حواراتعام

“عودك رنّان”: ترانيم شرقية تَخُط دارا للعربية

لحظة جنون واحدة كانت كفيلة بولادة “دار هناء” للخط العربي. في ليلة ماطرة كانا رفيقا الدرب يسيران تحت النجوم والمطر، فلمعت في رأس هادي فكرة؛ أن يشترك مع زوجته هناء، الموهوبة برسم الخط العربي بمهارة، بمشروع غير مألوف. تناول ورقة من الكرتون وبدأ يرسم عليها أفكاره بشغف، ورفيقته تنظر له ببلاهة وتقول: “لا إنت مجنون!”.

الملهم الأول

الفلسطينية هناء حمارشة، خريجة الهندسة الكيميائية، وصاحبة الخط المذهل، ورثت موهبتها من والدها، ملهمها الأول، الذي حرص على تعليم ابنته الصغرى خط الرقعة منذ أن كان عمرها أربع سنوات، فأهداها أول قلم للخط العربي، ووضعها على أول سلم النجاح، ثم جاء زوجها هادي ليلهمها من جديد أن تكمل دربها حتى النهاية.

تقول لـ (بنفسج) : “حينما كنت في الروضة، كان والدي مهتماً باللغة العربية، ومصرّاً على تعليمي خط الرقعة، واهتم بقراءة الكتب لي في سن مبكرة جدًا، وقراءة أشعار الحلاج، وابن الفارض، والبردي”.

الخطاطة الفلسطينية، عكفت طوال دراستها الجامعية على البحث عن مراجع تتعلق بالخط العربي وبالخطاطين العرب، والتحقت بدورات عديدة، لتصل إلى ما هي عليه الآن. تضيف: “التقيت بهادي في الجامعة، درسنا الهندسة سويًا، كان يشبهني للغاية، فهو صاحب ذوق موسيقي عالٍ، وعازف بارع، يقدّر الفن والجمال، آمن بي وبموهبتي، وهذا جعلني تحت مسؤولية كبيرة”.

لم تنفك هناء أثناء حوارها لـ “بنفسج” أن تذكر زوجها الذي لولاه لما وصلت إلى ما هي عليه الآن، كلما يأست، تجده خلفها يعزف لها معزوفة موسيقية ويدعمها بحبه، لم يتخل عنها ولو للحظة، إن سقطت يومًا ترتطم بقلبه.

رفيق دربها وحصنها الدائم

“لا تجزع من جرحك وإلا كيف للنور أن يتسلل إلى باطنك”، ظهرت هناء في مقطع فيديو تحيطها الطبيعة الخلابة، وزرقة السماء تخطط مقولة جلال الدين الرومي بصحبة هادي الذي كان يعزف معزوفة موسيقية لأنور إبراهيم، برفقة صديقه الدائم “العود”.

“قررنا أن نفعل شيئا يشبهنا في مجموعة فيديوهات مصورة، ندمج بين فن الموسيقى وفن الخط، أطلقنا عليه حوار الخط والعود”.

صديقها الأبدي شجعها للبدء بـ”دار هناء”، وتم البحث عن مكان في مدينة طولكرم والاتفاق مع فريق متكامل من مصممي ديكور وإداريين؛ لوضع خطة شاملة للمشروع، وفعليًا سطع نجمه في مدة قليلة، ولاقى رواجًا واسعًا في أوساط الضفة الغربية. ضيفة بنفسج، تضيف: “كنا مع الفريق التسويقي لحظة بلحظة نقترح وننفذ، ونتلقى المشورة من المستشارة الإدارية للمشروع، آلاء بهيج”.

كان من المقرر أن يتم افتتاح المشروع في آذار/مارس الماضي، ولكنه تأخر حتى سبتمبر، خلال تلك الفترة شعرت هناء بيأس وندم، تقول: “مع الضغط، كانت تأتيني وساوس لدرجة أنه قلت لهادي، ما بدي أكمل خلص، ما بدي مشاريع خسارة على فلوسنا تروح”.

هادي الحصن الدائم لهناء، شجعها ولم يترك لها مجالًا لليأس مرة أخرى، قبيل الافتتاح بشهر واحد، كانا يسابقان الزمن لإنهاء جميع اللوحات، يعملان حتى ما بعد منتصف الليل. تذكر هناء أنه في أحدى المرات قامت بإعادة تخطيط لوحة 40 مرة حتى أصبحت بالشكل المطلوب.

منتجات بالخط العربي

حين زينت اللوحات والأعمال جدران المتجر، وضعت هناء يديها على قلبها وتنفست بعمق، كجندي رجع لتوه من حرب كان موته فيها محتومًا. وفي صباح اليوم المرجو، استعدت لاستقبال الزوار والإعلاميين، تقول: “لم أتوقع أن يكون منظر الدار بهذا الشكل، فقد فاق جماله كل توقعاتنا”.

ضيفة (بنفسج) تبغض الالتزام بشيء معين، ولكنها تحب تكريس نفسها لإنجاح ما صبت إليه. تقول: “الرغبة في إنتاج الأعمال الفنية ليست حاضرة دائما، فهي تجيء وتروح، لذا أحب الجلوس بمفردي، وممارسة التأمل، وبعد ذلك يأتيني الإلهام، وأبدأ بتخطيط أعمال مذهلة”.

“دار هناء” لا تقتصر فقط على بيع اللوحات المرسومة بالخط العربي والديكورات المنزلية، بل عملت هناء أيضاً استدخال الخط العربي في بعض الإكسسوارت المنزلية كالساعات والطاولات الجانبية، فضلا عن بعض المقتنيات الشخصية؛ إذ تصمم أيضاً حقائب مخططة مصنوعة من الجلد الطبيعي. من جانب آخر  تعقد الدار دورات في الخط العربي، وأمسيات فنية موسيقية برفقة العازف هادي.

رفيقا الدرب تظهر لمساتهما الخاصة في كل شيء يتعلق بهما، تتابع هناء: “بطاقة دعوة فرحنا صممتها بنفسي، وكتبت جملة عودك رنان، ورسمت عود هادي، حتى أننا نختار هدايا لأصدقائنا من إنتاجنا، وعكفت أيضًا على تصميم بطاقات الأفراح”.

الخطاطة هناء، تعتبر الخط العربي إرثاً يجب ألا يندثر بمرور الزمن، تدربت على يد خطاطين كبار، وطورت موهبتها بنفسها، عقدت جلسات تدريبية مع نفسها لتكتب الحرف بطريقة ترضيها، حتى أنها كتبت أحد الحروف ألف مرة حتى تتقنه.

حماس الأحبة ودعم المتابعين

بصوت رقيق وبحماس جميل، تُحدثنا هناء عن رحلتها في أوروبا مع هادي، تقول: “التقيت مع رسامين وخطاطين، سعدت بلقائهم، وزرت جميع متاحف إيطاليا، تأثرت جدًا باللوحات الفنية المخلدة هناك، واستوحيت فكرة الرسم والتخطيط على حقائب الجلد الطبيعي”.

“حين تفعل أشياءك المفضلة بحب، يظهر للناظرين أثر حبك عليها”.

تحدثني هناء بضحكة رقيقة، والفرحة بادية على صوتها، عن ردة فعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي وتعليقاتهم على أعمالها التي تحرص على الترويج لها باستمرار، تقول: “أكثر تعليق أحببته “دار هناء للإفلاس”.

“الليل والخيل والبيداء تعرفني”. بيت الشعر هذا كتبته هناء على “الكيس” الخاص بالدار، فنال تصميمه إعجاب الكثيرين، فوصلها تعليق طريف من أحد الأصدقاء: “بنفع ما نشتري شي وتحطولنا كيس جوا الكيس”.

“ما كذب الفؤاد ما رأى”. الجملة الأقرب لقلب ضيفة (بنفسج)، وأول جملة كتبتها حين انغمست بعالم الخط العربي. “زدني بفرط الحب فيك تحيرا”، هناء تحرص دومًا على إحياء أبيات الشعر القديمة وتخطيطها، لنشرها بين الناس.

ضيفة بنفسج لا تمل من التعلم، تنوي الالتحاق بدورات للخط العربي في الخارج، على يد خطاطين لهم باع طويل في الخط الديواني، تعتبر نفسها لم تصل بعد لما تحلم به حقاً، وقد اتخذت من التمرين، والتدرّب، والتعلم زاداً في رحلتها مع الخط العربي. وتستثمر هناء كل ما تتعلمه في تعليم هاوين آخرين للخط العربي، في دورات تعقدها من فترة لأخرى.

نقطة البيع لمتجر “دار هناء” في مدينة طولكرم، إلا أنّ خدمة توصيل الطلبات للزبائن متوافرة لأي مكان في العالم. هناء وهادي يعتبران مشروعهما بذرة صغيرة وسط أحلامهما الكبيرة، فهما يطمحان إلى أن يكون لهما امتداد على مستوى العالم أجمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق