عاممدونات

“بلسان عربيّ”: لماذا نفشل في تعريب المناهج التعليمية؟

لا خلاف على أن اللغة عنصرٌ مهم من العناصر المكونة للهوية، فهي التي تضمّ شعوباً في جسد أممي؛ يوحدهم صفاً في مواجهة كافة التحديات التي تتهدد أمنهم واستقرارهم. وهي وسيلة التواصل بين أفراد الشعب، والأداة التي تحرك كافة مفاصل المجتمع من تجارة واقتصاد وتعليم.

ولا غرابة أنّ الإمبراطورية البريطانية لم تغادر مستعمراتِها إلا بعد أن رمت بذور ثقافتها ولغتها، وهيأت بيئة خصبة تحتضنهما وترعاهما. ومن ثم ترعرعا في ظلّ بزوغ الحضارة الأمريكية.

وأهم هذه البذور؛ اللغة الإنجليزية، اللغة المعتمدة في الكليات العلمية، والمعتمدة في المؤسسات التعليمية والأكاديمية في شتى أنحاء المعمورة. وهي لغة الأبحاث الأكاديمية والمؤتمرات العلمية. كما أنّ الإنجليزية هي لغة السوق ولغة التجارة العالمية. إذ إنها لغة الدولة الأولى في العالم؛ الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبلها المملكة المتحدة؛ الإمبراطورية التي كانت لا تغرب عنها الشمس.

يفشل العربي في التحرر من المشروع الإمبريالي الثقافي، طالما لم يتحدث بلسان عربي، ويفتخر به وبثقافته الحاضنة وتراثه، التي ليس في إمكانه الانسلاخ عنها أو التنكر لها. الطيب صالح

وفي حال ألقينا نظرة على الدول التي تعتمد اللغة الإنجليزية في التدريس، ولا تولي اهتماماً للغتها الأم، وجدنا أن حتى أكثرها اهتماماً باللغة الإنجليزية متأخرةٌ علمياً، ولا يتعدى دور نظامها التعليمي تصدير أيد عاملة تبقي على دوران سوق العمل، ونادراً ما ينبغ أحد من أبنائها. كما نلاحظ تدني مشاعر الفخر والاعتزاز بالثقافة والهوية المحلية بين أبنائها.

ومردّ هذا، إلى أنّ المتحدث بلغته الأم يتعلمها منتمياً لثقافتها الحاضنة؛ وما تنطوي عليه كلماتها، والتعابير من حمولة فكرية ذات سياق ثقافي وتراثي ذي فرادة، فهو حين يتحدث بها تتراءى له صور وعوالم، تحمله إلى حقب تاريخية ماضية، وتصور له آمالاً وطموحات مستقبلية.

لكن كيف سيكون حاله إن كان يتحدث بلغة غير لغته الأمّ؟ من المؤكد أن تجربته ستختلف اختلافاً جذرياً، فهو محجوب عن ثقافتها الحاضنة؛ وبذلك ستتراءى له حينئذ صور وتجارب، بطلها رجل غريب عنه، وتحمله الكلمات إلى حقب زمنية لا صلة لها بواقعه وتراثه وتاريخه، فيجد نفسه على هامش هذا العالم ولا قيمة له.

هي حقيقة أدركها المختصون في علوم اللغة والتربويون، كما لفتت انتباه الباحثين في دراسات الهوية. وبناءً على دراسات أجريت على طلاب الكليات العلمية في دول من بلاد الشام والخليج العربي والمغرب العربي؛ تبيّن أنّ هناك صلةً بين التعلم بلغة غير اللغة الأم، وبين الافتقار إلى الابتكار والتميز العلمي.

وتمثل دول المغرب العربي خير مثال على أزمة الهوية التي تعاني منها دول لم تعد صلتها بالعربية تتجاوز النسب والتاريخ، فيما لا زالت هويتها غائمة وغامضة، فاللهجة المغربية التي يتحدثون بها ليست عربية خالصة، وتشكل خليطاً من تمازج الأندلسيين والأتراك والأمازيغ والأتراك.

ويتبنى الشعب المغربي ثقافة منغمسةً في الثقافة الفرانكفونية. كانت هناك عدة محاولات في المغرب لتعريب المناهج التعليمية، إلا أنها جميعاً باءت بالفشل. والسبب رفض الشعب المغربي التخلي عن اللغة الفرنسية، والاستعاضة عنها باللغة العربية الفصحى، فيما تتصاعد اليوم دعوات لاعتماد اللغة المغربية المحكية في التدريس.

ويعزو البعض عدم التدريس باللغة العربية إلى عجزها عن استيعاب المفردات العلمية التي أنجبتها الحضارة الغربية ونحتت قالباً لها في الكلمات الإنجليزية.

وهو ما يرفضه أساتذة اللغة العربية واللسانيون والنحويون المتخصصون في اللغة العربية. وفي هذا السياق، تضع مجامع اللغة العربية على عاتقها مسؤولية إثراء اللغة العربية، بإطلاق مشاريع لتعريب المصطلحات العلمية وضمها في معاجم. مشاريع كان لها صدى في لبنان وسوريا والعراق ومؤخراً في الأردن، ما يفنّد كافة المزاعم التي تدعي عجز العربية عن استيعاب المفاهيم والمصطلحات العلمية الحديثة.

لكن لا بد من الإشارة إلى أنه لابد من أن ترافق حركة الترجمة نهضة عربية علمية شاملة، تهيئ ميزانية تغطي حملات الترجمة، وتحتضن مشاريع بحثية وعلمية مستقلة ترفد المعاجم بمفردات أصيلة غير مترجمة أو مأخوذة من سياق غربي.

وفي دراسة قابلت فيها أساتذة الكليات العلمية في جامعة فيلادلفيا بالأردن، وعمداء الكليات ونائب رئيس الجامعة، أعرب معظمهم عن رغبتهم في التدريس باللغة العربية في كلياتهم، إلا أنهم وجدوا هذه الخطوة مجازفة غير محمودة العواقب وحلماً بعيد المنال. فسوق العمل بحاجة لخريجين يتقنون اللغة الإنجليزية، كما أن المجال الأكاديمي من مؤتمرات ومجلات محكمة يعتمد اللغة الإنجليزية.

وهنا أشار بعضهم للتجربتين الأبرز في التعريب في سوريا والعراق، معقبين أنهما لم تكتملا وتحصدا ثمارهما المرجوة في وسط غياب مشروع ترجمة وتعريب على مستوى الوطن العربي.

وهو ما يمكن تداركه بإطلاق مشروع في كنف جامعة الدول العربية التي ستخصص ميزانية وتجمع جهود الترجمة في كافة أقطار الوطن العربي، وتشكل لجنة مكونة من مترجمين وعلماء متخصصين في شتى المجالات، يعملون على تعريب ونحت المصطلحات العلمية في اللغة العربية، وتوحيد الترجمات المختلفة عبر أرجاء الوطن العربي، وعقد مؤتمرات لتثبيت جذور محبة العربية في نفوس أبنائها، وحثهم على التحدث بها في شتى المجالات الرسمية وغير الرسمية.

كما تشرف لجنة المشروع على إطلاق حملات توعوية ونشرها عبر مختلف وسائل الإعلام، وعقد مسابقات لمبادرات تحيي استخدام اللغة العربية عبر أحدث وسائل التكنولوجيا ووسائل الاتصال. لكن لا يبدو أن هذا الحل سهل المنال، في ظل الأوضاع الحالية التي تمر بها الدول العربية.

وقد أشار إلى قضية أزمة الهوية واللغة الأم الطيب صالح في روايته موسم الهجرة إلى الشمال، حيث مثل البطل مصطفى سعيد، خير نموذج على إنسان العالم الثالث الذي فشل في الانتماء للثقافة الغربية، وخلع جلده وثقافته العربية. يجلس على مقاعد الدراسة في أرقى جامعات بريطانيا ثم يعمل محاضراً جامعياً. وينخرط في شتى النشاطات الثقافية والفكرية فيها، فيكتب الشعر الإنجليزي ويحفظ بعضاً من القصائد. ما يعني أنه بلغ مكانة لا يستهان بها في إتقان اللغة الإنجليزية.

لكنه يكتشف أنه لا زال العربي ذاته الذي يبقى وافداً وغريباً عن أبناء الغرب، فيما يتحدث لغتهم التي تهمّشه وتقصيه وتضع الغربي في صدارة المشهد. الأمر الذي أبقاه حبيس شعور شديد بالدونية.

وكما أشار صالح في روايته، يفشل العربي في التحرر من المشروع الإمبريالي الثقافي، طالما لم يتحدث بلسان عربي، ويفتخر به وبثقافته الحاضنة وتراثه، التي ليس في إمكانه الانسلاخ عنها أو التنكر لها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق