عاممدونات

إسراء غريب: في التحقيقات والحقيقة

-التحقيقات: ضُرِبت إسراء حتى الموت.

-الحقيقة: قاومت إسراء حتى الموت.

تابعتُ قصة إسراء كما لم أتابع قصة مثيلة من قبل، بكل ما كُتِب عنها وما تم تسجيله، أحاول إدخال أيّ كلمة مفتاحية لعلها توصلني لأيّ خبر؛ [محمد صافي، إسراء غريب، مستشفى بيت جالا، بيت ساحور، كلنا إسراء غريب]، تعرفت على شبكات إخبارية محلية لم أكن أعرفها من قبل، قرأت الكثير من التعليقات، وتخيلت الكثير من القصص التي حُبكت حولها، في كل مرة أقول: “ممكن، عادي بتصير”.

في كل مرة أحاول أن أجد إجابة لسؤال بسيط جداً كان يشغل تفكيري، ” كيف وقعت على ظهرها ووجهها مع بعض؟ كيف انكسر ظهرها، وأخدت قطبتين عند عينها ووجها صار كله دما؟”، طبعاً هذا وفق الرواية الرسمية لأسرة إسراء، والتي رواها محمد صافي.  

في كل القصص لم أستطع أن أستمع لصوت إسراء، حتى في تسجيلاتها الصوتية التي فضحت القصة، ولكنني سمعته جيداً في ثلاث ليال، وهو تحقيق صحفي للصحفية فيحاء خنفر؛ تعرض فيه شهادات لشهود عيّان تواجدوا في مستشفى بيت جالا الحكومي في الفترة التي تواجدت فيها إسراء، فالتقوا بها بشكل مباشر أو غير مباشر.

(“يا جبَار يا الله”، كان الصوت يقترب في ممَر أحد أقسام مستشفى بيت جالا الحكومي، أدرك الجميع هناك وصول شابة ملأ صراخها المكان، وكان يغلب على كلامها مناداة لله!) 

صوت إسراء بدا لي واضحاً هذه المرة، تتبعته بعناية، حملّت إسراء صوتها كل ما أوتيت من قوة، كان وسيلتها الوحيدة لمقاومة شيء ما، أرادت لصوتها أن يصل، فوصل حقاً، وتجاوز مداه جدران بيت جالا الحكومي.

صورتان معكوستان يحاول طرفا الصراع فرضها، الأولى “لجماعة محمد صافي” كما كانت تسميهم إسراء، والتي تحاول أن تظهر إسراء على أنها فتاة فيها “مسّ”، وأنهم العائلة المكلومة الحريصة على ابنتها، وقد ضمت هذه الجماعة حتى أخوها محمد الذي وصل من كندا للتو، ورفض التسليم عليها، وقال: “أنا أصلا بحبكيش”، وفق ماجاء في التقرير.

والثانية كانت لإسراء، وإسراء وحدها فقط التي كانت تحاول أن تحافظ على ما تبقى لها من عقل، لا لتنفي عن نفسها تهمة المس والجن فقط، وإنما لتحاول إثبات أمر ما ربما كان السبب في كل ما وصلت إليه.

مزيج من ألم جسدي ناتج من الضرب وضغوطات نفسية ناتجة عن اتهامات بالمس، وانعدام السند والشعور بالظلم والضعف والرغبة في إخفاء أمور ما، كلها أمور كادت أن تذهب بعقل إسراء، ليصبح شاغلها الوحيد أن تثبت للجميع أنها ليست مجنونة.

” إنتِ خايفة مني، والله إنك خايفة مني”، قالت إسراء لمريضة أخرى لجأت لغرفتها، وأضافت:” أنتِ مفكرتيني مجنونة وبديّ أرمي حالي من الشباك؟ ليش سكرتي الشبّاك؟ كيف بردانة والدنيا شوب؟”، قالت إسراء حينما بررت المريضة، أنها أغلقت النافذة لأنها تشعر بالبرد، بحسب التقرير أيضاً. 

انعدام السند قاد إسراء للجوء للغرباء، بحثت إسراء في غرف المرضى عن ذاتها المدفونة تحت ادعاءات “جماعة صافي”، الملفت هُنا أنها لم تستجدي أحداً، ولم تذكر تفاصيل، وكأنها لم تتوقع أن يصل بها الحال إلى الموت أو القتل، أو أنها اكتفت بذاتها وبربها فقط.

“كانت تبدو مرحة أحياناً وذهنها مشوش أحياناً أخرى بحسب الشهود”، اللافت هُنا، أن إسراء حاولت أن تدرأ عن نفسها تهماً بعيدة عن المس والجن، فقالت: ” بقولوا عنيّ متكبرة، هات يا عميّ أسلم عليك وأثبتلك إني مش متكبرة”، والجدير بالذكر أنها ذات التهمة التي اتهمها بها  صافي حتى بعد وفاتها حين قال واصفاً سقوطها: “استخدمت شوية الكِبر إليّ عندها وقدرت المسافة غلط، وحاولت توقع حالها من البرندة”، وهنا نحن نتحدث عن خيوط لمسألة خلافية بعيدة كل البُعد عن قصص الجن والشعوذة.

أصرت إسراء على إخفاء الشخصية التي كانت وراء سقوطها، “هم وقعوني من البرندة بس مابعرف مين”، وكانت تصمت أحيانا وترفض الإجابة، فيما روت بعض قريباتها أنها سقطت عن الدرج حسب التقرير، ليقول تقرير النيابة أخيراً أنها لم تسقط في الأساس. ولكن إسراء وفي ذات الوقت أوصلت رسالة واحدة لكل شخص التقته أو وثقت فيه، وكلها تتعلق بشخصية زوج أختها محمد صافي.

(“بتعرفي محمد صافي؟ محمد صافي واحد بعرفش الله”، “خالتي الخطية برقبتك ليوم الدين تدعي ع محمد الصافي..”، وحين سألتها السيدة من يكون؟”، فقالت: “اسمه محمد إسماعيل الصافي ضلك إدعي عليه لإنه دمرنا”…)

العداء ين إسراء وصافي لم يظهر فقط من هذه الرسالة التي أصرت إسراء توصيلها، ولا من رفضها المطلق من اقترابه منها أو تواجده في ذات الغرفة التي تجلس فيها، وإنما بما قاله هو لإحدى النساء التي حاولت التخفيف عنهم بإيراد قصة مشابهه لها، فقال: “إنتِ دمرتي بيوت لمّا مرضتي؟”، وتظهر في بعض فيديوهاته أيضاً بإنه ” إسراء عملت السبعة وذمتها”.

وبحسب التقرير أيضاً: (“قرر أخوة إسراء وصهرهم إنهاء الجدال بإخراج أختهم من الغرفة، فأخذوا يحاولون جرّ السرير المستلقية عليه، فكان تحريكه صعباً، “مش رايحة بديش أطلع”، قالت لهم إسراء بحزم، فحملوها على الفرشة ونقلوها إلى غرفتها، وبعد قليل جروا سريرها إلى الممر وكانت مغطاة لغاية رأسها، وعندما أصبحت بموازاة أحد الغرف، أزالت الغطاء عن وجهها وظهرت يداها مقيدتان، وقالت للناس: “اطلعوا إشهدوا، اطلعوا محمد الصافي شو بسوي فيي”، فغطو وجهها مجددا وابتعدوا بالسرير. توجهت سيدة ارتابت من الموقف لعامل نظافة وسألته عنها، فأخبرها أنهم نقلوها بالسيارة، وقام أحدهم بضربها خلال إدخالها).

قاومت إسراء لآخر لحظة كما ورد في التقرير، قبل أن تعود جثة هامدة إلى ذات المستشفى، غير أنّ صوتها خارج أسوار بيت جالا الحكومي، يبقى محصوراً بين السماء وسجلات التحقيق، لتسجل كحلقة من حلقات كثيرة ستبقى مفتوحة إلى أن يشاء الله.

آلاء عابد

كاتبة وباحثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق