آية عبدالرحمن: عن رحيل ريشة فنان

لم تكن مجرد امرأة عادية، بل كانت بطلة حقيقية؛ رسمت بريشتها أجمل لوحات الصمود والتحدي. هزمت السرطان قبل أن يهزمها، وضحكت أمام وجعها؛ لتصبح ابتسامتها أيقونة القوة والشجاعة.

رحلت آية بعد صراع طويل مع المرض، لكن صورها، وضحكاتها، ولوحاتها الفنية، ما زالت عالقة في قلوب محبيها، وكل من عرفها. وبرحيلها، ودّعت غزة واحدة من أبرز فنانيها التشكيليين، وودّع العالم واحدة من أعتى محاربات مرض السرطان، فأيُ كلمات الوداع تليق ببطلة مثل آية؟

ريشةٌ تحبُّ الحياة 

آية محمد عبد الرحمن، فنانة تشكيلية ومصممة ديكور، ولدت في 7 من كانون الثاني/ يناير عام 1988، في مدينة غزة. برزت موهبتها في فن الرسم منذ نعومة أظفارها، ونالت إعجاب كل من حولها واهتمامهم، برعاية خاصة من والديها وإخوتها.

نشأت آية وترعرعت في بيت يحترم الفن ويقدر قيمة الإنسان، فوالدها وإخوتها شجّعوها على تنمية موهبتها وقدراتها، فحصلت على شهادة البكالوريوس في تخصص الفنون الجميلة وهندسة الديكور، بجامعة الأقصى في غزة. 

أقامت أول معرض فني لها عام 2009 بعنوان “قباب القدس”، حيث عرضت فيه”30” لوحة فنية لتوثيق تاريخ المدينة المقدسة، ورسخت من خلالها هذه اللوحات مفهوم الحق بساحة المسجد الأقصى وكل شبر فيه.

كما وشاركت في العديد من المعارض الأخرى مثل: معرض “كونسيرت” الذي جسّدت من خلاله حب الشعوب العربية للحياة، ومدى التزامهم بالموروث الثقافي والأدبي. إضافة إلى معرض “قص الشعر إجباريًا” وهو معرض يجسد قصة فتاة حقيقية اسمها يارا، مصابة بمرض السرطان، وتخضع للعلاج مذ كان عمرها شهرين وحتى أربع سنوات، وهي تحلم أن ينبت شعر برأسها.

كانت أيام آية القصيرة مفعمة بحب الحياة، مليئة بالإنجازات؛ حيث قدمت فنّاً سامياً خلّدت فيه اسمها، ونثرت عبير أعمالها بروح تملؤها الشجاعة والأمل، فعبرت عن هموم شعبها وقضيتها، ومثّلت أصحاب الآلام، فغدت محمّلة برسالة إنسانية ووطنية سامقة، يشهد على صدقها كل من شهد لوحاتها.

رحلةُ ألم معجونةٌ بأمل

اكتشفت آية مرضها عام 2008 عندما كانت ترافق والدتها في المشفى. حينها شعرت بألم في الظهر وحرارة في القدم، وبعد إجراء الفحوصات تبين أنها تعاني سرطانا في منطقة الحوض والعمود الفقري. كان الأمر بمثابة صدمة غير متوقعة لها ولعائلتها، لكنها قررت أن تقف بوجه المرض؛ متحلية بالقوة والإرادة.

بدأت رحلة علاجها بكثير من المعاناة والألم اللذين يعانيهما كل مريض غزاوي، فظروف الحصار والفقر والحروب المتتالية، تجعل الألم أضعافا مضاعفة. قضت أيامها في تلقي العلاج بين مشافي قطاع غزة ومشافي الداخل المحتل، أجرت خلالها ثماني عمليات مُعقدة للسيطرة على المرض، حتى وصلت لاستئصال كلية من اثنتين عام 2015.

خلال تلك الفترة لم توقف آية مسيرتها الفنية والإنسانية، حتى ظنّها بعض من رآها مرافقة لمريض ما وليست المريضة بعينها؛ فالروح الإيجابية التي تملكها، تطوف أسرّة المشفى وتعينها في التقاط الريشة والألوان. رسمت معظم لوحاتها وهي على فراش المرض، نشطت للدفاع عن حقوق مرضى السرطان، ودعت المجتمع إلى التعاون معهم، وتسهيل علاجهم.

دعت آية إلى كثير من النشاطات والمبادرات لدعم مريضات السرطان في غزة. عملت لمؤسسة تعنى بمرضى السرطان وتساعدهم عبر برنامج تعليمي، وبرنامج آخر لتوفير الأدوية.

إضافة لذلك فقد شاركت في مشروع لتوفير الماء الصالح للشرب لبيوت مريضات سرطان، وتطوعت لرسم البسمة على وجوه أطفال مرضى السرطان حيث كانت ترسم بالألوان على وجوههم، فترتسم البسمة على شفاههم.

رَحَلتْ آيـــة..

“كل شخص فينا هو الإحساس، ورسالة لكل الناس من خلفه”

كانت آية بمثابة ملاك، يفيضُ قلبها حنانًا وحبًا. وقفت لتتحدث عن قصتها في “تيدكس Tedx الشجاعية” بصوتها الذي اخترق قلوب الحاضرين، بدأت قصتها بقولها: “مرت سنة كاملة على تاريخ إعلان وفاتي، عندما قال الطبيب لأمي: بنتك شهرين وتموت، لا نستطيع فعل شيء لها”.

لكنّ آية هزمت الموت وانتصرت على السرطان، وفاقت بعزيمتها كل التوقعات، لتحصد حب الجماهير وتصفيقهم الحار.  تحدثت آية عن واقع مرضى السرطان، وحاولت جاهدة أن تلفت نظر العالم إلى معاناتهم، خاصة الأطفال الذين كانت أقصى أحلامهم؛ نمو الشعر في رؤوسهم.

كانت كلمتها الأخيرة: “كل إنسان له سرطانه الخاص؛ سواء أكان فقرا، أم حصارا، أم علاجا أم تقييدا لأحلامه، كل شخص فينا هو الإحساس ورسالة لكل الناس من خلفه”.

بعد عام من شفائها، عاودها المرض فكان أدهى وأَمَرّ؛ فانتقلت إلى مدينة قبرص لتلقي العلاج من جديد، أجرت هناك العديد من العمليات، لكن وضعها الصحي تدهور كثيرًا.

أمس الثلاثاء، خيم الحزن على مدينة غزة، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بصور آية ولوحاتها وذكرياتها وقصة صبرها وصمودها. رحلت، ولكنها بقيت بطلة وأيقونة في قلوب الجميع؛ كما فعلت من قبلها ريم بنا، وليان شوابكة والكثيرات. فارقت آية الحياة في بداية عقدها الثالث، فلترقد آية بسلام ولتبقى خالدة في قلوبنا إلى الأبد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق