عاممجتمعمنوعات

الريف الفلسطيني: بوح بسر جمال العيد

“بكرة العيد وبنعيد… بندبح بقرة السيد، والسيد مالو بقرة، والبقرة ما فيها دم، بندبح بنتو وبنت العم، بكرة العيد وبنعيد”.

أغان شعبية وأهازيج يرددها الكبار والصغار بحلول العيد الكبير، أو عيد الأضحى، وعيد الحجاج كذلك. تتزين فيه البيوت والشوارع والأحياء، خصوصا في القرى الفلسطينية، لفرحة العيد، وعودة حجيج بيت الله.

يشارك الشباب بتلقائية في تنظيف الشوارع؛ يبدأ أحدهم فينضم إليه ثان، فثالث، وهكذا… إلى أن يصبحوا مجموعة كبيرة. ينقسمون إلى مجموعات تلقائية أيضا، ينظفون المسجد وساحاته، ومن ثم المداخل، والأحياء والشوارع الرئيسية، يعلّقون الأعلام والأضواء ببهجة وسرور.

نصب الشنكل وإشعال المنقل

عيد الأضاحي؛ تُملأ فيه حارات القرى والأرياف بالخراف التي تنطبق عليها شروط الأضحية. رائحة العيد الكبير مميزة، أو كما تقول الحاجة أمينة (55 عاما) : “العيد الكبير هو عيد الذبايح، واللمة، والناس الفقرية والبسيطة، بتلتم العيلة وبعيدو عبعظ، وبيجي العم وابن العم وكل القرايب، وبنصبوا الشنكل الي بتنحط عليه الذبيحة، وبزبطوها وبقسموها، وبلتموا الجيران والحبايب، وأبو محمد بشغل هالمنقل وبقلي المعلاق، هاظ هو فطور العيد الكبير، المعاليق. وبنوزع لكل أهل البلد الفقرية والمحتاجين، للأرامل، والأيتام. وما ننساش توزيعات الهدايا لخوات أبو محمد وبنات خواتو، لرحمه يعني، الله يزيد ويبارك ويتقبل”.

العيد في فلسطين له ميزته الخاصة، رائحته وطقوسه، التي ربما تلتقي في بعضها مع مناطق محيطة. ولكن خصوصيته تتشابك مع كونه عيدا فلسطينيا محتلا؛ يغزو فيه الشوق قلوب أبناء الأسير أو الأسيرة، تنبجس شجون من سجن مجدو والنقب وعوفر، يعود قلب أم الشهيد إلى يوم فقدان ولدها. لا يستوي العيد دون كل هذه المشاعر ساربة في أرجائه، ولكنها لا بد تنبري للحزن. يعود أطفال العيد يركضون ويمرحون ويتلقون عيدياتهم، ويشترون ما لذ وطاب، يوم مفتوح لابتياع الألعاب.

طقوس الذبح ولمّة الكانون

أما العم سعد وهو رجل ستينيّ من قرية الطيبة، فيقول: “في إلي جيران مسلمين، بالعيد الكبير بنشوفهم وبنطل عليهم وهم كمان، وبنتساعد في الذبح والتوزيع، والشوي والأكل كمان”. يضحك العم سعد برضى، في ماض وحاضر يتواءمان، يركض الزمن طفلا كان، يتحول إلى كائن يشهد حضور العلاقات وشواهدها السعيدة.

تعود البيوت تتزين بأعواد النخيل والإضاءات البهية مرحبة بعودة الحجاج، وهي زينة توضع للترحيب بالأسرى عند خروجهم في الثقافة الفلسطينية، فالفلسطينيون قريبون من طقوس الترحيب تزينها الأعلام والأضواء، والقارمات، على المداخل والبوابات.

السيدة مريم، وهي صبية ثلاثينيّة، تقول بمرح: ” العيد الكبير فش معمول، ولا شكولاتة، أنا بكل عيد بصبح ع جوزي وأخوته وولاد أخوتو بصواني الكبدة، وقلايات اللحمة المفرومة، طرية ولذيذة مع حوسة البصل بفطروا، وبشربوا قهوتهم وبتسهلوا يعيدوا ع قرباتهم ورحمهم، وأنا بجهز قاع الدار للذبح ثاني يوم، وهاظ طقسي الحلو، أووووه، بجهز الجاطات، وجوزي بنصب مكان الذبح، وبتجمعوا الجيران والقرايب، بنذبح، وبنقطع، وبنوزع، وبنوكل، وصحتين وعافية للجميع”.

تتابع مريم بلهجة المستهجن: “بصراحة معادتش كل العيلات تعمل هيك، في نسوان استريحوا عالذبح بالمسلخ، وبتيجيهن الذبيحة جاهزة، وفيهن حتى بوزعوا من المسلخ، بس أنا بحسش أنو ضحينا إذا ما شفت بعيني والتمت العيلة عنا في قاع الدار، ننصب الضحية، ونشتغل وإحنا نضحك ونتخرف، وهالشباب تشوي عالكانون، وبريق الشاي يغلي، بنعرفش غير هيك يكون العيد الكبير”.

وتعود البيوت تتزين بأعواد النخيل والإضاءات البهية مرحبة بعودة الحجاج، وهي زينة توضع للترحيب بالأسرى عند خروجهم في الثقافة الفلسطينية، فالفلسطينيون قريبون من طقوس الترحيب تزينها الأعلام والأضواء، والقارمات، على المداخل والبوابات.

“بدّي عيديّة”!

“يا عمي قرب العيد، بدي منك عيدية”…

أغنية يكررها الأطفال بمزاج فرح، وبنغمة جميلة، يركضون من شخص لآخر، يتناولون المال ويهربون إلى الباعة فورا، وقد يجلس بعضهم يعدون حصيلتهم من اليوم، ويطمئنون على محافظهم المتكدسة “بالفراطة”، أو يخططون لمشروع الأحلام الكبير في شراء شيء ما غالي الثمن، يحقق العيد مبتغاهم، ويقرّب أحلامهم، يجعلها صغيرة بين أيديهم لتوفّر المال، لذلك، هذا يوم مميز!

كما يتميز عيد الأضحى بأيامه الأربعة، يستمر التكبير فيه لأربعة أيام، يقول أنيس: ” أرتدي ثوبا أبيض ناصعا وأنيقا، وكذلك كرم وأميرة ابنتيَّ، نتوجه في الصباح الباكر لأداء صلاة العيد، ثم نتوجه مع الجمع لزيارة القبور، نقرأ الفاتحة وندعو لهم بالرحمة، ونعود للبيت والأهل، أعيد عليهم، ومن ثم أتوجه لبيت العائلة، بيت والدي أطال الله في عمره، فأجد مائدة لذيذة بانتظاري، بصراحة، لا ألتقي بعائلتي الممتدة وأتناول معهم الطعام، ونتجاذب أطراف الحديث، وأسمع الأخبار، ونتبادل النكات إلا في العيد”.

يتابع: “ياااه إنه يوم كبير، يبدي بعضهم الإعجاب بلباس الآخر، ونوع عطره، والذبيحة التي ابتاعها… والكثير الكثير. نتفق على يوم للتضحية، فنحن نضحي أيضا في ساحة بيت والدي، معا وجميعا، بعض أخوتي يجمعون بين الأضحية والعقيقة إذا جاءه مولود خلال العام، فيكون هذا داع للذبح والاحتفال، نستمتع كثيرا، نمضي يوما كاملا حتى آخره. وأنا أظل حتى النهاية، لا أغادر إلا عندما أتأكد أن المكان والقدور المستخدمة والأواني قد تم تنظيفها، وأننا وزعنا حصص اللحم بحسب القائمة المعدة سابقا، قسم للصدقات، وقسم لهدايا الأقارب، والأيتام، وعلائلات الأسرى والشهداء… ينتهي اليوم وأنا منهك القوى، ولكنني أكون في غاية السعادة”!

شوق المغتربين لعيد البلاد

أما آمنة (45 عاما)، وتعيش في الولايات المتحدة منذ ثلاثين عاما، فتقول عن أجواء العيد في الغربة: ” إييييييه، شو بدي أقول تقول، العيد في البلاد غير ومابتعوظش، بس شو بدنا نسوي، بدنا نتأقلم، وبرضة نعمل أجواءنا وطقوسنا نفسها هان في أمريكا، يعني خصوصا الجالية الفلسطينية، وأحيانا بنضموا إلنا أهلنا وحبايبنا من الأردن ومصر والقريب عالمنطقة. أهم إشي هو صلاة العيد، بنتبع إعلان التعميم، أي ساعة الصلاة في الولاية إلي إحنا فيها، وبتكون الصلاة عالأغلب في ملعب أو ساحة كبيرة، بنسمع الخطبة وبنصلي، وبتعيد ع بعض، وبعدينش بنفرش أغراضنا، إلي بجيب قهوة، إلي فطور… يعني لولا الصلاة علينا ولا بنحسش بالعيد”.

تسترسل آمنة: “الشباب الله يجزيهم الخير بنصبوا ألعاب الصغار وبصيرو ينطوا ويلعبوا،  أما الأضاحي مش زي البلاد بنحز ونسلخ هالذبيحة باب الدار، ههههه والله الشرطة ببهدلونا! بنروح ع مكان مخصص للذبح إذا قررنا نذبح لأن مش كل سنة، يعني لما يصحلنا، ما إنت عارفه العيد مش يوم عطلة في البلاد الأجنبية، إذا ما صدف سبت وأحد، الزلام بروحوا عالشغل عادي! ولا في عيد ولا عبالو. بس بنحاول قدر الإمكان نجتمع ونلتم ونشوي مع العيلة ونفرح الصغار. آآه والله الود ودي أنزل كل عيد أعيد في بلدنا”.

يتميز عيد الأضحى لهذا العام بإجازته الطويلة حيث يبدأ يوم الإثنين 12 آب/ أغسطس وينتهي مساء الخميس، يسبقه ويليه أيام عطل من العمل كذلك. لذلك ثمة فسحة لإجازة طويلة مع الأهل والأبناء، وكل عام وأنت بخير.

يوم أضاحٍ وعيد كبير سعيد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق