عاممجتمعمنوعات

على مرافئ الألم يتساقط القمر “1”

“اسقيها شوي شوي يا ستي وديري بالك عليها “. عادت مع جدتها من أرضهم بعد أن لاحت أوشحة المساء مستشرفة أطلال قريتهم؛ حيث تتنفس الأرض من ريِّ الدماء، والشمسُ تغور في الأفق حين الغروبِ؛ إيذانًا بقرب مخاض حرية آت.

ينساب الماءُ من ذلك الثَّقب في أسفل الجدار لتبلل قدميها الصغيرتين، فتغرق وسائد الدفء، وتسبح أرض البيت بالمياه. تأبى زخات ديسمبر القارسِ إلا أن تقول لهم بأنَّ الشتاء هنا لا يشبه أي شتاء في العالم. أسرجت جوان قنديلها لتتحَسَّس أمَّها التي انهمكت مع والدها في مقاومة الماء، حتى لا يدخل البيت، ورفع الثياب قبل أن ترتوي بالماء.

هنا، الخان الأحمر؛ حيث يعزف البرد أقسى سمفونية، والخان حزين كطفل لا يريد سوى عناقِ أمّه، خائف مضطرب من فقدها، أو أن يحل مكانها عدو كاسر ومغتصب لا يرعى للحق أهله.

ذلك أنه الأول من ديسمبر القارس عام 2016، إنه العام العشرون يستهّل بدربها حاملًا صفعاته وصفحاته المؤلم بعضها والمؤمِّل بعضها. في العشرين، كأنما تذوب فيك شموع الطفولة ويُسكب عليك الماء على حين غرة، فتبقى في تدحرج لا انفكاك عنه، حتى تنضج، ثم تتألم، ثم تبكي وتوسعك الحياة قسوة… كـ جوان التي ما انفك لسان حال أيامها يقول: في الخان الأحمر عامك العشرون لن يكون سهلا أبدا… تنهدت بعمق سحيق، تهادت شمس يومها بخجل ولملمت خيوطها من على برق عينيها لتغيب وراء التلّة، وعادت تحث خطاها إلى البيت الذي بالكاد يُقلّها وأبويها.

ليعود قرعُ حبّات البرد يعزف خيوط القسوة في أذنيها، ويؤرّق في قلبها سؤالاتٍ كثيرة… كيف سيجلب والدي المال لتحصيل ثمن ما أحتاج إليه من ثياب؛ وقد تلف حقل أبي من كثرة الصّقيع؟ وثمن علاج أمي لتنجب؟ وهل سأقاسي الألم ذاته كل مساء حينما يجتمع اليهود وينتشرون في القرية لتضييق الخناق والتهديد بالهدم؟ هل أعيش كل ليلة شعورَ من يبيت في بيته وهو مهدد بأن يسلب منه في كل لحظة؟

انكمشت جوان تحت لحافها وغطّت في نوم عميق، وتركت أجوبة السؤالات معلقةً على حبال صوت الصدى، أما والدتها فكانت ليلتُها قاسيةً بما يكفي لأن تسلخ رداء النّوم عن أجفانها؛ فما السبيل إلى النوم، وقد امتد نبضُ الأرض من فراش جوان إلى فراشها، وطرقتها ذات السؤالات!

وما السبيل إلى النوم واللّيل تصرِفُه في دفع المياه، ولمّ الثياب، ورفع الأواني قبل أن تبتلّ كاملةً بالماء؟

“وخز الذاكرة”

قوات الاحتلال تعتدي على سكان قرية الخان الأخمر وممتلكاتهم

ويبقى صوت الصدى يتردد بلا جواب، بل بدموع الجدار إلى أن ينبثق الفجر بأسراره، فتجلب ماء الوضوء، ثم تطلق سهام الدّعاء، وصوتُ الذكر يلهج بالبيت، ودعاء حور الذي لا ينفك عنها: ” اللهم فرجاً “.

يستيقظ نسيم قبل الفجر بساعة، وينظر من شباك منزله إلى شجرة الّلوز التي شغفت حور حبًّا، لدرجة أنها تزورها كل يوم. تجلس بجانبها وتقبّلها وتشُمّ رائحة اللّوز فيها، لقد كانت تلك الشجرة هي آخرَ ما تبقى لحور من رائحة والدتها التّي توفّيت قبل عامين إثر مرضِ عُضال ضاق الحال بهم لعلاجه.

تذكر نسيم كيف كُسرت يده حين هجم عليه الجنديّ محاولًا قلع شجرة اللّوز، لكنّه دفعه بقوّة وارتطم بالأرض. تذكّر حينها وقع الألم، لكنّه كان سعيدًا به إذ ظفر بالشجرة التّي تحبها زوجته. تذكّرَ كيف تلقت زوجته خبر وفاة أمّها، لكنّها لم تستطع رؤيتها بالمشفى، لأن اليهود تمترسوا على حدود الخان ولم يسمح لهما حتّى بالعناق الأخير. كيف استُشهد أخوه خالد على الحاجز أمام عينيه، وبقي ينزف حتّى توفّاه الله. كثيرة هي رفوف الذاكرة التّي لو تلاحقت لما جفّ حبر القلم وما جفّ دمع المقل.

حينها استيقظت حور على وقع البرد، وطلبت منه إغلاق النافذة، فما كان منه إلا أن يعود لفراشه ويُقلِّب نظره في جدران الغرفة التي اكتست بثياب طفل صغير. هنا جورب صغير، هناك قبعة حمراءُ، وفي حضن حور لعبة أطفال ذات دفء بريء.

بدأت حور في الصّباح الباكر بغزل الصّوف لسيدة التقت بها في الحملة التضامنية الأخيرة مع نساء الخان الأحمر ليحصلن على ما يعتشن منه عند بيعه في القدس، فتشدّ حور بذلك أشرعة زورقهم الذي يمخر عباب الصّعاب كأنهنّ الصّخور.

وجوان ما زالت تسترجع صدى تلك الأسئلة المؤلمة، وتغمر رأسها كل صباح بذلك الدفء الحسي المجرد عن دفء دواخلها، إذ غاب عن ذهنِ أحدهم أنّ جوان أتمت عشرين عامًا من عمرها ولا جديد لديها سوى أعمالِ المنزل، ومساعدةِ حور في غزل قطع الصوف.

جدران غرفتها لفحت جوان ببرد قديم متجدد أوحى إليها باشتياق لصوت أخت تناديها وتداعب شعرها، وتحكي لها قصصها وأناشيد المساء. عشرون عامًا من الاشتياق، عشرون عامًا مقفرة المساء، ونجوم السّماء تنبض شوقًا أن يقتحمها قبس بكاء ذلك الطفل الصغير، بعد أن دميت أناملها بليال عجاف، يااااه كم من أشخاص نحنُّ لهم قبل أن نراهم فكيف إن رأيناهم؟

لطف خفيّ

صورة لشمس قرية الخان الأحمر من خيام التضامن مع أهاليها “بدو الجهالين”

مع انصرام النهار يعود نسيم ويستلقي على فراشه، مرهق الجسد من تقطيع الحطب، مؤونة دفء الشتاء، وصنع بعض المنقوشات الخشبية كهواية ينقش فيها شوقه لوطنه ولبيته ولخانه ولطفل يزيل قليلًا من تلال الحزن عن قلبه، ويذيب قليلًا من غيوم الشّتاء التي تظلّه كل ليلة، يعود فيها للبيت متأخراً، فتروي ثيابه بدمعها تمامًا كدمعِه وهو يتأمل الملعقة الخشبية التي صنعها لطفله الذي اشتاقه.

رأتها حور وقالت: وأنا اشتقت أن تحمل أناملي هذه الملعقة، وأدفع بها الطعام لطفلي، لكن ما السبيل لذلك، وأنت بالكاد تسدّ بعض حاجاتنا الأساسية، بعد أن حملت وأجهضت ثلاث مرّات، ولن أحمل بشكل طبيعي إلا بتدخّل طبّي باهظ التكلفة.

نسيم: اليوم رأتني سيّدة من المتضامنات، وقالت لي سنحاول المساعدة قدر الإمكان في عمليّة زوجتك بعد أن سردت عليها حالنا، وحالنا لا يحتاج إلى أن ُيسرد، فلسان الحال نطق بلسان المقال. لا تيأسي يا حور، بعد بضعة أيام سيفكّ الجنود حصارهم على حدود القرية ونستطيع أن نلتقي بتلك السيدة، ونرى ما لديها، وأنا لديّ بعض ما ادّخرته لخطوب الأيّام، وأرى أن هذا خير ما أبذل فيه مالي.

مضت عدة أيام وزارتهم السيّدة، وأخبرت حور أنها ستتكفل بجزء كبير في عملية الزراعة، وحملت بعدها حور بفضل الله وقوّته، وهنا تغيب الحروف في غمرات الدّموع.

يمر الشهر والشهران، وكأنّ عالمًا من الصّمود ينمو بداخلها، نبضه ينساب في قلبها وقلب البيت كلّه، الجيران والأقارب ينتظرون قدوم ذلك المولود المرتقب الذّي عزّ انتظاره. وفي خِضم الانتظار تُحاك الأقدارُ بلطفٍ خَفيّ، وكم لله من لطف خَفيّ!

باتت ليلَها تتحسّس نبض جنينها وتخالها تسبح بين أناملها، وثلاثة قلوب تخفق اشتياقًا إلى الجنين الذي بدأ يركل كنبضة رقيقة أوتيت من عزم الأقصى وشموخ يافا، فتزيد عدد الصّامدين، وتسكب الأمل في عيون الصّابرين، وترسّخ في الأرض الوجود، وتدحر بعزمها ذلك المحتلّ الجبّار العنيد.

فهل سيتنسم هذا الجنين هواء الخان الأحمر؟ هل يتحسس دفء ذراعي أمه وأبيه، ويسري فيه نبض الحياة الهادر؟ هذا ما سنعرفه في الجزء الثاني من قصة القمر في الخان الأحمر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق