حواراتعام

ماورائيات: إسراء الشيخ في حوار مفتوح

التقيتها في يوم من أيام صيف اسطنبول الحار، بشوشة بطبعها، ابتسامتها واثقة، وعيناها جريأتان تشبهانها. أزالت مكبرات الصوت التي عَلُقت بملابسها، صافحتني بوِد، وخرجنا معا بعد ما انتهت من تقديم برنامجها التلفزيوني.

كيف لي أن أخرج ما لا تقوله مكبرات الصوت؛ فكرتُ أنا، ليقاطعني صوتها: هل نأكل قبل أن نبدأ حوارنا؟ كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة بقليل، بسرور قلت بكل تأكيد، لقد منحني القدر وقتاً إضافياً للتفكير. كنتُ قد أعددت قائمة من الأسئلة المسبقة، حاولتُ محاكاة بعض البرامج الحوارية التي تُجرى مع المشاهير، مقاطع لمنى الشاذلي كنت أسترقها أحياناً، يحاول المحاورون دائما الوصول لجديد ما، تتعدد المآرب، وأنا مآربي واضحة.

تجاذبنا أطراف الحديث، يضج المكان حولنا بأناس من بيئات وجنسيات متعددة، هذا أمر يعتاد عليه الجميع في اسطنبول، شدنا الحنين إلى فلسطين، أنا وهي فلسطينيتان، ولكن فلسطينيتنا مختلفة، هي من فلسطيني الخارج وأنا من فلسطيني الداخل -كما يقولون-، وبجواري صديقتي هدى من فلسطيني غزة. في حديث الجينات والبيئات هناك فلسفة مختلفة لمفهوم الهُوية كما تقول إسراء.

مهما يكن الاختلاف الذي أحدثه احتلال فلسطين في التعبير عن هوياتنا كفلسطينين، غير أنه لم يستطع أن يغيّر اتفاقنا على أمرين الأول حب الأرض والاعتزاز بالفلسطنة، أما الثاني فهو  إصرار كل منّا على دفع الحساب، فكرت أنا!

أخيراً، سنبدأ الحوار، قررتُ أن أعتمد أسلوب الأسئلة المفتوحة، وأحاول الوصول من الإجابات إلى أسئلة أكثر عمقاً. هل هناك محرمات لا يجوز السؤال عنها؟ سألتُ أنا. خالجت كلماتها ضحكاتها، وقالت: “اسألي ايش بدك”.

عليّ أن أعود إلى نفسي، وأن أتوقف عن كل محاولات النظر في الماورائيات. بطبعي أحب البساطة وأحاول الابتعاد عن التكلّف، من الجيد أن نعود لبساطة الأمور، والبساطة تقتضي أن تحاول النظر للأشياء كما هي عليه، وأن تعود الأمور لأصلها ولنصابها. إسراء حدثيني عن إسراء الإنسان، سألتُ أنا.

مرايا خفيّة

قلة هم من يحاولون اقتناء مرايا خفيّة تعكس ما يجول في الداخل، مرايا قادرة على تغيير اتجاهها كلما اقتضت الحاجة، كيف يمكن للإنسان منّا أن يرى ذاته؟ يحلو لي أن أسميّ علي شريعتي موقظ وعيي الذاتي، فمن كتب هذا المفكر الإيراني تعلّمتُ كيف أصنع مرآتي الخفية، يرتبط الوعي عندي بالوعاء إذ يشكل إطاراً خارجياً جامعاً يساعد في إبصار ما بداخله بشكل جيد.

لستُ كما يراني الناس، لديّ شخصية أخرى أعيشها على صعيدي الشخصي.

في تعريفها لإنسانها تقول مرآة إسراء الخفية: “أنا إنسانة أظهر للناس بشخصية جدية صلبة، ولكن تحت هذه الهالة الخارجية فأنا إنسانة مفعمة بالحياة، أهتم بذاتي أنتقي ملابسي بعناية، أنقش من روحي في زوايا بيتي، أمارس هواياتي بحب؛ أقرأ وأمارس الرياضة وأركب الخيل؛ لديّ حياة أخرى لا يعلمها كثير من الناس، أعيشها بحب في نطاقي الخاص”.

تعيدنا إسراء إلى أصل الحكاية، قبل ما يقارب الثلاثين عاما، إذ ولدت لأسرة فلسطينية يعود أصلها لقرية يعبد المعروفة فلسطينيا بيعبد القسّام، تنقلت العائلة للعيش بين الأردن والكويت ودول خليجية أخرى. كانت طفلة في منزل يهتم بالتربية الثقافية، عرفت إسراء المسرح مذ كانت في الخامسة؛ فحضرت في النشيد والتمثيل وإلقاء القصائد.

“مشواري في الحياة لم يبدأ بالطبع وقت دخولي للإعلام، أو مذ أن أصبحت فاعلة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل بدأ قبل ذلك بكثير عندما وعيتُ بأنّ هناك “أُمة” وعليّ أن أكون جزءا فاعلا فيها ووقوداً لتحقيق رسالتها”.

حظيت إسراء بوعي مبكر، وانتفاح على عوالم لا يعتادها الصغار، والد إسراء من أهل الفكر والسياسية، جلست في مجالسه مع أصدقائه ونهلت من معين كتبه، أرشدها للاستماع للكثير من الكتب والدروس، وساعدها في توجيه بوصلتها نحو الأمة وقلبها النابض فلسطين وقضيتها.

ولكن الدور الأكبر كان لخصوصية مرت بها إسراء، ظروف صحية صعبة، إذ لازمت إسراء مشكلة صحية منذ ولادتها جعلتها تخضع لتسع عمليات تقريبا، تقول: “أكسبتي هذه التجربة صلابة في الشخصية وجرأة في المواجهة، وأصبحتُ أحب دخول المستشفيات لأتأمل الأطباء وأتعلم لغتهم ومصطلحاتهم، ولتبزغ أول أحلامي بأن أكون طبيبة”.

خطان متوازيان

أتشابه وإسراء في بعض مسارات حياتنا، حرصتُ أن أوجه لها سؤالا يلازمني في كل مرة أضطر فيها التعريف بنفسي، فكلانا ينتمي للحقل الطبي، أنا صيدلانية وهي مهندسة جينات، امتهنت هي مهنة الإعلام، واخترت لنفسي السياق البحثي في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فبين الامتهان والتخصص، هل يمكن لأحدنا أن يجمع بين اختصاصين؟ تسهب إسراء في الإجابة على هذا السؤال:

” نشأ حلم الطفولة في أن أكون طبيبة بسبب الظروف الصحية التي مررت بها، وليس بدافع من الأهل أو المجتمع. هذا الشغف الطفولي كان يدفعني لقراءة الكتب الطبية وتعلّم المصطلحات، أتقنت الإنجليزية تحضيرا لليوم الأول الذي سأدخل فيه كلية الطب، ولكن المستقبل لم يكن كما خطِط له أن يكون.

لم يتحقق حلمي لأن أصبح طبيبة، ولكن تحقق بأن أكون باحثة في العلوم الطبية، وعضوا فاعلا في أمتي.

” أنهيت الثانوية بمعدل لم يؤهلني لدراسة الطب، فكانت ضربة قاسية أدخلتني بمرحلة صعبة في حياتي، للمرة الأولى أتخيل نفسي بأنني لست طبيبة. فيما بعد حاولت أن أسأل نفسي ماذا أريد من الطب؟ كنتُ أرى نفسي طبيبة مهتمة في مجال الأبحاث أكثر من اهتمامها بالعلاج السريري التشخيصي، فشرعت أبحث في التخصصات فوجدت أن هندسة الجينات تحقق لي هذا المراد، فهو يؤهل للاختصاص في مجال الأبحاث الطبية المخبرية”.

في حياتها الجامعية؛ لم تنس إسراء همها الأول وقضاياها التي تربت عليها، وبدأت بتوضيح معالم الخطين المتوازيين اللذين رأت حياتها بينهما، فبين اختصاصها الجامعي وبين حبها لأمتها وسعيها لنهضتها، عملت إسراء بجد، لتبدأ مرحلة قطف الثمار مبكراً.

في سنتها الدراسية الثانية، عملت إسراء كمساعد بحث لطلاب الماجستير، وكانت ناشطة في العمل النقابي والكتل الطلابية، وكانت مرشحة للكتلة الإسلامية في إحدى دوراتها الانتخابية. أما بعد التخرج فقد انتقلت للعمل مع أستاذها في مركز الأميرة هيا للتقنيات الحيوية والهندسة الوراثية في مستشفى الملك عبدالله بالأردن، وساهمت مع عدد من الشباب في تأسيس صالون عكاظ للأدباء الشباب، وساهمت في دمج الفئة الشبابية في رابطة الكتّاب الأردنيين بعد أن كانت في عزلة شبه تامة عنهم.

إسراء.. وجه الشاشة

حرية الرأي والتعبير كانت طريق إسراء إلى الإعلام، فبحضور الفكرة وتوقد العزيمة والكريزما وطلاقة اللسان كانت البداية، أما الاحتراف؛ فكانت له أسباب أخرى.

” بدأت القصة في إحدى المسابقات، إذ طرحت مؤسسة للمناظرات مسابقة عبر منصات التواصل الاجتماعي حول حرية الرأي والتعبير في العالم العربي، شاركت مشاركة بسيطة، ليقوموا بالاتصال بي بعدها: “إسراء احنا بدنا إياكِ ضمن الشباب اللي بدهم يشاركوا في المسابقة على مستوى الوطن العربي، وبدنا إياكِ تقدمي فيديو مدته 99 ثانية تقنعي فيه الجمهور عن رأيك في وضع حرية الرأي والتعبير في العالم العربي”.

حرية الرأي والتعبير كانت طريق إسراء إلى الإعلام، فبحضور الفكرة وتوقد العزيمة والكريزما وطلاقة اللسان كانت البداية

عُرفت إسراء بعد مشاركتها في هذه المسابقة، ليتم اختيارها للمشاركة في إعداد محتوى خاص لبرنامج يخدم القضية الفلسطينية، واستطاعت إسراء خلال مدة قصيرة لا تتجاوز الست شهور اتقان مفاصل العمل الإعلامي من خلال مراقبتها لكل مايحدث وراء الكواليس من إعداد ومونتاج فني، لتنتقل بعدها للعمل في    إحدى القنوات الفضائية التي تبث من العاصمة الأردنية عمّان، إذ تم اختيارها لتكون معدة ومقدمة في برنامج (ألف باء حياة) مع د. عبد الرحمن الهاشمي، وهو برنامج نفسي اجتماعي يطرح العديد من القضايا الحساسة والملاصقة للمجتمع.

” (ماوراء المنظور) هو البرنامج الذي أعتبره انطلاقتي الحقيقية في عالم التقديم التلفزيوني، اسم هذا البرنامج وفكرته كان من اختياري، وكان يركز على طرح قضايا جدلية في عالمنا العربي والبحث في ماورائها، ما وراء المشهد وعيون الناس، برنامج تحليلي، ولهذا فهو يخدم شغفي في البحث والتدقيق وراء الكثير من التفاصيل”.

قدمت إسراء بعده برنامج (سهرة على فكرة) في ذات القناة -قناة بغداد- وكان البرنامج من فكرتها أيضاً، ومن ثم برنامج “ونفس”، الذي كان برنامجا رمضانيا، وهو البرنامج الذي جمعها ثانية مع د. عبد الرحمن الهاشمي، لتنهي عملها مع قناة بغداد بحصيلة أربعة برامج تلفزيونية.

انتقلت إسراء بعدها للعمل مع قناة دار الإيمان، وحمل هذا الانتقال تجديداً في الموضوعات التي تطرحها إسراء على الشاشة إذ بدأت بتقديم البرامج الصباحية، وفي هذا تقول إسراء: “انطلقنا في البرنامج من الأردن ومن ثم القناة نفسها انتقلت للبث من اسطنبول، فاضطررت للانتقال معها، عملت مع هذه القناة لمدة سنتين شاركت خلالهما في عدة تغطيات وتقارير لعدة مؤتمرات، وبدأت أنخرط أكثر في العمل الإعلامي الميداني”.

“بدأت بعدها في العمل على برنامجي المفضل (رحلة فكر)، الذي يهدف للترحال في الزمان والمكان والإنسان، أردت من هذا البرنامج أن نتعلم كيف نستقي ثقافتنا عبر التأمل فيما حولنا، لأنتقل أخيرا للعمل مع قناة الحوار الثقافية التي أعمل فيها حتى هذه اللحظة”.

في الجمع بين اختصاصين

أتفق وإسراء في رفضنا لمبدأ تعميم التجارب، فالتعميم في الغالب مجحف مختزل للخصوصية. أصغيت لها بتأن وحاولت أن أفهم مكنونات نفسها، تكلمت إسراء حتى رأيتها كما قال سقراط، تدرك إسراء إمكاناتها وقدراتها، عراها واثقة بأهدافها، ويبدو أنها أعطيت مساحة حرية جيدة منذ الصغر، ولم يعرف الخوف طريقه إليها، ولهذا تبدو صلبة كما تقول هي، وتبدو عريضة الخُطا كما أقول أنا، عنقاء كما يقول صاحبنا الثالث.

” تجربتي ما بحب أفرضها على شخص آخر وما بقول إنها التجربة النموذجية، في نهاية الأمر لكل إنسان بصمته الخاصة، لغته الخاصة، طريقة تفكيره الخاصة، وأسلوب ونمط حياته الخاص، بعض الناس يرفض مواجهة الصعاب، من ناحية أخرى البعض لا يمتلك القدرات اللي تؤهله أن يعمل في اختصاصين. فالفكرة في الموضوع إنك تكون راصد جيد لقدراتك وإبداعاتك، وما تجامل نفسك”.

ترى إسراء في الإعلام والطب والهندسة الجيينات والسياسة وسائل تقودها إلى هدف واحد، ولهذا فليس هناك نقلة نوعية كما يظن البعض، “فطالما أنا مدركة إنه كل هذه الأمور هي وسائل بتحقق الأهداف، فبالتالي أنا وين ما اشتغلت ووين ما كان موقعي في الحياة فأنا رح أقدر أوصل للهدف اللي بدي إياه، وأنا بحكي دائما إذا شعرت بيوم ما إني استنفدت كل طاقتي في الإعلام فرح تشوفوني في مكان آخر وعمل آخر”.

 #مشاهد وأفكار

هذا الوسم يعرفه كل من يتابع ما كتبه وتدونه إسراء على صفحاتها الخاصة في السوشيال ميديا، إذ تطرح فيه خلاصات رؤاها وأفكارها، تأملاتها ووقفاتها مع الزمان والمكان. تتميّز إسراء بحبها للتاريخ، والتاريخ في عُرفها لا يتقاطع أبداً مع معانيه الشائعة في عالمنا العربي، والتي غرستها في أذهاننا المناهج التعليمية.

تنطلق إسراء من المكان لتقرأ التاريخ، أي الأحداث كما تناقلتها كتب التاريخ، ثم تنتقل من هذه الأحداث لترى ما يقف وراءها من أفكار وألغاز، تتنقل بين سؤالين لماذا وكيف حتى تصل لما يطمئن به عقلها. لقد اكتسبت إسراء كل هذا من مناهج البحث العلمي الذي تزودت بها في رحلتها الأكاديمية، ووظفت المنطق في فهم فلسفة التاريخ والاجتماع، ومن ثم وظفت ما تعلمته في تجربتها الإعلامية وفي الدورات التي أخذتها لتقديم كل هذا المحتوى في أفضل صورة ممكنة.

الكتابة ليست عمل تلقائي بل هي مسؤولية تتطلب الكثير من الجهد والبحث

الكتابة في عُرف إسراء ليست عملاً تلقائياً أبدا، فالكتابة عمل مسؤول يتطلب جهداً وبحثاً مضنيين، تقول: “ربما أنشر مدونة قصيرة على صفحتي مثلاً، تكون كتابتها قد استغرقت بحث شهر كامل أحياناً،  هنا أود أن أذكر سفري إلى قونيا وتونس، وما كتبته بعدها عن رمزية الشمس التي احتاجت ثلاثة أشهر من البحث”.

ترى إسراء “السوشال ميديا” أمراً واقعاً، اقتحمت حياتنا وشغلت أوقاتنا، ولا يمكن أن ننكر أبدا أن لها أثراً بارزاً في قيام الثورات مثلا. ولكنها وفي ذات الوقت تؤكد على أن المحتوى هو الأصل، فإذا كان لديك محتوى هادف؛ فعليك أن تأخذ مكانك في السوشيال ميديا دون تردد، فعالمنا العربي يشكو من كثرة المواقع ذات المحتوى الفارغ”.

“أنتقي تجاربي بعناية”

لا يمكنني الاسترسال في السؤال عن تفاصيل التجارب؛ فكرتُ أنا، وكان لازماً عليّ أن أنتقل لبعض الجوانب الحياتية الأخرى، لا تقتصر التجارب في حياتنا على العملية أو الأكاديمية، بعض التجارب عاطفية وبعضها الآخر اجتماعي بحت، بمناورة بسيطة حاولتُ أن أخرج من هذه الدائرة، لنخرج من التفاصيل إلى العموميات، ولنحاول استقراء إسراء من مجموع تجاربها. إسراء ماذا تعني لك التجارب بشكل عام، وكيف تتعاملين معها، سألتُ أنا؟

“في بداية حياتي- أي في عشرينياتي- كنت أعشق المغامرة، لا أتردد في خوض أي تجربة، الآن وقد أصبحت واحداً وثلاثين عاما اختلفت نظرتي للأمور قليلا، سابقا كنتُ مغامرة وأقدس التجربة، كنتُ أعتقد أن الإنسان لا يتعلم إلا إذا خاض تجارب كثيرة في حياته، خضت تجارب كثيرة وتعرفت على شباب وأناس كثر من أديان وتوجهات متعددة. ولكن فيما بعد علمتني  التجربة أن أكون أكثر حكمة وحذرا إن صح التعبير، الحكمة في اختيار التجارب والحذر من الخوض في أي تجربة متاحة”.

“تعلمت أن التجارب هي جزء من معاركنا في الحياة، قد تفوز فيها وقد تخسر، فيجب أن تكون مستعدا للانتصار بذات قدر استعدادك لتقبل الهزيمة. تعلمت أن أنتقي تجاربي بعناية أكثر، لم أعد مندفعة لكل التجارب، وأعتقد أن هذه حالة طبيعية يصلها الإنسان في مرحلة نضج ما”.

“التجربة مصدر قوي جدا للتعلم، والإنسان الذي يعيش في نطاق جغرافي واحد وحتى في بيئة واحدة سواء بيئة عمل أو بيئة دراسة واحدة ولم يخض تجارب مختلفة في الحياة، هذا الإنسان شئنا أم أبينا ستبقى معرفته في الحياة قاصرة جدا مهما حاول أن يقرأ، التجربة تمنحك معرفة واقعية أكثر”.

“التاريخ يعني لي ذاتي”

التاريخ يعنيلي ذاتي، قالت إسراء، وتابعت :” عندما أفكر في ذاتي فأنا أفكر في المكونات التي شكلت هوية إسراء؟ أعتقد أن لها تركيبا يعود إلى عوامل جينية وبيئية مكتسبة، بالنسبة للعوامل الجينية فهي –بحكم اختصاصي- تحتم عليّ أن أرجع لقراءة التاريخ؛ ففي عرف هندسة الجينات يتشابه DNA الخاص بجماعة إنسانية عامة عاشت في منطقة جغرافية واحدة-بيئة واحدة-، وعندما نجد بعض الاختلافات- الشذوذ- في هذا الــ DNA، فهذا دليل على حدوث تلاقٍ مع جماعات أخرى مرت بذات المكان. فالجينات إذن مكونة من امتزاج ثقافات وأعراق مختلفة يتطلب فهمها العودة إلى التاريخ”.

هويتي مركبة.. فلسطين أصلها

فلسطين مرة أخرى، كأننا لا نتوب عن حبها، ولكن إسراء تراها في رؤية مختلفة بعضها جيني وراثي والآخر بيئي مكتسب، يبدو أنني قد بدأتُ أولى خطواتي في علم هندسة الجينات!

“نعود هنا إلى المكونات التي كونت إسراء، أنا كفلسطينية أصلي من جنين، والدي ووالدتي ولدوا في يعبد، ولكن أجدادي انتقلوا للعمل في الكويت قبل حرب 1967، ولذلك نحن لا نعدّ نازحين ولا لاجئين. أهلي عاشوا في الكويت فتداخلت ثقافتهم بالمحيط المكون من فلسطينيين وعراقيين ومصريين، بعد حرب الخليج انتقلنا للعيش في الأردن، ومن ثم السعودية، ومن ثم ها أنا الآن أعيش في اسطنبول”.

ترى إسراء أن عوامل عدة قد كونتها، ولهذا فهي ذات هوية مركبة، ليست فلسطينية خالصة وليست أردنية خالصة وبالتأكيد ليست كويتية خالصة، هي مكون من كل ذلك، وهي متصالحة جدا مع هويتها المركبة ومؤمنة بأنه لا يوجد أصلا هوية صافية.

أرى نفسي أماً ناجحة جداً

“حوارهن” هو برنامج تقدمه إسراء على قناة الحوار، تستضيف عبره نخبة نسائية لتناقش أبرز وأهم القضايا التي تبرز على الساحة العربية والعالمية، حوار الأنثى باعتبارها مكونا من مكونات المجتمع، لا بعتبارها متمركزة حول ذاتها وقضاياها فقط. أردتُ أن أقلب الصورة وأن أحاور إسراء في خصوصيات الأنثى، ” إسراء ايش بتحبي ألوان؟ سألت أنا”.

“بحب الأصفر كتير، بحب ألبس وبحب التسوق وبتسوق بشكل  كتير كبير، بحب متابعة الموضة وبحب التلبيقات، وبحب أجمع بين الستايل الحداثي والكلاسيكي والتراثي، حتى في بيتي بجمع بين هاي الستايلات واللي هي بتعبر عن هويتي المركبة في المزج، أعشق الرقص بكل أنواعه”.

تابعت دون مقاطعة: “بحب الأطفال وبحب الأمومة، وبشوف نفسي أم ناجحة جدا، وبحس انه الولادة هي معجزة ربانية، بحب أطبخ وأجرب، ما بقرأ كتب طبخ ولكن بحب أجرب لما يكون بالي رايق،  والدتي عندها نفس حلو بالأكل وأنا اكتسبت جزء منه، وأتقن الأكل الإيطالي أكثر من الأكل الشرقي”.

ماذا عن الزواج؟

“من تجربتي الطويلة في الحياة، ومن خلال تقديمي لبرنامج صباحي يتطرق لكثير من قضايا الأسرة والزواج، فأرى أنني أمتلك قدرة على فهم الرجل، وأستطيع أن أجمع بين عملي وزوجي وأبنائي، ولا أتخيل أبداً أن أتوقف عن نجاحي في عملي، ولكن الفكرة إنك بدك رجل يتفهم، الحياة الزوجية تقوم على الشراكة، لست ندا للرجل، بل شريكا حقيقيا”.

عن أهم الأشخاص والكتب والأهداف

• أهم إنجاز قمتي به في حياتك؟

سؤال صعب، لأنني لا أعتبر أن هناك أمراً أهم في حياتي، أنا أقدّس إنجازاتي الصغيرة، وأعتبر كل إنجاز قمت به عملا عظيما يستحق الاحتفاء.

• أهم هدف مستقبلي قريب تسعين إليه؟

برنامجي (رحلة فكر)، أهدف إلى استكماله، هذا البرنامج يشبهني إلى حد كبير، سترون فيه شغفي في البحث والاستقصاء والترحال، وتطلعي إلى التقديم بشكل مختلف، هو إسراء كما أحب أن يراها الإعلام.

• أهم الكتب التي قمتي بقراءتها؟ 

كتاب (33 استراتيجية للحرب) للمؤلف روبرت جرين، هو كتاب سياسي عسكري لكن القواعد الموجودة فيه يمكن تطبيقها بشكل أو بآخر على الحياة من ناحية حكمة التعامل مع الحياة. كتاب (الإسلام بين الشرق والغرب) على مستوى الدين وعلم الاجتماع، كتاب (الهويات القاتلة) الذي يتحدث عن فكرة الهوية المركبة لأمين معلوف، وهو من الكتب التي أثرت بي وأنصح بقراءته، رواية (بيروت) لصنع الله إبراهيم، هذه الرواية كان لها دور كبير في جعلي أبحث باتجاه مكونات الطوائف ضمن نطاق جغرافي معين، وكيفية اللعب على هذه الطوائف، واستغلال الدين من قبل السياسين.

من الكتب التي أثرت بي أيضا كتاب (الثقافة العالمية) لأكاديمي روسي، هذا الكتاب أيضا جعلني أقارب بين ثقافات العالم بشكل مختلف، وأحاول فهم السياق التاريخي وكيفية امتزاج الشعوب والثقافات والمجتمعات.

• أهم الأشخاص الذين التقيتيهم؟

على صعيد شخصي ومهني كان هناك أستاذ وهو شخص غير معروف، يعمل دائما وراء الكواليس، هو أستاذ في السياسة والحياة بالنسبة لي، كان له دور كبير في تكوين شخصية إسراء، وطبعا والدي ووالدتي بلا شك تأثرت جدا بهما، والدي من الشخصيات المثقفة والنضالية، وأنا أتطلع في يوم ما أن أحاور والدي في لقاء تلفزيوني عام، والدتي أيضاً لها باع كبير في الثقافة والإعلام.

بعض الشخصيات الأخرى التي أثرت بي في طفولتي، وإن كنت أختلف معهم الآن بعض الشيء، مثل: محمد العوضي، وطارق السويدان، وأحمد الأبيض وهو طبيب ومفكر تونسي وكان من أكثر الشخصيات تأثيرا في حياتي.

العنقاء

لا أدري ما هي الطريقة المثلى لقياس الأعمار، فقد تضيق أيام بعضنا وتتسع أيام آخرين، لا أعني هُنا الحزن والفرح، بل هو العمل والأثر، وتحضرني في هذا دعاء ينسب للشاعر محمد إقبال، بأن يهب الله له عمرا عريضا.

يبدو أنه امتلك من الفراسة قدرا كافيا، ذلك المعلم الذي أطلق على إسراء لقب العنقاء يوما ما، إذ تقول الأسطورة أن العنقاء تعود للحياة في كل مرة تموت فيها، وفي هذا إشارة للأثر الطيّب الممتد، وإسراء تحب هذا اللقب وتراه يمثلها، وتحرص على أن تتمثله في حياتها على الصعيدين الشخصي والرسمي.

“لستُ من أطلق هذا اللقب على نفسي، من أطلقه عليّ هو أستاذي وملهمي الذي كان شاهداً على تقلباتي في مراحلي العمرية المختلفة، كان يراني بثقافتي واندفاعي وحبي للعمل والعطاء، وكان يبصر الأثر الذي سأتركه في حياتي. قال لي يوما: أنت يا إسراء راح تكوني مثل العنقاء، وهي شخصية أسطورية كانت تجمع بين القوة والبكاء، وكانت كلما ماتت عادت للحياة مرة أخرى”.

آلاء عابد

كاتبة وباحثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق