حضور امرأةحواراتعام

أمل صيام: فقيهة مُفكرة برتبة وزيرة

أمل محمد صيام (هرماس)، متزوجة وأم لأربعة أبناء، حاصلة على درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي وقضايا المرأة. تولّت منصب وزيرة شؤون المرأة عام 2007م في حكومة الوحدة الوطنية.

عندما طرحت عليها سؤالاً : من هي المرأة برأيك؟ أجابتني: المرأة في الإسلام هي المجتمع كله. فهي النصف من الناحية الإنسانية؛ بمعنى أن الإناث النصف والذكور النصف الآخر، وهي تلد النصف الثاني، وتربيه وتسهر على تنشئته. فإذا أُحسن تعليمها وتربيتها وتنشئتها، فستقيم نواة صالحة مستقيمة، وهي الأسرة، فهي زوجة صالحة، ومربية فاضلة.

وزيرة شؤون المرأة

تستذكر صيام فترة شغلها منصب وزيرة شؤون المرأة، مع أنّها كانت فترة قصيرة جدّاً بسبب أحداث الانقسام، وتصفها بالتجربة المثيرة؛ فقد عرّفتها على شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني ذات فكر وثقافة جديدين، ولكن محاولة الاندماج فيها كانت تحمل في طيّاتها شيئا من الصعوبة.

إن منصب وزيرة شؤون المرأة منصب خطير على غير ما يعتقده الكثيرون، لأنه يشرف على حاجات النساء اللواتي هن كما قلنا نصف المجتمع، والعناية التي يجب أن نوليها لهن تستلزم أن تكون مكثفة وواضحة ومستمرة.

خلال عملها كوزيرة لشؤون المرأة؛ اطلعت صيام عن كثب على عمليات تهميش المجتمع للمرأة وإهماله لها، بل القسوة عليها، وإخضاعها للرجل ولو قسرا، وهو الأمر المرفوض في ديننا، وإنسانيتنا.

هذه التجربة وهذا الانطباع، كانا السبب الرئيسي لاختياري موضوع قضايا المرأة في الإسلام، ليكون بحثي المقدم لنيل درجة الدكتوراه. ولما توسعت في بحث هذا الموضوع، وجدت بأن كثيرا من الحقوق التي شرعها الله لنا كنساء مهدورة ومهمشة ومستبعدة.

منها: حقها في زيارة والديها مثلاً من غير إذن زوجها، وخروجها لبرهم ولو كان كارها. وحقّها في التعليم، وإدارة شؤونها المالية ولو بغير إذنه ورضاه. وحقّها في مالها؛ إذ يحرم عليه أكل مالها إلا برضاها. وحقها في اختيار شريك حياتها، وعدم جواز إجبارها بكراً كانت أو ثيباً. ومن حقوقها المهدورة كذلك: حقها في الميراث، ومساواتها مع الرجل في الدَّية، ويجب عليه إحسان معاملتها؛ أبا كان أو زوجا.

يجب أن تكون أهم أولوياتنا كنساء، أن نحاول استرداد حقوقنا المشروعة.

وترى د. صيام، أنّ انتزاع الحقوق يكون عن طريق استصدار القوانين وسنّها لحماية المرأة وحقوقها المشروعة في المناصب المتاحة المختلفة. وكأمهات من خلال تربية أبنائنا على المفاهيم الصحيحة من مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات. وكمعلمات من خلال توجيه الطلاب، وتثقيفهم، ونشر الوعي بينهم، وتعريفهم بحقوق المرأة؛ ما لها وما عليها.

“المرأة في فكر القرضاوي”

في التّاسع من سبتمبر 2015 أصدرت د. أمل رسالتها الدكتوراه: “قضايا المرأة في فكر د. يوسف القرضاوي”. ناقشت فيها الفقه والفكر معاً، وهما أكثر ما يجمع قضايا النّساء البسيطة والمعقّدة؛ وكأنّما أرادت بذلك تسليط الضّوء على المرأة كما يتم تصوّرها في عقول المجتمعات، فهي تمثّل لهم الإنسان “البسيط” و”المعقّد” في آن واحد.

أحياناً تأتي المفارقة في عمق فلسفة الأضّداد تلك؛ لتفتح أمامنا باب الأسئلة التي تتوه المرأة كثيراً في الإجابة عنها وحدها، ويصدمها هذا الاقتران المستمر في وصفها المتنقّل بين “البساطة” و”التّعقيد”. ويتعبها البقاء على الهامش – في الواقع – وهذا ما لا يمكن إنكاره في صلب الجدل والتّنظير على مستوى الخطاب.

فبينما لا تحظى الإناث بحقوق عادلة مشروعة كما يجب في الحياة اليوميّة، نجدها في الشّعر، والخطب الرنانة، وفي الوصف الرّائع الرّقيق الذي لا غنى عنه أينما حطت الحياة أو وجهت أشرعتها.

قضايا المرأة: نظرة عن كثب

كعادة أيّ أكاديميّ أو باحث؛ لا بدّ من تبيان سبب اختياره لأطروحته، ولا أقول إنّ جميع الدّراسات تحتوي على أسباب جوهريّة حقيقيّة، فأحياناً تكون مجرّد سطور إنشاء؛ يكتبها أحدهم من أجل استكمال متطلّبات الأطروحة العلميّة. لكن هناك باحثون أكفاء أكثر نضجاً ووعياً، تختبرهم الحياة في جانب غير تقليدي، وتضعهم الظّروف في منعطفات صعبة؛ تدفعهم لرؤية جديدة، وتبرز أمامهم أنواراً خفيّة من أفكار وتصوّرات تستحق أن تروى وتنشر للنّاس.

تقول صيام عن سبب اختيارها لبحثها: “لقد عيّنتُ وزيرة لشؤون المرأة في حكومة الوحدة الفلسطينية 2007م، فكان ممّا اطّلعت عليه، مظالم وقعت على العديد من النّساء اللواتي لم يجدن من ينصفهنّ، لا من النّاس ولا من القضاء، فأدّى ذلك إلى اضّطراب بعضهنّ نفسياً، وضياع حقوق بعضهنّ الآخر، ووصل الأمر ببعضهنّ أن كفرن بتعاليم الإسلام، ظنّاً منهنّ أنّه هو المسؤول عن الظّلم الذي وقع عليهنّ”.

“لقد آلمني بشدة ما وجدتُ من حقوق أوجبها الإسلام للمرأة؛ ضيّعها المجتمع، وتركتها النّساء من شدة القسوة التي يتلقّينها، إذا طالبن بها”. د. أمل صيام

فلّما انقضى العمل في الوزارة، اتجهت لنيل درجة الدّكتوراه، ووجهها الأستاذ د. حسام الدّين عفانة إلى البحث في قضايا المرأة التي تكلّم عنها الشّيخ القرضاوي. تتابع: “ولأنّ مصدر ظلم المرأة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة نجَم عن التطرّف، وسوء فهم مقاصد الشّريعة، وقصور النّظر في بعض الاجتهاد حول المستجدّات المرتبطة بالمرأة وقضاياها، لجأت إلى استقراء مؤلّفات القرضاوي تقديراً له لاتّباعه منهج الاعتدال والوسطية، مخالفاً بذلك الكثيرين”.

وتؤكد د. صيام أنّ حقوق المرأة الشّرعيّة كثيرة وواسعة، ضيّعها المجتمع بغلبة تقاليده الرّجعيّة على رقيّ شريعته السّمحة، وضيّقها جهل المرأة ورضوخها لواقعها، وانتشار ثقافة تهميشها؛ المستندة إلى أحاديث موضوعة ومبتدعة.

إنّما العلم بالتعّلم

لماذا تتعثّر النّساء دائماً في حقل المعرفة الخاصة بـ” فقه النّساء” ونجدهنّ يلجأن إلى مراكز الإفتاء كلّما وقفن أمام مسائل الحياة سواء المألوفة أو المستجدّة، ويعاودن التعثّر مراراً وتكراراً بنفس المسائل كلّ حين، ويسعين مجدداً إلى الاستعانة بمراكز الإفتاء؟

هل تستطيع النّساء معرفة الأحكام الشّرعيّة بأنفسهنّ ببذل القليل من الجهد في البحث والقراءة، بدل الاستعانة المستمرّة بأصحاب الفتوى “الرّجال” غالباً؟

لطالما كان العلم بالتعلّم،  والفقه بالتفقّه، وردّ البدع والغلط بالتبحّر في الكتب الموثوقة وقراءة كافّة الآراء والمرجّح منها وتبيان صوابها. إنّ وجود مراكز الإفتاء لا يسقط واجب أن تتعلّم المرأة دينها وأحكام شريعتها، كما أنّ وجود المفكّرين من الرّجال الذين كتبوا في المرأة لا يلغي أن يكون لها صوتها، وعقلها الحرّ الخاص، فالمرأة أفضل فهماً لبنات جنسها وطبائعهنّ من الرّجال بالضّرورة.

إنّ المرأة المسلمة ليست قاصرة عن البحث في كل ما استشكل عليها فهمه وعلمه من الأحكام بنفسها في الأحوال الشّخصية الشّاملة للزّواج، والطّلاق، وكافّة العبادات والآداب والحقوق.

لقد حظيت أمل صيام بفرصة سبر أغوار العديد من كتب الفقه والحديث والترّاجم والتّفسير واللّغة العربيّة والعديد من الكتب المعاصرة، واستعانت في أغلب المسائل بمنهج الفقه المقارن؛ ضمن المذاهب الأربعة المشهورة: الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنبلية.

وبالوقوف على تخريج الأحاديث من مصادرها الأكثر وثوقاً صحيح مسلم وبخاري، مستعينة بالعودة إلى السنن الأربعة: أبي داود والتّرمذيّ والنّسائيّ وابن ماجة، كما قرأت في كتب ابن قدامة والسّرخسيّ، وكتب التّفسير المشهورة كالطّبريّ، وابن كثير والقرطبّي، وفي كتب علوم الحديث من فتح الباري، وشرح النّووي ومعالم السّنن للخطّابي،ّ وتلخيص الحبير لابن حجر، والنّهاية في غريب الحديث، والأثر لابن كثير. وفي أصول الفقه استزادت بالموافقات للشّاطبيّ وإعلام الموقّعين لابن القيّم، والأشباه والنّظائر للسّيوطيّ.

وفي اللّغة، سبرت أغوار العين للفراهيديّ، ولسان العرب لابن منظور، والقاموس المحيط للفيروز آبادي. كما قرأت في تراجم سير أعلام النّبلاء للذّهبي وتهذيب الكمال للمزّي، وتقريب التّهذيب لابن حجر، وصولاً إلى الكتب المعاصرة خاصّة كتب: عبد الكريم زيدان والشّيخ القرضاوي في فتاوى معاصرة، والحلال والحرام في الإسلام، ومدخل لدراسة الشّريعة، وغيرها من الكتب.

حلول واقعيّة لمسائل معقدة

لقد بحثت الدّراسة في أكثر من 80 مسألة، وسلّطت الضّوء على أكثرها جدلاً وتعقيداً كمسائل: تأجير الرّحم، وبقاء الزّوجيّة إذا أسلمت الزّوجة دون زوجها، وديّة المرأة والإجهاض، و عمليّات التّجميل، وتحويل الجنس وغيرها. والنّاظر في مثل هذه المسائل يجد حلولاً كثيرة، وتيسيراً ورفع حرج عن العباد؛ بحلول واقعيّة تتّصف بالمرونة، وتتحقّق بها التّوسعة على النّاس بشكل لا يصادم نصاً ثابتاً محكماً ولا قاعدة شرعيّة. 

من بين الأحوط والأيسر؛ نجد اختيار “الأيسر” عند أصحاب الوسط من العلماء اختياراً سليماً، ما لم يكن إثماً، اقتداءً بسيّدنا محمد عليه أفضل الصّلاة والسّلام”.

أعتقد أنّ تقصّي الفتوى في مثل هذه المسائل سيثري معرفة القارئ، بل وسيصدمه، خاصّة عند إداركه لمدى التّيسير الذي وفّرته التّرجيحات بين الأقوال المختلفة والآراء المتعارضة؛ بالموازنة بين الأدلّة، والنّظر في مستنداتها من النّقل والعقل، وكيفية اختيار الأقرب إلى كليّات الشّريعة ومقاصدها، بإقامة مصالح الخلق والعباد.

لا حرجَ ، جائزٌ ، مسموحٌ = حقوقاً

بحثت د. صيام في بعض المسائل البسيطة جداً والتي لا زالت تجدها النّساء عوائق أمام رغباتهنّ وآمالهنّ وأحلامهنّ، كركوب الدّراجة على سبيل المثال، والذي لا حرج فيه سواء للرّياضة، أو اللّهو، أو الوصول إلى أماكن الدراسة والعمل.

أو اشتراط العمل بعد الزّواج في العقد، فلها أن تدافع عن حقّها في اختيار أن تعمل حتّى لو كان الزّوج مقتدراً، وأن لا تأخذ بالشروط الإضافيّة المقيّدة لها والتي أضافها بعض العلماء إلى جانب تحرّي طبيعة العمل المناسب والحشمة، كالنّظر إلى الحاجة إلى العمل، فإن احتاجت هي وأسرتها إليه عملت، وإن لم تحتج فقرارها في بيتها أولى لها.

“الزوجة ليست سخرة للآخرين؛ تعمل إن احتاجوا عملها، وإن لم يحتاجوا أبقوها في بيتها. بل تعمل المرأة وفق حقها ورغبتها”.

المرأة: أهل للقضاء، وللإفتاء، وللوزارة 

لقد أفسحت الشّريعة الإسلاميّة للمرأة فرصاً شتّى ترفع من شأنها، وتزيد من قيمتها ودورها في بناء المجتمعات تماماً كالرّجل، فالمرأة أهل للشّهادة، وإذا كانت كذلك فهي أهل للقضاء والإفتاء، والقضاء مثل: تسلّم حقيبة الوزارة أيضاً. ومع أنّ القرضاوي وضع شروطاً للأخيرة، مثل: عدم الانشغال بالأمومة ومتطّلباتها، وبلوغ الخمسين أو ما يقارب، تحقيقاً للتّفرغ والنّضج والخبرة، لكن هذا ليس أمراً ثابتاً وقاعدة، فلكلّ قاعدة شواذ، فإن كانت المرأة الغربيّة مارست دورها في الوزارة ومجالس التّشريع، وبين ذراعيها تحمل طفلها ترضعه وترعاه، فتستطيع المرأة المسلمة القيام بذلك أيضاً .

إنّ الشّريعة الإسلاميّة تراعي اختلاف النّاس ومتطلّبات العصر، ففي الثّوابت لها صلابة الحديد، ومع المتغيّرات لها ليونة الحديد. والمرأة لها من كل هذا نصيب لم يظلمها في واجباتها ولم ينتقص من حقوقها. وإنّ السّبيل إلى إعادة التّوازن للمجتمعات الإسلامية؛ يعتمد على إصلاح واقع الرّجال والنّساء معاً، عبر نهضة التّعليم، ونشر ثقافة الحقوق، وإصلاح مؤّسسات الدّولة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق