عاممدونات

أيتها النساء: لهذه الأسباب علينا أن نكتب بأيادٍ سخيّة

 

“كانت الغصة ما تزال في حلقه، ولكنه أحس أنه إذا ما أجّل ذلك الذي سيقوله، فلن يكون بوسعه أن يلفظه مرة أخرى”. غسّان كنفاني

تُقدّم لنا نصائح عديدة في مجال الكتابة، قد نأخذ بها وقد لا نأخذ، في الحقيقة، من الجيّد أن نكتب، أن نحاول دوماً تحريك أقلامنا، فهي بالنّهاية تعكسُ أفكارنا، وما نحن إلاّ مجموعة حيّة من الأفكار المتراكمة والخبرات المتجدّدة.

نعم، من الجيّد أن نكتب بين الفينة والأخرى، لكن لا يجب أن نكتب في كلّ شيء هكذا دون فهم أو اختصاص. وأجد كافّة النّصائح التي تقدّم في هذا الشأن صائبة، وأكثرها أهميّة أنّ نكتب في مجال اختصاصنا، لكن لماذا؟

لأنّنا عندما نفعل ذلك نتقن ونجوّد أفكارنا، ونحسّن نطقها وتوثيقها وترتيبها، فتصل بثقة، وتؤدّي غرضها أيضاً بكل وضوح، يتلقّاها القارئ بسلاسة، ويدرك أنّها ليست مجرّد كلمات في الهواء، بل منطقٌ فيه علم وحقيقة ومهنية.

ولا قيود على الكتّاب عندما يُشترَط عليهم الاستناد إلى التخصّص، بل نستطيع أن نكتب في كل شيء عندما نتخصّص في شيء، أي أنّنا نستطيع أن نسترسل في فكرة عميقة من خلال توسيع قراءاتنا حولها وتجميع الكثير ممّا كتب عنها، ثمّ نبني رأياً خاصاً بها، أو مؤيداً لآراء كتبت حولها.

 وإنّنا نحن النّساء، بحاجة إلى توسيع نخبة الكاتبات، إلى تفعيل أقلامنا الأنثوية، فنحن نملك الكثير ممّا لم يكتب أو يتطرق إليه بعد، لدينا تجارب كثيرة لم تنقل لأحد، لم تحكَ على الوضع العام، لم تناقش، لم تسرد.

باختصار علينا أن نعيد كتابة تاريخنا. قصصنا، وخبراتنا، وإنجازاتنا، وإخفاقاتنا؛ للاستثمار في حياتنا وتعلّمنا.

جان سكوت، وهي مؤرخة؛ طالبت باعتماد 3 مناهج واستراتيجيات لإعادة كتابة التاريخ النسوي، بحيث تشمل: سرد حياة النساء العاديات الفردية “Her Story”، والمرور على حياة المرأة ضمن المحيط والبيئة والطبقة الاجتماعية والحدث التاريخي المعروف بـ ” Social History”، وتاريخ النّساء من منظور النوع الاجتماعي، أي في علاقتها مع الرّجل “Gender History.

وكذلك، إنّنا بحاجة ماسّة إلى هذه النّوعيات من الأقلام النسويّة؛ متفرّدة، مختصّة، بأيادٍ سخيّة، تعتبر الكتابة مهمّة من أجل التّغيير. نعم، هؤلاء النّخب من الكاتبات اللاّئي يتبرّعن بالأفكار المهمّة، فكيف لمن تملك العلم والفهم والاختصاص أن تبخل، أو أن تتجنّب نشر علمها، أو أن تخجل أو ألا تثق بنفسها، إنّها إذن تكون كالغصّة.

“أن تمتلك الكلمة الأهم ولا تنطقها، إنّه حينها كالإحساس بالموت، بل أشدّ”. غسّان كنفاني

كما علينا أن نعترف بقدرات بعضنا البعض، ونقدّر ذلك، ونشجّع بعضنا البعض، فكم منّا من لديها معارف وصديقات مميّزات، ولديهنّ إنجازات كتابية؛ مقالات، وقصص، وأدب، تبقى علما غير منشور، لا شك لدينا الكثير، وهذه فرصة لأن نُنادي على تلك الأسماء، ونأخذ بأيدي بعضنا البعض، ليس من أجل الأشخاص بل من أجل الفكرة، وليس من أجل التباهي والتشوّف بل من أجل إبراز السّمات التي تعبنا جميعاً من أجل تحصيلها!

نريد من على هذا المنبر تشجيع كل النّساء على الكتابة والتدرّب عليها بالاستعانة بالاختصاص. علينا أن نقول ما لدينا الآن… فلن تمنحنا الحياة فرصة قولها مرّة أخرى.

ومن المهم أيضاً أن نكتب بعيداً عن الغرور والأنانيّة، لقد سمعتُ أحدهم يقول مرّة: “قبل بلوغ أشدّ العمر، كنّا نكتب للمتعة!”.  كنّا نكتب في أيّ أمرٍ يدفعنا الغرور أن نفعله، كطفل تعلّم قول حرفين، يبتسم بعد محاولات تعلّم الاستنطاق، ثمّ إن كبر قليلاً، تسمعه يغرّد في البيت ويبتسم كلّما صفّقت له امّه! غير أن أقلامنا لا تعود أقلامنا حين نكبر، حين نكفّ عن التشوّف والتكبّر.

بمعنى آخر حين نصغر! أمام أنفسنا، بمعنى آخر حين تكبر أمامنا الحقيقة بين الحروف التائهة، أبحث دوماً عن كاتب لا يصرخ ولا ينافس ولا يكرّر! أبحث عن تلك الكلمات البِكر، المعفّرة بغبار الحياة. للكلمات سؤدد ومجد، كالأولياء الصالحين، ومداد البعض باق. والأشدّ تجذراً حرف متعب لم يعد يطيق المكوث تحت أديم مغلق. قد يبعث الله يوماً ما من يشقّ عنه التراب ليزهر.

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق