عاممجتمعمنوعات

“الشهد في عنب الخليل”: عن العنب في الموروث الفلسطيني

مع بداية موسم قطف العنب في فلسطين خلال النصف الأول من شهر نيسان من كل عام، تفترش الفلاحات الفلسطينيات شوارع الأسواق من الشمال إلى الجنوب، لتبيع بضاعتهن من العنب وورقه الذي يعتبر أحد أهم الأكلات الشعبية الفلسطينية.

ومنذ القدم، أولى أهل فلسطين اهتماماً كبيراً بزراعة العنب، وتدل على ذلك معاصر النبيذ الحجرية القديمة التي دشّنت زمن العثمانيين، وما زالت آثارها ظاهرة للعيان في مختلف المدن والمناطق، حيث غدا العنب يشكل إرثاً حضارياً وثقافياً ورمزاً في تراث الشعب الفلسطيني.

تقدر مساحة الأراضي المزروعة بكروم العنب، بأكثر من 80 ألف دونم، منها حوالي 45 ألفاً في محافظة الخليل و15 ألفا في محافظة بيت لحم. وتقدر كمية الإنتاج السنوية من هذا المحصول بحوالي 80 ألف طن سنويا.

محافظة الخليل اشتهرت بزراعة العنب، وبتنوع أصنافه؛ لتزيد على 15 صنفاً. وارتبطت جودته باسمها، حتى قالوا: “الشهد في عنب الخليل”. ومن أشهر مناطق الجنوب التي يزرع فيها العنب: الخضر، وبيت أمر، وحلحول، والعروب، وسعير، والشيوخ، ودورا.

وتقيم محافظة الخليل كل عام مهرجان العنب الفلسطيني، إذ تعرض فيه أصناف محصول العنب، والمنتوجات الزراعية والصناعية التي تدور حول صناعة هذه الفاكهة عجيبة التنوع، غنية الفوائد.

أنواع العنب

يشتهر العنب بحلاوة طعمه وجمال منظره، ويتوفّر منه حول العالم ما يزيد على 100 نوع مختلف في شكله، وحجمه، ولونه، وحلاوته. ويكثر استهلاكه حول العالم كأحد الفواكه اللذيذة. ويستخدم في الصناعات الغذائية كالزبيب، والدبس، والملبن، والمربّى، والعصير، مما يزيد من أهميته الاقتصادية؛ بسبب الدخل الذي يوفره للمزارعين.

ينتشر في فلسطين ما يزيد على 50 صنفاً من العنب الأبيض والأسود، وهو ثاني أهم منتج زراعي فلسطيني.

ويقسم العنب إلى نوعين رئيسيين: أولهما العنب الأبيض، وثانيهما العنب الأسود. فأمّا العنب الأبيض فيشتهر منه في فلسطين الأنواع التالية: الدابوقي، والبيروتي، والزيني، والمراوي، والجندلي، والحمداني، والفحيصي أو المطرطش. أمّا العنب الأسود فمنه: الحلواني، والبيتوني، والشامي، والدراويشي أو الشيوخي. وفيما يلي تفاصيل حول كل نوع منهم.

∇ العنب الدابوقي

من أكثر الأصناف انتشاراً في فلسطين، وأكثرها ملائمة للظروف البيئية المحلية، وتحملاً لظروف الجفاف، وارتفاع نسبة الكلس في التربة. أشجاره قوية النمو، ويمكن تأخير الثمار على الشجرة لفترة طويلة، لكنّ حباته حساسة للنقل بسبب قلة سماكة قشرة الثمرة. 

تنجح زراعة العنب الدابوقي في جميع أنواع التربة، نظراً لقدرته على التأقلم مع أصعب الظروف البيئية، حتّى في مواسم الجفاف.

تنضج ثمار العنب الدابوقي في أواخر شهر آب وبداية أيلول، وهو من أكثر أنواع العنب استخداماً في تحضير الزبيب والدبس والخلّ. ويتميّز بالشكل الدائري الصغير لحباته، ولونها الأخضر المصفر، وبقوامه الطريّ. 

∇ العنب البيروتي

تمتاز أشجاره بصلابة سيقانها، أمّا أوراقه، فملساء من الجهتين، وحساسة جداً؛ ممّا يجعلها من الأنواع المفضلة لطبخ أوراق العنب “الدوالي”. ويحتاج العنب البيروتي لعناية كبيرة واهتمام شديد؛ فهو ينبت في تربة مخصّبة، مخدومة جيداً، ذات صفات حسنة. كما أنه يحتاج تقليماً طويلاً.

الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع أسعاره بشكل كبير في الأسواق المحلية، وترتّب على ذلك تنحيته عن صناعات العنب ومنتجاته المختلفة في السنوات الأخيرة خاصة. وتأتي ثمار العنب البيروتي كروية إلى مستطيلة الشكل، وتكون حبّاته، ذات اللون الأبيض، مغطاة بمادة شمعية، وسميكة الغشاء.

∇ العنب الزيني “البلدي”

من السهل تمييز العنب الزيني عن غيره من أنواع العنب؛ فهو متوسط النضج وواسع الانتشار، يشبه الدابوقي إلى حد كبير، إلا أن عناقيده كبيرة، ممتلئة، متوسطة التراص، ذات شكل مخروطيّ. لحباته شكل مستطيليّ مميّز، تأتي باللون الأخضر المصفر، ذات مذاق حلو. ويحتوي العنب الزيتيّ على كمية كبيرة من العصارة، لذا يستخدم بكثرة في تحضير العصير.

∇ العنب الحمداني

متوسط الانتشار، ويتأخر في النضج، عناقيده الثمرية مخروطية الشكل مائلة إلى الاستطالة، متراصة الثمار، ثماره مستديرة وذات قشرة أكثر سمكاً من ثمار الدابوقي، ونسبة اللب بها عالية، بذورها صلبة وعددها من 2-4، لون الثمار أصفر إلى أصفر مخضر، ونسبة السكر بها عالية عند اكتمال النضج، وهو يصلح للأكل والعصير وصناعات محلية أخرى.

∇ العنب المراوي

متأخر النضج، متوسط الانتشار، يشبه الحمداني من حيث شكل الثمار وسمك قشرتها ومحتواها من اللب والعصير وعدد البذور. عناقيده متوسطة إلى كبيرة الحجم، متناسقة الشكل والحجم. درجة تزاحم الثمار في العناقيد أقل عنها في الحمداني، براعم القصبات القاعدية مثمرة، لكن به صفة اختلال السكر بعد النضج، فيصبح طعمه غير مرغوب أحياناً.

∇ العنب الجندلي

شجرته تشبه الدابوقي، ولون ثماره أصفر قليلا، ثماره كروية متراصة صغيرة الحجم نسبياً وبذوره قليلة، صنف متأخر النضج متوسط الانتشار عناقيده الثمرية مستطيلة ذات أكتاف طويلة، قد تصل إلى أكثر من نصف طول العنقود، ويمكن صناعة الزبيب الجيد من ثماره.

∇ العنب الفحيصي “المطرطش”

صنف متأخر النضج، وقوي النمو. عالي الإنتاج لكنه متوسط الانتشار. عناقيده كبيرة مخروطية مستطيلة مجنّحة، الثمار دائرية كبيرة وردية يتخللها بقع بنفسجية وبقع خضراء مصفرة، حجم اللب كبير، قليل العصير، ونسبة السكر فيه متوسطة.

♣ العنب الحلواني

ينضج العنب الحلواني في مرحلة متأخّرة من موسم العنب، قوي النمو، غزير الإنتاج، إلّا أنّ قطوفه تتواجد بأعداد كبيرة جداً على الشجرة الواحدة، ويتميّز بلونه الأحمر المخلوط بالخضار في بعض الحبوب. بالإضافة إلى سماكة حبّاته وصلابتها، فقشرتها رقيقة إلى متوسطة السمك، واللب لحمي متماسك والبذور صغيرة. عناقيده كبيرة مخروطية الشكل إلى مستطيلة ذات أكتاف، ممّا يتيح تخزينه ونقله دون تعرضه للتلف.

♣ العنب البيتوني

ينضج العنب البيتوني بشكل متوسط، إلّا أنّ بعض المزارعين يقومون بتأخير نضجه للحصول عل مواصفات أجود للعنب. ويمتاز هذا النوع من العنب بلونه الداكن القريب للسواد، يشبه البلوطي في مواصفاته، إلا أن عناقيده أكبر حجماً وذات شكل مخروطي.

الثمار سوداء وحلوة، بها عدد من البذور الكروية إلى متطاولة الشكل. على الرغم من كثرة البذور بداخل كل حبة، إلّا أنّه يكثر الإقبال على استهلاكه بسبب طعمه شديد الحلاوة. الأوراق ناعمة، وهو عنب حساس للأمراض الفطرية التي تصيب البنات وخصوصاً مرض البياض الدقيقي.

♣ العنب الشامي

يمتاز العنب الشامي بحبّاته الدائرية ذات قشرة سميكة، تتشقق بسهولة عند نضجها، بالإضافة إلى قطوفه الكبيرة الحجم الملية بحبات العنب، لذا يعتبر من أكثر أصناف العنب زراعةً والأكثر طلباً في الأسواق العالمية.

♣ العنب الدراويشي “الشيوخي”

مبكر النضج، متوسط الانتشار، قصباته لونها مائل للحمرة، أوراقه خضراء يشوبها لون محمر، عناقيده كبيرة متزاحمة الثمار، قشرة الثمرة سميكة مغطاة بطبقة شمعية تعطيها بعض اللمعان. الثمار مستطيلة ونسبة اللب بها عالية، وهذا الصنف حساس للأمراض الفطرية والحشرية خصوصاً عثة هريان العنب.

منتجات العنب

اهتم الفلسطينيون بزراعة العنب وتصنيع منتجاته، وتفنن البيت الفلسطيني بإنتاج العديد من مواده الغذائية، وأهمّها: الدبس، والعنطبيخ، والزبيب، والملبن. وكلّها منتجات ما زالت – إلى جانب الزيتون وزيته- تتربع على مائدة الإفطار الفلسطينية حتى يومنا هذا.

يساهم العنب بحوالي 12% من مجمل الإنتاج الزراعي، ويحتل المرتبة الثانية بعد الزيتون من حيث كمية الإنتاج.

أولاً: الزّبيب

ارتبط إنتاج الزبيب فلسطينيًا بتقويم الفلاحين من خلال “شتوة المساطيح” الخفيفة؛ حينما تأتي أمطار خفيفة في أواخر شهر أيلول، معلنةً انتهاء فترة تجفيف العنب والتين، وبدء موسم قطف الزيتون. 

وكان الفلاحون يقومون بتغطية “المساطيح”، وهي الأماكن التي كان يتم فيها تجفيف التين والعنب، ويحافظون فيها على نظافة الزبيب والقُطّين من أجل استخدامه لاحقًا. وتذكّرهم “الشتوة” بضرورة تجميع ما جففوه، لتخزينه في الخابية (وهي خزانات صغيرة مصنوعة من الطين تستخدم للتخزين).

كان الزبيب خزين الصيف للشتاء، يحفظه الفلاحون للحصول على قسط من الدفء والطاقة في الليالي الباردة، وأثناء السهر حول مواقد النار.

ويعتبر العنب الشامي والمراوي والزيني البلدي والدابوقي من أفضل أنواع العنب لصناعة الزبيب، لطول حبّته ولونه الأشقر الجميل. في حين، يجب تجنّب العنب المجدلي والحلواني. ومن الضروري استخدام العنب الحلو الذي تبلغ نسبة السكر به 17% فأكثر، حتى لا يعطب أثناء التجفيف، كما ينصح باختيار قطف العنب متوسط الحجم حتى يجف بسرعة.

طريقة تحضير الزبيب

• اختيار الثمار الناضجة، والسليمة، واستبعاد التالف منها.

• غسل العناقيد بالماء لإزالة الأتربة وآثار المبيدات.

• غمس العناقيد في محلول الزيت القلوي، وفق المعادلة التالية:

(5 لتر ماء + 25 غم بايكربونات الصوديوم + كأس زيت زيتون)

• نشر العناقيد فوق صواني للتجفيف، وتعريضها للشمس المباشرة.

• تقليب العناقيد بين فترة وأخرى، مع الحرص ليلاً على إدخالها للغرفة أو تغطيتها بقماش لاستبعاد الرطوبة.

• بعد الوصول إلى التجفيف المناسب، تجمع العناقيد المجففة في منطقة ظل؛ للحصول على زبيب متجانس الرطوبة والحلاوة، ويتم فرطها عن العناقيد.

تعتمد مدة التجفيف  على حجم العنب، ودرجة حرارة الشمس، ومدى توفّر تيارات هوائية تساعد على التجفيف.

• يمكن فرك الزبيب بزيت البرافين لإعطاء اللمعان.

• وأخيراً، تعبئته في عبوات مناسبة.

ثانياً: الدبس

يعتبر الدبس من منتجات العنب الأكثر انتشاراً واستهلاكاً في فلسطين عامة، خاصة في مدينة الخليل؛ حيث يزداد استهلاكه خلال فصل الشتاء، ويقدمه الناس كهدايا للأقارب والأصدقاء.

لتحضير دبس العنب؛ يحتاج كل 10 كغم من العنب، 1 كغم من تربة الحوّر؛ وهي المادة المساعدة في تنقيته وتصفيته وإزالة حموضته.

طريقة تحضير الدبس

♦ تغسل العناقيد جيداً، ثم تفرط، وتنقى الحبات الناضجة والسليمة.

♦ تهرس الثمار وتعصر، ثم تضاف تربة الحور؛ من أجل تنقية العصير وإزالة الحموضة منه.

♦ يغلى العصير خمس دقائق من أجل تثبيط الأنزيمات وقتل البكتيريا التي تساعد في عملية التخمر.

♦ تزال الشوائب التي تظهر على السطح، ويترك لمدة يوم ليترسب الحور والشوائب.

♦ يتم وضع العصير في أواني عالية الارتفاع نسبيا حتى يتم أخذ السائل النقي.

♦ يوضع العصير الصافي على النار، يحرّك بشكل مستمر، وتزال الرغوة عن سطحه.

♦ أثناء الغلي، يضاف عصير ليمون أو ملح الليمون بكميات قليلة؛ وذلك لمنع سكر الدبس من التبلور.

♦ نواصل غليه حتى يحدث تغيّر اللون (الكرملة)، وليصل إلى لزوجة معينة.

يمكن استخدام جهاز قياس التركيز (الفلاكتوميتر) لمعرفة نسبة صلابة السائل، وويفضل أن يكون التركيز حوالي 70 بركس.

♦ يتم اختبار نضج الدبس، وذلك بوضع قليل من الدبس في وعاء، ويخلط في وسطها بالإصبع، فإذا عاد الدبس بسرعة مكان الإصبع، يعني أنه يحتاج إلى مزيد من الغلي. أما إذا عاد ببطء دل على نضج الدبس.

♦ نتركه جانباً حتى يبرد، ثم يعبأ في عبوات نظيفة.

ثالثاً: الخبيصة والملبن

المقادير:  2 كوب كبير ماء، حبة البركة، قريش أو صنوبر، يانسون، 4 لتر عصير عنب + كيلو سميد.

• نضع العنب في كيس من القماش ونضع معه قليلاً من التراب الأبيض “حوّر” ليسحب حموضة العنب، ثم يعصر جيداً ويصفى.

• بعدئذ نضع عصير العنب في قدر كبير ونغليه على النار لمدة 10 دقائق، ثم نصفي عصير العنب في وعاء ثان، للتخلص من بقايا التراب الراسب في كعب القدر.

• نضع عصير العنب المصفى في القدر على النار.

• يذاب السميد في وعاء آخر، إما بالماء أو عصير العنب السائل.

• عند غليان العصير يضاف السميد تدريجياً مع التحريك المستمر.

• تضاف حبة البركة أو القريش أو الصنوبر مع القليل من اليانسون.

حتى هذه المرحلة يسمى الناتج “خبيصة”، حيث تسكب في صحون وتزين بالجوز والمكسرات حسب الرغبة، وتقدم ساخنة أو باردة.

نكمل لتحضير الملبن

• يمد محلول الملبن وهو ساخن على شراشف أو أكياس من النايلون، خاصة للملبن بشكل رقيق وبسمك 2-5 ملمتر، ونتركه حتى اليوم الثاني في أشعة الشمس.

• عند الحصول على طبقة صلبة، نقوم بنشره وتعليقه للتجفيف، وتستمر مدة التجفيف من 7 إلى 21 يوما حسب ظروف المناخ.

• بعد ذلك، يقص الملبن إلى قطع مربعة بقياس حوالي 20×20 سم، ويطوى ويوضع في أكياس نايلون، ويصبح جاهزاً لحين الاستعمال.

رابعاً: العنبيّة أو مربى العنب (العنطبيخ)

♦ يفرز العنب من التالف أو المصاب بالحشرات.

♦ يتم فرط العنب من العناقيد وغسلها جيدا.

♦ يوضع العنب في حلة مناسبة، ويضغط على الحبات حتى تتشقق.

♦ يوضع على النار حتى الغليان، مع ملاحظة طفو بذور العنب على سطح الحلة، ويمكن إزالتها.

♦ يضاف عصير ليمون أو ملح الليمون مع التحريك المستمر وصولاً لمرحلة النضج.

♦ يعبأ ساخناً لأول عنق الزجاجة، أو الوعاء.

♦ يقفل بشكل محكم وهو ساخن بغطاء معدني، ثم يتم تخزينه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق