عاممدونات

رحلت رزان..

تركض بردائها الأبيض مسرعة لّعلها تصل في الوقت المناسب لتوقف نزيفًا تارة، ولترجع تنفسًا إلى حالته الطبيعيّة تارة أخرى، أو لتخرج رصاصة مزّقت أحشاء أحدهم بقسوة بالغة.

حقّ العودة، كان كلّ ما يهمها، لم تطلب أجرًا، ولم تسأل عن وظيفة ثابتة، لم تبحث عن لقب ولم تنتظر تقدير أحدهم. كانت فلسطين تنبض مع كلّ نبضة في قلبها، فتدفعها لتتقدّم خطوة أخرى للأمام.. حتى تصل إلى منطقة التّماس والاشتباك مع العدوّ الإسرائيليّ.

لم يكن معها ما يحميها، كان سلاحها هو قلبها.. قلبها الذي غمرته بحبّ وطنها حتى صار يرى قيمة الحياة في التضحية في سبيله.كانت أيضًا تستند في تلك الظروف على رَجُلِها.. خطيبها ورفيق دربها الذي شاركها ذات الهدف وذات المصير.

كان يسعفها كلّ ما تسللّ شيء من الغاز السّام إلى صدرها، بينما هي فقد كانت تسعفه كلّ ما أصابه بعض من الوهن والضعف، فتشحذ همّته وتقوّيه وتذكرّه بمرادهما وغايتهما.

لم يكن معها ما يحميها، كان سلاحها هو قلبها.. قلبها الذي غمرته بحبّ وطنها حتى صار يرى قيمة الحياة في التضحية في سبيله.

استعجلت رزان القصّة، ورحلت مبكرا لم يستطع حبيبها أن يسعفها، فقد داهمته بغيابها المفاجئ هذا، صار جريحًا يحتاج إلى من ينقذه من حالته تلك، ولا يوجد شخص في العالم يعرف طريقة إسعافه إلّا هي!

كنتُ أتأمل مقاطع الفيديو التي انتشرت حول قصّة رزان النجار رحمها الله، نحيبُ خطيبها الذي حمل خذلان العالم أجمع، حرقة صوته والقهر الساكن في دموعه، كلّ هذا كان سببًا لغصّة قلبي التي لم تزل حتى اللحظة.

عيون أمّها الباكية، وشهقات جدّتها التي هدّها الفقد، وارتجاف أجساد صديقاتها، ورداؤها الأبيض الذي تعشّق بدمائها حتى اكتسب لونها، كلّ هذه التّفاصيل أنهكت روحي!

لمَ يخطف الموت هؤلاء الأنقياء الذين يبذلون كلّ ما يستطيعون في سبيل إحياء فكرة والدّفاع عنها؟ لمَ يأب الموت دائمًا إلا أن يكون قاسيًا لهذه الدرجة، فيهدم كلّ الأحلام والطّموحات، ويشتت كلّ سبل اللقاء؟

فستانها الأبيض الذي حتمًا رسمت له ألف صورة وهو يعانق جسدها الصغير، صار كفنًا لها، كان نقيًا يليق بها، كان طاهرًا كروحها التي وهبتها لوطنها ليحيا غيرها.

حشود زفتها وأهازيج الفرح، انقلبت لحشود تحمل نعشها، نعشها المهيب الذي تنافست كلّ الأيادي على رفعه فوقها، وكأنها تقول معًا أن رزان مكانها ليس هنا، مكانها سامٍ ومرتفع كسمو مشاعرها!

لم أعرف رزان إلا بعد استشهادها، ولم أسمع عن بطولاتها إلا بعد وفاتها. رزان، هذه الروح التي أيقظت كلّ الجراح التي ظننتها نامت منذ مدّة لاعتيادي ألمها.

رزان شهيدة واحدة من ملايين الشهداء الساكنين في السماء، قدمت غزّة ألف رزان، وكلّ واحدة منهن لها عالمها وأحبابها وحياتها وقلبٌ سيظلّ يبكي كلّ ليلة وحيدًا يرتجف مذعورًا من قسوة الحياة بعدها، فقد خسر نبض قلبه، والشّخص الذي كان بانتظاره كي يكمل معها درب هذه الحياة، لن يفهم أحد مرارة القهر الذي سيشعر به، أن تفقد أمانك فجأة، لا يمكن أن يكون سهلًا.. سيناجي روحها بيأس من تلقي الردّ.. ولسان حاله يقول:

“‫دعيني أنام لعلّي أراك

بعين الخيال ودفء اللّقاء

‎‫خذيني كطفلٍ وضمّي حنيني

‎‫فبين ضلوعي زحام الكلام”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق