حضور امرأةعام

“لو لم أكن هناك” : حكاية شعب بريشة مجدل نتيل

“يكفي أن تجتهد وتعمل بصدق، ليأتيك كل شيء لاحقًا”.

هو شعارها في الحياة، ونصيحتها لكل الراغبين بدخول عالم الفن، تعتبر الألوان وسيلة فقط، ولا تفضل أي لون في لوحاتها. كبرت عمرًا بانتهاء كل معرض تقيمه؛ فكل معرض وهبها حياة. أمسكت قلمها في عمر مبكرة، وسطّرت خطوطاً عشوائية هنا وهناك، فكانت “خربشاتها” ولادة لطفلة رسّامة، اسمها مجدل نتيل.

ملهمها الأول

مجدل، خريجة قسم الفنون الجميلة بجامعة الأقصى في غزة، لم تحتر كثيرًا في اختيار تخصصها الجامعي؛ كونها أرادت أن تدمج بين هوايتها ودراستها. تقول: “بدأت الرسم وأنا صغيرة جدًا، لا أتذكر ماذا رسمت أول مرة، ولكن كلما مر الزمن بي، أرسم بوعي ودراية أكبر”.

ألا يقولون “هذا الشبل من ذاك الأسد”. انطبق هذا المثل على مجدل بحذافيره، فوالدها بالأصل رسّام موهوب، استطاع بسهولة أن يفهم أن الخطوط التي تصنعها طفلته على كل ورقة تقابلها ما كانت إلا فنًا. أطلق ملهمها وفنانها الأول عليها اسمها؛ نسبة إلى مدينة المجدل المحتلة التي هجر منها عام 1948، لعل طفلته الصغيرة ترسم له المجدل يومًا ما عن قرب.

تقول لـ “بنفسج”: “دخلت حقيقة عالم الفن التشكيلي بعد التحاقي بالجامعة، حيث شاركت في عدد من المعارض الفنية، وعرضت أولى لوحاتي بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008”. 

ضيفة “بنفسج” ترسم على القماش “بالإكريلك” غالبًا ولكنها ليست من أولئك الذين يقتصرون على خامة أو مادة معينة عند الرسم؛ فهي تحب تجربة كل الأدوات. تقول: “الألوان والأدوات وسيلة فقط تعطي الإحساس المرغوب، لذلك لا أفضل خامة على أخرى”.

فنانو غزة لهم وضعهم الخاص، فهم يعملون في أقل الإمكانات دائمًا، ولكن مجدل تحاول التغلب على كل التحديات. تذكر أنها أثناء تحضيرها لوحتها الشمعية “لو لم أكن هناك” بعد العدوان الإسرائيلي على غزة؛ غشاها الإرهاق، إلا أن النتيجة كانت مرضية.

لو لم أكن هناك

“لو لم أكن هناك”، نقطة تحوّل في حياة مجدل الفنانة. تقول: “هو لوحة تشتمل على 400 رسمة بأقلام الشمع التي يستخدمها الأطفال، كُتب على كل قصاصة في اللوحة أحلام وأماني الأطفال التي قضى العدوان عليها”. نفّذ معرضها بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014.

خطّت اللوحة على ورق الإسمنت، وتلونت بصبغة الأطفال وبراءتهم. وتشرح مجدل لبنفسج سبب اختيارها للإسمنت تحديدًا: ” الإسمنت مادة للإعمار، وسُيبنى بها ما هُدّم من منازل، لكن من سيعيد بناء ما هُدّم في قلوب الأطفال؟!”.

في الفراغات البيضاء نقشت خطوط الموت والدمار والدموع، لتروي حكاية شعب.

“لو لم أكن هناك” افتراضات وضعتها مجدل على لسان الأطفال، مثلاً: “لو لم أكن هناك كانت أمي ستجدل لي شعري، أو سألعب بالكرة مع أخي”. كلها أحلام جِدُّ بسيطة، لكن الاحتلال دمرها بغاراته الجوية.

عُرض “لو لم أكن هناك” أمام مجلس النواب البريطاني ليوصل آمال أطفال غزة، حيث حاولت مجدل مرارًا إيصال أعمالها خارج البلاد، ولكن في كل مرة كان الاحتلال يمنع خروجها من داخل أسوار غزة، إلى أن تطوع الصحفي البريطاني جون سنو بأخذ عمل “لو لم أكن هناك” في حقيبته الشخصية وهرّبه.

الصحفي سنو أجرى مقابلة مع مجدل، وبعدها تطوع لنقل عدد من لوحاتها معه إلى لندن لعرضها في معرض “غزة في غزة”. وبذلك تم عرض اللوحات لوحدها بدون صاحبتها؛ نظرًا لعدم تمكنها من السفر. وفي غزة تم عرض “لو لم أكن هناك” بميناء الصيادين.

“انتهى بي المطاف إلى ميناء الصيادين، لعل أمواج البحر تجرف رسالة أطفالنا إلى العالم”.

الفنانة التشكيلية لها عدة مشاركات فنية في عدة معارض، ولكن أبرز معارضها الخاصة، كان “ملح الذاكرة” عام 2011، و”أثر الضوء والزجاج” عام 2014. عبرت جلّها عن الوطن والمرأة الفلسطينية والطفل والأسرى.

عائلة فنية

أما عن طقوسها المعتادة عند البدء برسم لوحة معينة، تنوّه إلى أنه يكفي أن تكون جاهزة للرسم لتبدأ بالغوص في لوحاتها على أنغام الموسيقى الهادئة وسكون الليل.

لا يوجد لمجدل فنان تتأثر به، ولكنها تتابع جميع الفنانين وتقتدي بالكثيرين، وتستفيد منهم محافظة على خصوصية تجربتها واختلافها. تقول “من الممكن أن أختلف مع أحد الفنانين شخصياً لكن في الفن أحكم على لوحاته وحسب”.

يسعدها دعم أصدقاءها لها، فصديقات المدرسة يذكّرونها دومًا بأنها كانت رسامة موهوبة منذ الطفولة، فكنّ يطلبن منها رسمهن، لم تكن المدرسة بالنسبة لها للدراسة فقط بل لممارسة شغفها الأبدي.

عائلة مجدل تستحق لقب “العائلة الفنية” بجدارة، فزوجها فنان بصري يشاركها مرسمها الخاص في بيتهما، إضافة إلى طفلتيها المغرمتين بالألوان والرسم. وتخصص ضيفة بنفسج لطفلتيها زاوية في غرفتهن للرسم تحوي كل الأدوات المطلوبة، تشير إلى أن ابنتيها تمتلكان الموهبة، ولكنها ستترك لهن الاختيار حين يكبرن.

ترى مجدل أن كل طفل رسام بالفطرة مع قليل من الموهبة، إضافة للتدريب المكثف، يمكن أن يصبح له شأن في عالم الفن. تقول مجدل لكل فنان جديد في عالم الفن التشكيلي: “عبر عن نفسك جيدًا وأبدع بأفكارك، كن أنت”.

لا يهمها أين ستكون مستقبًلا، ولكن ما يعنيها أن تستمر بالعمل بنفس الوتيرة لتنجح، وتأمل أن تكمل دارستها العليا في الفنون الجميلة.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق