عاممجتمعمنوعات

رائحة اللوز”2″

حلّ مساء الدفء في الخان الأحمر، حور تتحسس بطنها المتكوّرة مؤكدة اتحادها مع ما ينبض في رحمها، كما تتحد أزهار شجرة اللوز لتنشد سيمفونية جمالها الأبيض. لكنَّ أستار اللّيل لم تسكن حتّى اضطربت؛ وجالت قوّات الاحتلال في الخان، وبدأت بقطع الأشجار وإثارة الفوضى فيه، وتفريق الأغنام، وقلب السكون ضجيجًا وشجونًا، وفي هذه المرة سيقتلعون قلب حور قبل أن يقتلعوا جذورها من ذرات المسك، كانت معالم المشهد ترتسم أمام حور كالسكينِ المشحوذِ.

وفي لحظة، اهتزَّت شجرة اللَّوز، فارتدت حور مِعطفها وركضت نحو شجرة اللّوز محاولةً منعهم من اقتلاعها، فارتطمت بقوة ببطنها، فطُرحت أرضاً تصرخ من الألم، لكن هيهات أن يرحم جبروتُهم صراخها، وأن يرعى ذلك المغتصب الجبّار ضعفها وألمها،  ليكتمل المشهدُ المؤلم أمامها، ويسحقَ قلبها ببطء، حتى اقتلعت الشجرة،  وكم من شجرة لوز وئدت، بأي ذنب قد تكون قتلت؟؟

ليلةٌ غار فيها القمر، ومضى ليل حور في البكاء، ولثم زهر اللّوز وضمِّه وشمّه، ونسيم يرقبها ويتألم لحالها، ونساء القرية حولها، وهي تتألّم وتتألّم، فكان لا بدّ من المشفى.

وهناك على حدود الخان حيث تمترس الجنود، ومنعوا كلّ أهالي القرية من الخروج أو الدخول، حتّى وصل نسيم وبعض أهل القرية ليخرجوا ويسعفوا حور التي بدأت تنزف وتتلوّى من الألم. وهو يحاول أن يخرج حور ويسعفها لكنهم كانوا يرفضون ويمنعون أيّ أحدٍ من الخروج لأي ظرف. عدوّ كاره، و قلب حاقد، يرى امرأة حامل تنزف أمامه ولا يهتز له جفن.

غارَ نورُ الأمل

بعد جهد حثيث، وبعد ساعات من الوقوف على حدود القرية، جاءت سيارة الإسعاف لتنقلهم للمشفى والقلوب تضطرب، والأيادي ترتجف، والنبض يتراقص على ألحان المجهول.

وفي المشفى، دخلت حور قسم الطوارئ، وحُقنت بحقنة مسكّنة، وبعد وقف النّزيف وفحص نبض الجنين، وجدوا أنه لا حَراك ولا نبض. خطّ مستقيم لا حَراك فيه، اخترق نياط قلبها، وكانت لحظات أعمق من أن توصف بقلم، حدق نسيم مليًا بالجهاز، كان يتمنى أن يضم طفلته قبل أن يرى ذلك الخط، غارت مقلتاه بالدموع، وسال الدمع على جفون القلب، حتى نجوم الخان نبضت ألمًا. لكأنّ نور الأمل خطف منها، قبل أن يصلها ويشيح عنها ظلامُ اللّيالي العجاف.

لم تُتِمَّ طفلتها أربعة أشهرٍ في مستقر رحمها، حلقت نحو السّماء، وضمّتها حور للمرة الأولى والأخيرة لكن بقلبها، والكل ودَّعها واستودعها عروسة أريقت في حمى الوطن، وأسوارُها شامخة، وخرير العزّة يتفجّر من دمها.

واختار نسيم دفنها في المقبرة الغربيِّة، لكنّ حور قالت بصوت مرتجف: بل في البقعة التي اقتلعت شجرة اللّوز فيها، لقد زرَعَتها أمي قبل وفاتها، وسأسمي طفلتي يافا، وكأن وقع الكلمات أعاد نزف ذكرى كلمات أمّها “ديروا بالكم عليها” يتساقط في سمعها، وفي كل مساء، كانت تسيل المُقل جفنًا ودمعًا، ورمشًا كلُّه يصطلي بمرجلِ الانفصال. في فلسطين حتى الأرحام تقاوِم، ولعلّ هذه أنعم صور الموت فيها.

قُرعت نعال الرّحيل، لكنّ حور آثرت البقاء عند يافا، تدثِّرها بالُّدعاء وتضمّها بعاطفة الأم التّي لا تنقضي ولسان حالها: ” إنَّ القلب ليحزن، وإنَّ العين لتدمع، وإنّا لفراقك يا يافا لمحزونون”، ونظرها يجوب في شجرة اللّوز ولا يعبرها.

لا يوجد مع عجلة الأيّام المتسارعة سوى الصَّبر، وارتجاء الفرح بما هو آت، تدور عجلة الحياة رغم كل خطبٍ مؤلم، ويبقى ألم الفقد علقمًا في عُرف القلوب، شوكًا في تُرب الصُّدور، وما أكثر ليالي الفقد في فلسطين، والسّلبَ المقيت الّذي لا يتلعثم التّاريخ في ذكره رغم تشابهات الألم، وديدنُ الأيام لم ينفكّ عن تلك الحال في كل مساء. لكأنَّ القرب بلغ مبلغ الشّغاف، وكأن تلك اللّيلة تحفر عمق الألم في قلبها أكثر وأكثر.

رائحة اللوز

كانت حور تخفف عن أمِّها أعباء البيت طوال تلك الفترة، وفي المساء، تزور صديقتها عائشة، وتنظم الشِّعر، وينشدانه في دهاليز الخان، وتشاطرها ألم الفقد ومشهد الفرح الذي سرعان ما تبعثر، نعم؛ ففي الحياة لا نملك إلّا أن نتقاسم الدفء ونهوِّن على بعضنا خطوب الحياة.

– جوان: لأسرد عليكِ قصيدتي بعنوان: “أهي العروق أم المآذن”، وهذه المَّرة عن الأقصى، احم احم…

– عائشة: أوووه، اسم قصيدتك احم احم ههههه… فلنستمع لجوان

– جوان: سألقي عليك ولتضربي بسياط رأيك الذّي قلّما يرحمني ههههه…

عاد الحنين إلى المآذن يرتوي من دمعها….إنَّ المآذن إذا تئنّ فكيف يذهب روعها

الله أكبرُ تستهلُّ برجعها الله أكبرْ….وبلال يسكب دمعها والأرض تنعى تربها

والصّوت يقتل عاشقًا متألمًا متأوهًا…..والحرف أثقله المسيرْ والحرف أثقله الجفى

غارت تراجمه فأضحى أعجميَّ الرّوح مسوّما…..نبض القباب ليرتجي لثم النّجوم مسابقًا متوثِّبا

والآي في أفيائها تهفو لصيحة قائد مستلهما

أكملت جوان سرد قصيدتها وانقلبت للبيت. وتدور عجلة الأيام ليزهر العام الواحد والعشرون مع جوان، لكنّ ذكرى يافا تنزف من السّوق والأعناق.

تتهادى خطواتها في طرقات الخان نحو ذكرى الملحمة، لترى ثرى يافا قد أينعت فيه شتلة صغيرة من اللّوز فعادت تُخبر أمها بما رأت؛ فابتسمت حور وضمّتها وقالت: نعم يا حلوتي، فذرات التّراب تأبى إلّا أن تنجب أملًا متجددًا في نفوسنا، نرجو الله َ أن يرزقنا بطفلنا الصّغير عاجلاً غير آجل.

أُضيءَ ليلُ يافا

وفي سكنات اللّيل استلقت حور بجانب نسيم، وغطّت في نومها على بحار الهدوء، التحفت دفء النّجوم، وافترشت الأمل بما هو آت، وما يسوقه الله لها من لطف خفيّ.

فجأة، تخرج أزهارٌ بيضاءُ ناصعة، وتمتدُّ وتصل نافذة غرفة حور ونسيم، وتستقرّ في حِجر حور، تجمعها بمعطفها الورديّ وتشمّها وتضمّها، ريحها كريح المسك، وتنظر إلى نسيم تهديه إياها، فيضحك ويستبشر، ثمّ يسمعا صوت المطر القويّ خارجًا فيهرولا وإذا بشلالات قويةٍ تسبح أمامهما، ويطفو عليها ثوب طفل صغير، ولعبة أطفال صغيرة، سمعت صوتاَ قويًّا من بعيد ينادي بشدّة وبرجف وبصوت مختنق :” أنا هنا … انتظري قليلاَ”.

استيقظت حور على وقع الصّوت تلهث من روعها حتّى أيقظت نسيم فهدّأها قائلاَ: لا عليك حبيبتي مجرد حلم، لا تقلقي. خذي اشربي الماء. لكنّ حور استبشرت بما رأت في منامها، فلعلّ الفرج قريب، ويصدح نداء الحلم “ماما” حقيقةَ في حضن حور كغيث يسقي ذراعيها بعد إقفار وطول جفاء.

تُحاك أقدار الله بلطف، وما زالت عجلة الأيام تدور، وشتلة اللّوز تكبر، وتتفتّح أزهار اللّوز من على جفون يافا، وينساب الأمل في عروق الذّكرى وشقوق الألم. استيقظت حور ذات ليلة في عزف المطر، وتسللّت من تحت لحافها قُبيل الفجر بساعة. أشعلت شمعة صغيرة، فحينها يَحضر كلّ ذي حاجةٍ حاجته ويطرق باب الرّجاء، فما كان من حور إلا أن بثّت شكواها في السّجود: 

“رباه… إنّ في قلبي فاقة لا يسدّها إلا أن أضم طفلًا بضلوع قلبي، رباه… إنّ رائحة يافا تدُكّ مواجعي، ربّاه… هب لي من لدنك ذرية طيبة”.

تركض عقارب الساعة لتستيقظ حور على وجع شديد، فلم تدرِ ما تفعل، واستعانت بقليل من المسكنات، لتهدأ وظنّت أنّه من البرد أو شدّة التعب، لكنّها ظلّت تُحِس بالإرهاق والتّعب، فكان لا بدّ من الفحص الطّبيّ.

لتكون هذه أجمل زيارة للطبيبة: ” مبارك البيبي”… هكذا بدون مقدّمات ولا استباقات ولا تخطيط ولا علاج. اخترق الصّوت ثلاثة قلوب كانت تنبض باشتياق، لم تصدِّق حور ما سمعت، وكأنّ خيوط الشّمس ضلَّت طريق النّور لتجد ضالّتها في مقلتيها. لقد كان وقع الحروف أشدَّ من أن يُسمع؛ هو فقط يتفجّر في القلب!

تهدأ الحرب الدّاخلية، وتبقى خيوط السعد تنسج لحاف السّعادة، ويمتد نسيجه في رحم الأيام ورحم حور، ويتنامى النّبض فيها، ومهد الحبّ يتمخّض في قلبها. إنه الله تعالى جابر كلوم قلبها، وهو الذي كتب لهذه النّطفة أن تتخلّق برعاية منه ولُطف.

يبقى نبض جنينها يتواصل حتّى حان وقت الولادة. وقُبيل ولادتها عادت غصّة الذّكريات في قلبها، وعاد اليهود ليقتحموا الخان الأحمر؛ لأن فيها نبضًا قويًّا يركل بشغف للحياة سيحمل غدا حبّ أرضه.

“رسالةُ القمر”

صورة لجدار مدرسة الخان الأحمر ملتحفاً أعلام الصمود والتحدي

الكتابة هي الشيء الذي نستطيع أن نصف به شعورنا ودموعنا، فبعض الكلمات ما هي إلا دموع، واليوم دموع فرح؛ اليوم أنجبتْ أمي طفلة أسميناها قمر، خلتها كزخات المطر في أول الشتاء بعد أن طال شوقي إلي أختي ها هو صوت بكائها يصدح في البيت.

وأمي نسيت أسطورة الألم التي اكتوت بها بسبب الاحتلال الغاشم، وما زلنا نكتوي، فهذا يقتحم بيته، وهذا يهدد بالهدم وآخر تصادر أغنامه، وآخر يقتلع زرعه، وهذه أم سُحِل حجابها لأنها لم ترض بالظلم.

يأتي متضامنون ويذهب آخرون، والتهديد يدُّك قلوب القرية… لكن لا يسعنا إلا أن نتوكل على خالقنا الذي قال: “ومن يتوكل على الله فهو حسبه “. لا يسعنا إلا أن نستمسك بهذه الأرض لآخر رمق.

ومما يخفِّف وطأة الحياة في الخان هي أقدار الله، كولادة حبيبة قلبي أختي قمر التي أضاءت ليالي يافا رحمها الله. سأري أختي عندما تكبر شجرة اللوز وأزهارها البيضاء، وأريها قبر أختها يافا، وسأخبرها بأنها أبهجت علينا، وتساقطت كقطرات الندى المضيئة وقت السحر، نعم؛ فرغم كل الألم، على مرافئ الألم يتساقط القمر… حبيبتي يا قمر”.

ابنتك جوان كتبت تلك الكلمات وقت ذهابك إلى المشفى مع أبي لولادة قمر، ياااه… كم من نبضٍ سيزرع ألف شجرة لوز وزيتون… لو أسمعَ نبضه!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق