبخ الفلسطيني بالدسم والثقيل على معدة الصائم “ظالم” بعض الشيء، فالمطبخ الفلسطيني غني ومتنوع كونه يحتوي الكثير من الأطباق النباتية المغذية، ويركز على الخضار بشكلٍ واضح سواء في السلطات أو المقبلات أو حتى الأكلات الرئيسة. لا شك أن هناك أصنافاً تمتاز بالدسامة، لكن الموضوع في النهاية يعود لك ولاختياراتك”.

لا تتابع سوسن المسلسلات و لا برامج الطبخ في رمضان، ذلك أن الوقت أضيق من أن يسمح بمتابعتها؛ لا سيما أن لجميعها إعادة عرض بعد انقضاء رمضان -حسب قولها- موضحة: “أحاول متابعة برامج دينية تستهويني، وعادة ما أستمع لها وأنا في السيارة أو خلال تحضير الإفطار”.

تحاول وصف الأجواء العائلية بالقول: “في الواقع تقتصر الدعوات في رمضان على الأهل والإخوة فقط، أحضّر أثناءها أطباقاً يحبها والدي أو أطباقاً يطلبها أخي من مدونتي بشكلٍ خاص، وأسعى فقط لتقديم أطباق يستمتعون بها”.

وحول مدونتها “الشيف المتنكر” التي تهتم بنشر الأطباق التراثية، تقول:“يبحث الزوار عن وصفات الطعام في أول الشهر ووصفات المعمول والكعك في آخره؛ إذ يحاول كثيرون إعداد وصفات تراثية أو تقليدية في رمضان لم يجربوا إعدادها من قبل؛ مما يدفعهم للبحث عن وصفات مكتوبة بدقة”.        

 أسألها عما إذا كانت تجد المزاج لتصوير الأطباق الشهية في الشهر الكريم، فتجيب: “قد تستغربين أنني أجد الوقت في رمضان أكثر بركة مما سواه، ربما لأنني أنظم وقتي بحرص وأحاول استغلاله بالحد الأقصى، لذا أجد الوقت لأصور وأتواصل مع القراء، أضيفي إلى ذلك أن عدد زيارات القراء للمدونة يتضاعف بل ويصل إلى ثلاثة أضعاف في رمضان، ومع هذه الزيارات تكثر الطلبات لوصفات معينة ويسعدني تلبية تلك الطلبات خصوصا إن كانت من مغتربين أو من عروس جديدة مثلاً”.

وتتطرق إلى الحلوى التي تفضل إعدادها في شهر رمضان، تقول: “مشكلة الحلويات العربية التقليدية أنها غنية جدا بالسكر والدهن، لذا مع أنني أحضرّها في رمضان إلا أنني أحاول ما استطعت تقليل الكميات أو استبدال بعض المكونات بأخرى صحية، وعادةً ما أفضل الحلويات من الشوفان والفواكه على ما سواها، علماً أني لا أحضّر الحلوى بشكل يومي بل استبدلها بصحن من الفواكه، تلك هي معادلتي حتى الآن وأحاول تحسينها في كل عام”.

وتعتز سوسن بمطبخ بلاد الشام، إذ يعد من أغنى المطابخ العالمية وأكثرها تنوعاً بفضل الحبوب والخضار مما يتيح الإبداع فيه إلى حد كبير حسب قولها. في حين ترى أن مطابخ أخرى تركز على الأرز واللحوم أو أنواع محددة من الخضار فتغدو إمكانية الإبداع فيها أقل.

وفي ختام حديثها تقول: “أميل للأطباق التراثية وإن كانت مائدتي لا تخلو من الأطباق الغربية أيضاً، فمثلا من أطباق أطفالي المفضلة الفريكة واليلنجي المسخن والفاصوليا البيضاء وصينية البطاطا، وفي المقابل يحبون أيضاً المعكرونة بصلصة البيستو؛ ودجاج الملك بالخضار والبرياني. يمكنني القول أننا أسرة نحب الأطباق الغنية بالألوان والنكهات؛ العربية منها والغربية على حد سواء”.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق