حواراتعام

ماهر وبهية.. مؤبدان وحبٌ واحد

السابع عشر من تموز/ يوليو، هل هذا موعد للزيارة؟ أم للاحتفال بذكرى الزواج؟ يا الله.. ما هذا العطاء الجميل! يا لسعادة “البهية” وهي تنطلق نحو فارسها المبتسم، لتسترجع معه أجمل اللحظات التي عاشاها معًا، وليتحدثا عن اليوم الذي جمعهما، واليوم الذي سيجمعهما مجددا بعد التحرر من قيود السجن، ليكون تاريخ زواج جديد لهما.

بعد 13 سنة من زواجهما، وخمس سنوات من اعتقال “ماهر الهشلمون”، حصلت زوجته “بهية النتشة” على تصريح لزيارته، تزامن تاريخها مع ذكرى زواجهما. تفاصيل الزيارة التي تمّت الشهر الماضي ضمن هذا الحوار الذي تتحدث فيه بهية لـ”بنفسج” عنها وعن ماهر، والكثير من تفاصيل حياتهما قبل السجن وبعده.

الابن الثالث

لنرجع للبداية تمامًا، لنعرف من هي “بهية” ومن يكون “ماهر”. بهية أكبر إخوانها، طفلة خجولة، وذكية، وهادئة، عاشت حياة مرفّهة؛ درست في مدارس خاصة وكانت من الأوائل دومًا، وكان القرب من الله علامة حاضرة في البيت الذي نشأت فيه، ولطالما أرادت أن تكون عنصرًا فعّالا، لذا ما كانت تترك مشكلة في محيطها إلا وتتدخل لحلّها.

وعندما دخلت المرحلة الثانوية، توسعت دائرة اهتمامها لتشمل قضايا المجتمع والأمة، فما عادت تدرس لحصد الدرجات وإنما لتكون “إنسانًا مسلمًا إيجابيا وفعّالا”؛ فتوجهت نحو القراءة، بمعدل خمسة كتب في الأسبوع. وفي التوجيهي التقت بماهر، وفي هذا حديثٌ لاحق، وبعد الزواج درست التربية الإسلامية، وهي الآن تعمل في سلك التربية والتعليم.

أمّا ماهر، فقد كان طفلًا خجولًا وبريئًا، تلك البراءة ما تزال تلازمه، حتى أن زوجته تشعر في بعض الأحيان أنه ابنها الثالث، طالبٌ ذكيٌ يجني درجات مرتفعة في كل عام دراسي. وُلد في العاصمة الأردنية عمّان؛ الغربة أنتجت شبلًا شديد التعلق بوطنه.

عاد مع عائلته إلى فلسطين عندما كان بعمر الأربعة عشرة، حينها كانت الانتفاضة الثانية مشتعلة، فشارك في رمي الحجار والمولوتوف على جنود الاحتلال، وخاض تجربة الاعتقال لأول مرّة عندما كان في الصف العاشر.

ومن داخل السجن حصل على شهادة التوجيهي، وفور تحرره التحق بالجامعة، فحصل على شهادتي دبلوم في اللغة العبرية والمحاسبة، وتنقل بين أعمال كثيرة حتى استقر في العمل مديرًا لشركة خاصة، من أهم صفاته أنه طموحٌ، يحب الحياة، والسفر، ولديه في كل يوم فكرة جديدة.

 من النظرة الأولى

قانون العائلة يقول إن الفتاة لا تتزوج قبل التخرج من الجامعة، لكن معلمة بهية كانت تراها لائقة بابن أخت زوجها، حتى أنها أرشدتها إليها عندما بدأت بالبحث له عن عروس. كانت بهية تحب هذه المعلمة بشدة، ولما طلبت منها عنوان بيتها، طارت من الفرح، فقد ظنتها تنوي زيارتها، حتى فوجئت بعائلة ماهر تطرق الباب.

استرقتْ النظر من خلف النافذة، لترى “العريس” حين كان ينتظر والدته خارج البيت، رأت “وجهًا ملائكيًا يشع نورًا”، النظرة الأولى كانت كافية لتألفه الصبية التي لا تفكر بالزواج.

تعددت الأسباب التي تجعل لا ردًّا وحيدًا، لكن اللاءات تبددت أمام قوّة النصيب، توقع ماهر وأسرته أن ترفضه عائلة بهية، لأنها كانت متفوقة وتعيش في حالة ميسورة من جهة، ومن جهة أخرى، كان هو حديث عهد بالحرية ولم يؤسس نظامًا لحياته بعد.

قبلته زوجا لمّا عرفت أنه متدين، وحافظٌ للقرآن، وأسيرٌ سابق، وأن أمنيته أن يأخذ بيد من سيتزوجها إلى الجنة، وأن يدللها ويحميها.

هذا التوقع لم يكن بعيدًا عن قرارات والدي العروس، إذ اتفقا أن يكون الرد على عائلة ماهر أن “تفضلوا بعد انتهاء الثانوية العامة”، واستقبلاهما بهذه النية، لكن المفاجأة أن والدها وافق على الزواج، وهو تغيرٌ لا تعرف بهية سببه حتى الآن.

وإن كانت لا تعرف لماذا غيّر والدها رأيه في اللحظة الأخيرة، فإنها تدرك جيدا عوامل الجذب التي دفعتها لاختيار ماهر شريكًا لحياتها، تقول بهية: “قبلته زوجا لمّا عرفت أنه متدين، وحافظٌ للقرآن، وأسيرٌ سابق، وأن أمنيته أن يأخذ بيد من سيتزوجها إلى الجنة، وأن يدللها ويحميها.

وقد تمنى لو تزوج يتيمة ليعوضها عن كل لحظة حزن، من يفكر بهذه الطريقة لا بد أن يكون رجلًا بحقّ، وعلى قدر المسؤولية، فكيف أرفضه! بالإضافة إلى ما سبق، ففي إحدى زيارات ما قبل الزواج، صلّى إمامًا بمن في البيت، صوته كان علامةً لأتأكد أنه الشخص الذي أريده”.

وتضيف: “مما ساعدني على تجاوز التفكير في الدراسة، أنه وعدني بألا يشغلني عنها، لكن الحقيقة كانت غير ذلك بالطبع، فالخطبة أخذت الكثير من وقتي، وأبعدتني عن قراءة الكتب، وكانت سببًا في انخفاض معدلي، إذ حصلت على معدل 92.7% في الثانوية العامة”.

عندما تزوجا، كان عمر ماهر 21 عامًا، وأكملت بهية عامها السابع عشر وهي زوجة، وبعمر الثمانية عشرة كانت أمًا لبكرها “عبادة”، وبعده رُزقا بـ”مريم”، ودون التأثر بعامل العمر تمكنا من تأسيس حياة سعيدة.

توضح: “واجهنا صعوبات كثيرة كان من شأنها أن تجعل الأبناء الرابط الوحيد بيننا، لكن ما كان يعيدنا مجددا بعد كل مشكلة أننا لا ننام قبل أن نحلّها، حتى لا تتراكم خلافاتنا، والحل يكون من خلال النقاش الهادئ والتفاهم”.

السن الصغير لم يكن مهددًا للزواج، بل كان أحد أسباب جماله؛ فقد جعل الزوجين الشابين صديقين يمارسان هواياتهما معًا؛ يركضان بين الجبال، ويصطادان العصافير، ويلعبان “بلاي ستيشن”. تبين النتشة: “أما الطفلين ففطرة الأمومة كانت ترشدني للتعامل معهما، بالإضافة إلى أنني قارئة جيدة، وتخصصي الجامعي فيه مساقات تربوية”.

ماهر الحنون بطبعه، ازداد حنانًا بوجود الصغيرين، وخاصة مريم، جعلته يتمنى لو أن له الكثير من البنات. تتذكر زوجته أن أمها أخبرته بالحمل الأول، فانطلق نحو سيارته قفزًا كالأطفال، ولما وصل البيت هنأها وعيناه ملأى بالدموع، تلك الدموع التي كانت حاضرة بكثرة يوم الولادة، وكذلك عندما أجهضت جنينا في الشهر السادس من الحمل.

على الهامش، ماهر لا يخجل من ظهور دموعه، يبكي بسرعة، حتى عندما يصالح زوجته بعد خلاف ما، ناهيك عن أنه كان يبكي في كل صلواته تقريبا.

وبينما تسترجع ضيفتنا الذكريات، ترسم لنا صورة مصغرة عن حياة أسرتها قبل اعتقال زوجها، تقول: “يبدأ ماهر يومه بسعادة، عكسي تماما، أستيقظ غاضبة، لا أرغب في التحدث مع أحد، ولأنه تفهّم طبعي هذا، صار يتولى إدارة البيت في الساعة الأولى من النهار، يفتح النوافذ ويوقظ ابنينا، ثم يعدّ طعام الإفطار، وهنا يكون حان موعد استيقاظي، نفطر معًا، ثم يتوجه إلى عمله، وأرتب أنا بيتي، وهكذا مضت حياتنا بهدوء، إلى أن حصلت على عمل، فأرهقني الضغط والروتين، لذا استقلت بعد سنة واحدة”.

لم تكن حياتنا سعيدة، هي كذلك حتى اليوم، لأن السعادة لم تكن ناتجة عن الظروف المعيشية الجيدة، وإنما كانت تنبع من داخلنا حتى في أحلك اللحظات، مررنا بأيامٍ من الفقر المدقع، وقضينا شهورا بلا مياه وكهرباء، وكنا نستدين لنشتري الطعام، لكننا كنا سعداء“.

وتضيف: “سافرنا كثيرًا، حتى طلبت منه استبدال معاناة السفر، بجولات في مدن الضفة، نبدأها صباحا، فنأخذ قسطا وافرًا من السعادة، ثم نعود لبيتنا ليلا”.

وتتابع: “في الأعياد لنا طقوسنا، ففي اليوم الذي يسبقها يأخذنا ماهر للسوق، يشتري لنا ملابس العيد بنفسه، ويسعد باختيار ملابسي أنا تحديدا، يرفّه عن صغيرينا ويشتري لهما البالونات، وفي الصباح نصلي صلاة العيد، ثم نتناول إفطارنا في البيت، وكان لهذا الإفطار مكانة خاصة في قلب ماهر، ننطلق بعده لزيارة الأرحام، وبعدها جولة لأسرتنا الصغيرة في رام الله أو بيت لحم أو الخليل”.

هذه السعادة، ترفض النتشة الحديث عنها بصيغة الماضي، إذ تؤكد: “لم تكن حياتنا سعيدة، هي كذلك حتى اليوم، لأن كلانا لا نترك للحزن مجالا، ولأن السعادة لم تكن ناتجة عن الظروف المعيشية الجيدة، وإنما كانت تنبع من داخلنا حتى في أحلك اللحظات، مررنا بأيامٍ من الفقر المدقع، وقضينا شهورا بلا مياه وكهرباء، وكنا نستدين لنشتري الطعام، لكننا كنا سعداء”.

العملية وما بعدها

ذات ليلة، سألت بهية زوجها: “أنت تخفي عني شيئا!”، غضب لأنها تشك فيه، لكنها أكدت له أنها لا تفكر بطريقة سلبية، وإنما تشعر أن شيئا ما لا تعرفه.

في صبيحة اليوم التالي، حدّث ماهر بوصيته، وهو ما اعتاد وزوجته على فعله كلما جدّ جديد، لكنه هذه المرة أوصاها بألا تفتحها إلا بعد وفاته، وأمام إصراره على هذا الطلب استشاطت غضبا، فرّد عليها: “يا الله بدك تشكي فيّ! والله ما فيه شي”!

وأخذ يطيّب خاطرها حتى انشغلت بأعمال البيت، وبعد خروجه من البيت بقليل اتصل بها ليطلب منها عنوان شقة في الأردن ليستأجرها تمهيدا للسفر في نهاية الأسبوع، وبذلك أنساها غضبها، وبعدها عاد ليأخذها لمركز تجاري لشراء احتياجات البيت، تركها فيه متذرعا بضرورة التوجه إلى بيت لحم للعمل.

في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، نفّذ ماهر عملية دهس وطعن عند مفترق “عتصيون” جنوب بيت لحم، أدت لمقتل مستوطنة وإصابة اثنين آخرين، فأطلق عليه جنود الاحتلال النار، وأصابوه بست رصاصات جعلته بين الحياة والموت.

بهية ترتب بيتها، وابنها يحل واجباته، ورنين الهاتف يعلو، إنه حماها، يسألها: “أين ماهر؟!”، ثم أخبرها أن شرطة الاحتلال أوقفته. لحظات، ورأت صورته عبر الإنترنت، مصابا ممددا على الأرض، عرفته على الفور رغم عدم ظهور وجهه، جلست على الأرض تحدّث نفسها: “معقول يا ماهر عملت فيا هيك!”، لكن سرعان ما رزقها الله صبر، فأخذت تردد: “الحمد لله”.

طلبت من أهلها ألا يتركوها وحدها، ثم بدأت باستقبال الجيران الذين جاءوها لتقديم العزاء، بينما هي واثقة أنه على قيد الحياة، وإلى جوارها “عبادة” يكرر: “بابا ما مات”.

بعد منتصف الليل، تذكرت الوصية، فاحتارت بشأنها لأنه لم يستشهد، سألت والدها، فأشار عليها بفتحها لأن ماهر ما كتبها إلا لنيته تنفيذ العملية، وجدتها مكتوبة في ست ورقات، اثنتين لها ولابنيهما، ومثلهما لأمه وإخوته، والباقيتين لحساباته المالية.

بعد ساعات من العملية، تأكدت العائلة أن ماهر لم يستشهد، وهنا بدأت رحلة أخرى من العذاب، بين حين وآخر يأتي نبأ يجعل أهل ماهر يجهزون الكراسي في الديوان لاستقبال المعزين، وهكذا الحال لأربعة أيام، أما زوجته فتؤكد للكل أنه سينجو، والمحيطون بها يشفقون عليها من الحالة النفسية التي تمر بها، كما أخبروها لاحقا.

أمنية وحيدة كانت تسيطر على بهية في ذلك الوقت، أن تكون مع رفيق دربها في المستشفى، تغير ضمادات جروحه، وتجلس عند قدميه.

بعد أسبوعين تقريبا، كانت المفاجأة، اتصال هاتفي من ماهر، إنها تسمع صوته ذو النبرة المبتسمة، فقد اشترط على ضابط المخابرات أن يسمح له بمحادثة أهله قبل أن يتكلم بأي شيء.

ابتسامة للزوجة وللقدر

تجربة ماهر الأولى في السجن، أثارت قلق زوجته، لمعرفتها حجم المعاناة التي مرّ بها، وتأثير السجن على نفسيته، لكن مخاوفها تبددت أمام تفاؤله.

“لدى ماهر قناعة بأن الله أعطاه السجن لا الشهادة؛ لأنه أراد له أن يكمل رسالته في الدنيا، وهو ما قرر أن يفعله، لذا لم يتخلَّ عن طموحاته، ووضع لنفسه برنامج عبادة شاق، ينام قليلا، ثم يستيقظ لقيام الليل، ينتظر حتى يصلي الضحى، ويبدأ بتسميع القرآن، وبعد ذلك يتفرغ لدراسته، وأحيانا يعدّ الطعام للأسرى”.

ربما هذا النهج في التعامل مع السجن يفسّر لنا ابتسامته التي تقبّل بها حكم السجن لمؤبدين وغرامة بقيمة أربعة ملايين شيكل، وعن تلك الابتسامة الشهيرة تقول النتشة: “الابتسامة كانت لي وللحكم معًا، كان ينظر إليّ في تلك اللحظة، كان راضيًا بالحكم فعلًا”.

تضيف: “لديه طموحات عالية، لذا لم يستكِن في السجن، فيه حصل على إجازة في القرآن، وعلى الماجستير والكثير من الدورات، ويحلم بأن يخرج لينقل ما لديه من علم للناس ويساهم في تغيير المجتمع”.

وتؤكد: “السجن لم يقتل أحلامنا، بل جعلها أكبر، شعرنا أن الله أراد أن يستخدمنا في حمل رسالة القدس والأسرى، بعد أن كان أكبر طموحاتنا أن نعيش حياتنا بما يرضي الله ونربي أبناءنا ونخدم مجتمعنا”.

بهية تشترك مع زوجها في كثير من الأفكار المتعلقة بالتعامل مع الحياة، لكن ثمة سلاح خاص أشهرته في وجه الصدمات منذ اللحظة الأولى لاعتقاله؛ وهو “روح المحارب العنيد”، إذ بدأت بتدبير شؤون بيتها واتخاذ ما يلزم من القرارات لحياتها الجديدة فور وقوعها في المحنة، حاملة شعار “الواقع يسير كما أريد، ولست أنا من أخضع له”.

فعلت ذلك في كل ما يتعلق ببيتها وأوضاعها المادية وتربية ابنيها والقيل والقال، لكن الصدمة الأصعب كانت احتجازها والتحقيق معها بعيد العملية، تقول: “بعد التحقيق عانيت كثيرا، سيطر عليّ الخوف وشرود الذهن، ولم يخرجني من هذه الحالة سوى دعم المحيطين بي”.

أمٌ وأب

تربية الأبناء في غياب والدهم، من أهم التجارب التي خاضتها بهية في السنوات الأخيرة، واعتمدت فيها على قاعدتين، هما زرع الأمل في نفس الطفلين، وتعويدهما على الدعاء، حتى صار الأمران جزءا من حياتهما، بالإضافة إلى قاعدة ثالثة مساندة، وهي توليها زمام الأمور وعدم السماح لأحد بالتدخل في تربية ابنيها.

تقول: “التربية في غياب الأب عملية شاقة للغاية، ومهما فعلت لا أستطيع أن أملأ غيابه تماما”، مضيفة: “في كل موقف تربوي، أفكر كيف يتصرف الآباء في مثل هذه الحالة، وأتقمص الدور، وما ساعدني في ذلك قربي الشديد من أبي في طفولتي وحبي لطريقته في التوجيه والنصح”.

ممارسة دور الأبوة من أكثر ما يفتقده ماهر، وهذا ما تلمسه زوجته في كثير من محادثاتهما، فإذا اشتكت له من تصرف صدر عن أحد ابنيهما، يتنهد قائلا: “إيييه الله يفك أسري”، ثم يتدخل لمعالجة المشكلة ويقدم النصح للصغيرين.

صناعة الذكريات

للذكريات مكانة كبيرة في حياة هذه الأسرة، لكن الحديث ليس عن ذكريات ما قبل الاعتقال فقط، وإنما عن صنع ذكريات جديدة. تقول النتشة: “لا أميل للنظر في صورنا، بقدر اعتمادي على استرجاع الذكريات مع ماهر أثناء المكالمات والزيارات”.

يتفق الزوجان على ترديد الدعاء في أوقات الإجابة، لعل دعواتهما تجتمع في السماء، وأحيانا يتابعان برنامجا تلفزيونيا واحدا ليتناقشا في محتواه لاحقا، ويحدّثها عن الهدايا التي يرسلها وعن فترة التخطيط لها.

مما يسترجعه ماهر وبهية، الصورة التي التقطت لهما في إحدى الزيارات، كان أحلى ما فيها أن بهية كانت تظن أنها ستدخل بابًا بعد باب حتى تصل لرفيق دربها، لكن بعدما فتح أمامها أول باب وجدت نصفها الآخر، شعرت أنها طفل ضائع وجد والديه بعد بكاء طويل…

وجدت الحقيقة التي لم تعشها منذ سنوات، وبعد لحظة اختناق، سحبت نفسًا قويا وقالت “الحمد لله”، ثم حاولت أن تعيش اللحظة، فضمت زوجها، رتبت أزرار قميصه كما اعتادت أن تفعل قبل خروجه من البيت، وتأملا ملامح بعضهما في تلك اللحظة المسروقة من العمر.

الربع ساعة الباقية من الزيارة قضتها بهية وهي تحت تأثير تلك الصدمة اللطيفة، لكنها لما خرجت من السجن أخذت تفكر: “كيف سأقنع نفسي بما أقنعت نفسي به سابقا! كيف سأعيش الكابوس مجددا!”.

ثمة ذكرى حديثة الولادة، صنعها ماهر “على السكت”، وهي الأنشودة التي أهداها في عيد الفطر لزوجته، واستغرق إعدادها نحو خمسة أشهر، أوكل مهمة كتابة كلماتها لأسير معه في السجن، بعدما أخبره بالمحتوى المطلوب، وتم الاتفاق مع إنشادها وإنتاجها مع أشخاص من الخارج.

اتصل ماهر بزوجته ليطلب منها فتح موقع وكالة “شهاب” الإخبارية، ولما رأت الفيديو ظنت أنه جمع صورهما على أنشودة قديمة، لكنها لما سمعت اسمها لم تستوعب هذا الكم من الجمال، طارت من الفرح لدرجة جعلتها تعطي هذه الهدية المرتبة الثانية في قائمة “أجمل ما حدث بعد اعتقال ماهر”، والمرتبة الأولى تبقى للصورة سابقة الذكر.

تقول: “أكثر ما أسعدني في الأنشودة، أن ماهر لامس الواقع الذي أعيشه، واقع عالم التواصل، فجزء كبير من العوض الرباني يتمثل في وجود المتابعين من كل مكان ودعمهم”، مضيفة: “وجوده في السجن حرمني من مشاركته الفرح بما يحصل في هذا العالم، لا أنا قادرة على نقل الصورة له، ولا هو قادر على استيعابها، لذا فإن توصيله الرسالة لي عبر العالم الذي أحبه كان له أثر كبير عليّ”.

وتؤكد: “لم تكن الأنشودة بقصد الهدية فقط، بل ليوصل للعالم صورة الحب الحلال المخلوط بالدين والوطنية، الحب النقي الطاهر المستمر بعد سنوات من الزواج والسجن”.

توضح: “في كل عيد يتفق ماهر مع أحد المقربين منا على شراء هدية لي، وبقدر سعادتي بها إلا أنني أفكر في دفع قيمتها، وهل أملك ثمنها في تلك اللحظة أم لا، أما هذه الأنشودة فمن مميزاتها أنني لم أدفع شيئا لقاء تكلفتها”.

على سيرة الذكريات، فمعظها كانت في البيت الذي هدمه الاحتلال، وعنه تتحدث النتشة: “من أغلى الأماكن على قلبي، ما شعرت بالدفء إلا فيه، كنت إذا عدت إليه بعد يوم مرهق أشعر كأن أحدا يضمني، وهذا ما لم أشعر به في بيتي الجديد مطلقا، ليس لي فيه أية ذكرى سيئة، فقد خرجت منه في ذات اليوم الذي نفّذ فيه ماهر العملية، وعندما أمر بالقرب منه أشعر بالسعادة، وأسترجع ذكرياتي فيه، وأشعر أنه سبقنا للجنة”.

الزيارة الهدية

الزيارات حكاية بحد ذاتها، فيها خليط من التعب والحماس، التعب يبدأ منذ الاستعداد لها كشراء الملابس وتوفير النقود للأسير، ثم في الرحلة المرهقة، حيث طول المسافة والحواجز والتفتيش، أما الحماس، فيكون في الليلة التي تسبقها، وفيها قد يفارق النوم عينا بهية، وإن نامت تحتضن هاتفها لكي لا يفوتها الموعد.

في الطريق إلى السجن تأخذ رواية تشغل بها وقتها، وبعض الشوكولاتة والقهوة، وأثناء العودة تدلل نفسها بطرق مختلفة، كشراء وجبة من مطعم تفضله، كل هذا لتقنع نفسها أنها في رحلة جميلة.

من أصعب ما تواجهه في تلك الرحلة، ما تسمعه من حكايات الأسرى وذويهم، فهذا أسير قضى 17 عامًا في السجن ولم يتحرر في الصفقة، وذلك توفى أهله ولم يودعهم، لكنها تتمسك بقناعة “أن لكل قصة نهاية مختلفة”.

الزيارة الأخيرة كانت “هدية من الله” كما تراها بهية، إذ جاءت في تاريخ ذكرى زواجها. تقول: “في 2016 زرت ماهر في ذكرى زواجنا، لكن لم أستمتع بها بسبب الإرهاق الشديد في تلك الرحلة، فعائلة الجندي الأسير في غزة (شاؤول آرون) كانت تتظاهر أمام السجن، وكدنا أن نرجع دون إتمام الزيارة، وقبلها بأسبوعين كنت عشت تعب الزيارات مع ابنيَّ اللذين كانا حصلا على تصريح بعد المنع الأمني”.

وتضيف: “قررت أن أعتبر زيارتي مع أبنائي هي احتفالي بذكرى الزواج، حتى فوجئت بتاريخ الزيارة الأخيرة”.

في تلك الزيارة الهدية، تبادل ماهر وبهدية الحديث عن ذكرياتهما، وعن اليوم الذي صارا فيه معًا تحت سقف واحد، وتخيّلا اللحظات التي سيعيشانها بعد نيله الحرية، حيث سيكون ذلك اليوم تاريخ زواج جديد لهما، وما زاد الزيارة جمالا أنها جاءت لتخفف شوقًا كبير، فالاتصالات شبه مقطوعة في هذه الفترة.

وتوضح النتشة: “دوما نحاول أن نضيف للزيارة ما يميزها لأننا بحاجة لأن نسرق الفرحة الصغيرة، ونقنع أنفسنا بها رغم السجانين والزجاج العازل والتفاصيل الصعبة، لذا نستثمر الدقائق الخمسة والأربعين في الحديث عن أشياء جميلة”.

دورٌ واحتياجات

النتشة التي تصف نفسها بأنها “امتداد لزوجها”، بتعاملها الإيجابي مع الحياة، ألهمت زوجات الأسرى، ومنهن تصلها رسائل شكر كثيرة على الدعم النفسي الذي يحصلن عليه من كتاباتها عبر مواقع التواصل، ليس هنّ فقط، وإنما بعض أصحاب الابتلاءات الذين يخبرونها أنهم كلما شعروا بالضعف تصفحوا حساباتها ليستمدوا القوة، حتى أنها كلما فكرت بإغلاق هذه الحسابات للتخلص من قيود أن تكون شخصية معروفة، تتذكر تلك الرسائل، فتشعر أن الله جعلها في هذا المكان لحكمة، وسرعان ما تتراجع وتواصل الكتابة.

وبالحديث عن زوجات الأسرى، تقول النتشة: “هن جيش قوي، مضحيات وصابرات، يعانين بدرجة كبيرة من المجتمع، وليست كلهن قويات بما يكفي لمواجهته، لكن مما أراه في الزيارات والوقفات التضامنية وحسابات بعضهن على مواقع التواصل، أؤكد أننا أمام جيل جديد قوي من زوجات الأسرى”.

وتضيف: “يقع على عاتقنا دور كبير، يتمثل في أن نكون صوتا لأسرانا، فثمة تفاصيل لن يفهمها الناس إلا إذا عبرنا عنها نحن، باستخدام كل الوسائل، كالكتابة والفن والإعلام”.

وتلفت إلى أن احتياجات زوجات الأسرى كبيرة، من أهمها الدعم النفسي والاجتماعي والتأييد والمساندة، وعدم تدخل المحيطين بهنّ في حياتهنّ.

وتؤكد: “الدعم المادي مهم جدا، وراتب الأسير لا يكفي، والجزء الأكبر منه يُصرف على الأسير نفسه، لذا لا بد من طرق أبوابهن لتفقد أحوالهن مهما تظاهرن بأن أوضاعهن جيدة”.

وتوضح: “من حقنا كزوجات أسرى أن يرى الناس حزننا، وألا يطلبوا منا الاعتياد، فبمرور الوقت يتضاعف الحزن، ولحظات الشوق تأخذ الكثير من أرواحنا، والذكريات تهجم علينا بقوة، ومن أكبر احتياجاتنا وجود من يسمعنا من الأقارب لكي لا تلجأ الواحدة منّا للشكوى لشخص غريب”.

التحليق بين الطلبة

بالانتقال إلى “المعلمة بهية”، تتحدث عن علاقتها بالعمل: “في طفولتي كنت أجمع إخوتي وأمارس دور المعلمة أمامهم، هذه المهنة تناسبني تماما لأنها تتوافق مع رغبتي إبلاغ الناس بما لدي من علم والسعي لتغيير الفكر”.

<iframe src=”https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https%3A%2F%2Fwww.facebook.com%2Ft.bahiya%2Fposts%2F350789612272194&width=500″ width=”500″ height=”764″ style=”border:none;overflow:hidden” scrolling=”no” frameborder=”0″ allowTransparency=”true” allow=”encrypted-media”></iframe>

وتصف نفسها بـ”الطائر المحلّق” داخل الصف، سواء في عملها مع طلبة المرحلة الابتدائية أو الشباب في مرحلة الدبلوم. توضح: “بقدر ما أتحدث مع الكبار بأسلوب عقلاني، بقدر ما أتحول إلى طفلة مع الصغار، لذا لست تقليدية في التدريس، أعلمهم الدين بما يحبونه ويلفت انتباههم، أفعل ذلك ليحبوا المادة، فإذا لم يحبوا الدين سيكبرون بعيدين عنه وعن صلاتهم وأخلاقهم”.

وتبين: “أركز على الأخلاق، وأسعى لأن يأخذوا ما يتعلمونه مني إلى بيوتهم فيكونوا أداة تغيير، لقناعي أن الله اختارني للتعليم لهذا السبب”.

هذا يتنافى مع قناعتها بشأن عمل المرأة، إذ تقول: “أنا شخص لا يحب العمل، وأرى أن الحياة الكريمة للمرأة لا تجتمع مع عمل بدوام كامل”، مضيفة: “ما يزيد تعبي في العمل أنني أمارس دور الأب والأم، وأنشغل باحتياجات زوجي وزياراته، لكن هذا لا يعني عدم الإتقان، ولا أسمح لحياتي أن تنعكس على طلبتي، فأحيانا أبكي في الطريق إلى المدرسة، لكن نزولي من السيارة يعني استبدال الدموع بابتسامة تملأ وجهي لألقى بها طالباتي”.

شرح الدروس ليس المهمة الوحيدة، فالوعي الوطني حاضر بقوة في أجندة النتشة، تحدّث طالباتها عن فلسطين والقدس والأسرى، ويساعدها على ذلك أن منهاج التربية الدينية يركز على فلسطين من الناحية الدينية.

أقوى وأكثر رحمة

رغم قسوة الواقع، تؤكد بهية دوما أن “في كل محنة منحة”؛ فما أبرز المنح التي تحققت منذ بدء المحنة؟

تقول: “منح الله لنا كثيرة وكبيرة، أهمها أن ماهر على قيد الحياة، سليما معافىً؛ رغم الرصاصات الست. كما أننا سمعنا صوته بعد أسبوعين من اعتقاله، وأنني احتضنته والتقطت الصور معه، ومن المنح كذلك تعاطف الناس، ودعواتهم لنا”. وتضيف: “وجود احتمال لإنجاز صفقة تبادل أسرى يمنحنا الأمل على الدوام، وأولادي بصحة، ولي وظيفتي، أنا حقّا أخجل أمام عطاء الله”.

“أشعر أن الله أبعد ماهر عني لأتم رسالة الأسرى وذويهم، وأنه اختارني لأني أصلح لنقل الرسالة”، هذه القناعة وصلت لها ضيفتنا بعد التغييرات التي مرّت بها إثر اعتقال زوجها. فهي تؤكد أن التجربة على قسوتها كانت محطة غيّرت حياتها للأفضل، مبينة: “التغير الأول أنني صرت ربان السفينة في بيتي، والمتحدث باسم العائلة أمام كل الجهات المعنية”. أما التغير الثاني فهو إيصال صوت ماهر لكي لا يتحول لرقم، الأمر الذي تطور ليشمل صوت الأسرى بشكل عام.

توضح: “صار الحديث عن الأسرى بمثابة هواية ووظيفة ثانية أعطيها الكثير من وقتي، بدأت بنشر صور زوجي وكتابات قصيرة عنه في مواقع التواصل، وبعدما كثر عدد المتابعين ولمست حاجتهم لحديث زوجة أسير عن الجوانب الإنسانية والاجتماعية في البيت بغياب الزوج، أدركت أهمية الدور المنوط بي”.

“كنت أنكد على ماهر لو انقطع الإنترنت، الآن أفرح لو رأيت المخلوطة”، عبارة تختصر الفرق بين “بهية” قبل التجربة بعدها، وبمزيد من التفصيل تقول: “تغيرت كثيرًا، تعلمت الصبر، أتقبل الضربات بهدوء مهما كانت صعبة، اعتدت أن أكون جبل المحامل، وأن أرى فرج رب العالمين رغم سوداوية المحيط، وأدركت قيمة النعم، صرت أقوى من الخارج وأكثر رحمة من الداخل”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق