عاممدونات

كوني طازجة في زمن الجمال المعلّب

إنه من أهم الأمور أن تكوني جميلة، نعم، فضلاً عما نردده دوماً من عبارات مثل: كوني متميزة، متفردة، قوية، حكيمة، واثقة…إلخ، لا بأس أيضاً أن تكوني جميلة، ولن أقول هنا إن الجمال جمال الروح؛ لأن الذين يرددون هذا الوصف غالباً يرمون من ورائه إلى مواساة النساء الطبيعيات، أو حملهن على عدم الاهتمام بجمالهن الظاهري، والاعتناء بأنفسهن، رغم أنه مقصد أول في الجمال.

الجمال حاجة إنسانية ومطلب فطري لكل امرأة، وليس من حق أحد أن يسلبها هذا المطلب، أو أن يستنكر عليها تخصيص جزء من وقتها وجهدها لأجله،  والغريب أن العالم اليوم في ما يخص ”المرأة الجميلة” يسير في اتجاهين متعاكسين، ويصطف الناس تجاهه في فريقين متضاربين؛ ففي حين تتعالى أصوات الحركات النسوية ودعوات الـ”فيمنزم” المنادية بتجاهل المظهر الخارجي وتعزيز الثقة والشخصية على حساب الشكل، يزداد نزوع النساء في العالم إلى الجري وراء صيحات الموضة  في الشكل والوزن واللباس والأسلوب الذي يصل حد الهوس.

وأما جمهور النساء الذي يتابع الفريقين، فإنه في الغالب يتردد بينهما: أينطلق خلف الشعارات التي تريد من المرأة أن تنسى كونها امرأة أساساً، فتهمل مظهرها بحجة نشر ثقافة التصالح مع الذات ومجابهة السطحية؟ (ربما لأن ذلك يقربها أكثر لطبيعة الرجل الذي تسعى للمساواة معه!) أم يتجه إلى التحسين والتجميل والتجديد والتقليد حد إفساد الجمال الخارجي والداخلي معاً، والوصول إلى مرحلة”التعليب”؟

ونتيجة لكل هذا، تصبح النساء عالقات في الوسط؛ فلا هنّ قانعات بما هنّ عليه، ولا هنّ قادرات على تغييره.

ونتيجة لكل هذا، تصبح النساء عالقات في الوسط؛ فلا هنّ قانعات بما هنّ عليه، ولا هنّ قادرات على تغييره.نحن يا عزيزتي في عالم من الجمال المعلّب، الذي يجعل من الحبّات الطازجة الملونة، المتباينة  في الشكل والحجم والخصائص، قِطعاً متشابهة مستنسخة باهتة اللون والخصائص، موضوعة في عُلب فاخرة جذابة وموسومة بـ ”تاريخ انتهاء صلاحيه”! مُمارِساً بذلك إحدى أكبر الحيل في التاريخ لسرقة أموال الناس برضاهم.

إن كونك امرأة يعني بالضرورة أن تهتمي بأن تكوني جميلة لكن دون أن تقارني جمالك بمفردات ذلك الجمال المعلب المختوم بقالب واحد، ودون أن تعتبري أياً من قواعده في الشكل والحجم واللون والوزن.  اعتني ببشرتك، مارسي الرياضة، تناولي طعاماً صحياً، ارتدي ملابس جميلة، أسعدي عائلتك، وحرري جمالك الداخلي ليشرق على محياك، تخيلي كيف ستبدين حين يجتمع الجمالان.

دعيك من هذا العالم الاستهلاكي المحبط واسألي جدتك عن أسرار جمالها؛ لطالما كانت جداتنا متألقات رغم ضنك العيش، وفاتنات مع بساطة الحال، ورحلن متوردات الخدود رغم بروده الموت.

وتأكدي يا عزيزتي أنك  إذا كنت جميلة بعد خمسة أطفال، وعشرون عاماً من الوظيفة، و أربعون عاماً من المياه المالحة والهواء الملوث، ودون حصص اليوغا والـ”ميديتيشن” والتفريغ النفسي واستشارات خبراء الأزياء والبشرة، ومن غير جلسات شفط الدهون ونحت الجسم، و بلا عمليات التجميل ووصلات الشعر والأظافر الاصطناعية والعدسات الملونة، إذا كنت جميلة دون كل هذه الخدع البصرية فأنتِ الحقيقة، وما دونكِ وهم!

تسنيم محمد

كاتبة وإعلامية، عضو رابطة الأدباء والكُتاب، أعمل كسيناريست ومخرجة بقناة الاقصى الفضائية منذ إنشائها قبل ١٢ عاما. حاصلة على الماجستير في التفسير وعلوم القرآن. أمارس الكتابة الأدبية بأنواعها: شعرا ونثرا منذ ٢٠٠٥، ككاتبة مقالات في أكثر من مجلة وموقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق