عامفكرمراجعات فكرية

حُمْرة الشفاه عبر العصور

“إن أسمى أنواع الجمال ليس ذلك الذي يُفتِنُنا على الفور، بل الذي يتسلّل إلينا ببطء؛ نحملهُ معنا، ونحن لا نكاد نشعر به”. نيتشة

“فاونديتشن”، “حومرا”، “آي شادو”، “آي لاينر”، “برايمر” وغيرها من الكلمات التي تُتداوَل بين النساء، وفي الأسواق الخاصة بمستحضرات التجميل، وإعلاناتها. فهي تكاد تكون جزءاً لا يتجزأ من الظواهر العالمية العابرة للقارات والحضارات عبر مختلف العصور التاريخية.

هكذا هي معايير الجمال، الجمال الإنسيّ، بتقدم الزمن؛ تتعقد مواصفاته وتزداد متطلباته، خاضعاً لمتغيرات العصر، أبرزها: الرؤية النفسية والفكرية لمفهوم الجمال عند الإنسان، وحركة السوق بمختلف أساليبها واستراتيجياتها، فطلب النساء على هذه المستحضرات يزداد تبعاً لأساليب التسويق والترويج لمختلف العلامات التجارية أو “الماركات العالمية” والثقافة التي تُصمّم وتُشاع بغية زيادة الطلب عليها.

وتستخدم الإعلانات كسلاح فتّاك لا يخطئ صيده للترويج لهذه المستحضرات؛ مُتخذة ما بات يعرف بظاهرة “النجوم” أو “المشاهير” كوجوه إعلانية لهذه المنتجات تغزو الشاشات في كل أنحاء العالم. وبذلك تنجح تلك الشركات العالمية في استقطاب النساء خاصة بمختلف فئاتهنّ العمرية بشكل مفرط ومبالغ فيه؛ وهذا بدوره يراكم الصور المجتمعية “المقبولة” لمعايير الجمال الظاهر في أيّ أنثى، بل كلّ أنثى “عصرية”، مما يشكل ضغطاً مجتمعياً ومادياً، وعبئاً نفسياً هائلاً على عامة النساء للّحاق بموجة الجمال العاتية تلك.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل يمكنني كفتاة، أو امرأة، أن أحيا بلا “مكياج”؟!

علينا في بداية الأمر أن نفهم كيف أصبح الماكياج هاجسا بدأ بشكل فعليّ يتحوّل إلى سلوك قهريّ؛ عندما نتفقد وجوهنا كل هنيهة وهنيهة، حاملين أدوات الماكياج معنا أينما حللنا وارتحلنا، سائلين كل من قابلنا عن رأيه في نمط أو “ستايل” الماكياج الذي نرسم به وجوهنا، صارفين مبالغ طائلة تفوق ميزانياتنا في أيام كثيرة على هذه المستحضرات بقدر كبير من اللامبالاة، فما الذي يدفعنا إلى كل هذا؟

“التجميل” عبر العصور

إن الإعلانات التي تصلنا عبر قنوات الإعلام الفضائية والرقمية بمختلف أشكالها، تحصر الجمال في أشكال معينة ومحدودة ومدروسة؛ لجذب اهتمام النساء. تركّز على دراسة سلوك المستهلك (الزبون)، وتشكيل أفكار ومشاعر تراكمية مرة تلو أخرى، فهل تساءلنا يوماً متى وكيف بدأ ذلك؟

 يعود تاريخ فنّ التجميل إلى عصور ما قبل الميلاد (البوابة، 2005)؛ حيث عثر في قبور الفراعنة في مصر – مهد فنّ التجميل الأول – على أوعية تحتوي على مراهم، وعطور مختلفة، ومسك وبخور. وكان يُعتقد حينها أن الجمال يحمي من الشرّ، فكانوا يبحثون عن طرق يبرزون بها جمالهم.

وهذا ينطبق على معظم الشعوب القديمة؛ فالصينيون واليابانيون مثلاً استخدموا مسحوق الأرز لجعل وجوههم بيضاء، كما استخدموا الذهب للعناية بأسنانهم؛ ومثّل هذا إضافة جديدة لعالم التجميل المستوحى من الطبيعة. وكان لفن التجميل عند اليونانيين القدامى قواعده العامة ومفهومه الخاص، واشتقت كلمة التجميل من لفظ (Osmet) الذي أطلق على الجواري اللواتي كنّ يعملن في تجميل نساء أثينا القديمة. ‏

“من أجل أن تكون صحيح الجسم، جميل الطلعة؛ عليك أن تراقب غذاءك، وتستفيد من أشعة الشمس، وتحافظ على تمريناتك البدنية يوميًا”. أبوقراط

‏        وأسس التجميل عند اليونانيين القدامى والرومان كانت تعتمد على العناية بالصحة العامة، المتمركزة حول أساسيات عامة كالتي ذكرها أبوقراط أعلاه. وفي روسيا القديمة، عرفت العناية بصحة الجلد وملمسه منذ آلاف السنين؛ حيث كان رائجاً استخدام سكان تلك البلاد مراهم محضّرة من حشائش ونباتات مختلفة لإنعاش الجسم وتطرية البشرة. ولبعض أطباء العرب كذلك باع طويل في فن التجميل، كابن سينا في كتابه المشهور ( القانون في الطب ) الذي شرح فيه أسس التجميل، وفنون الزينة، وصناعة العطور. ‏

أما في أوروبا، فقد حمل الرحالة الأوروبيون، عند عودتهم من بلاد الشرق كالهند وغيرها، الكثير من مواد التجميل، واستخدمت نساء آوروبا الأصبغة، والمواد العطرية، وأنواعاً من الحمرة المصنوعة من أكاسيد الحديد و”الزنجفر” الأحمر والأصفر، والمساحيق المحضرة من “الأسفيداج” أو مركبات الرصاص التي تعطي لوناً أبيض لامعاً، وغير ذلك من مستحضرات الزينة.

وفي ( القرن 16 )، نمت في فرنسا صناعة العطور ومواد الزينة. وفي ( القرنين 17 و 18 )، ارتقى فن التجميل إلى مكانة عالية، وتطوّرت صناعته، وأصبح بالإمكان الاعتراف بوجوده كضرورة لازمة يجب أن ترافق كل امرأة ترغب في أن تبدو “جميلة”.

استغلال المرأة

تميل المرأة لكل جميل، وتحبّ بطبيعتها أن تظهر بصورة “جميلة” ومرغوبة ومحببة إليها نفسها، وإلى الآخرين، وقد استغلت شركات صناعة التجميل هذه الميزة ووظفتها في ممارسة التأثير “الساحر” على المرأة؛ الذي يدفعها بشكل واع، وغير واع، إلى اتخاذ قرار الشراء وجدولته ضمن أعمالها المتعددة؛ كمهمة ضرورية أسست للسلوك الاستهلاكي المفرط في عصرنا الراهن (شحاته، 2005).

وتعددت صور المرأة في الاعلانات، والغاية من ظهورها واحدة، هي شراء منتجات التجميل ومستحضراته. فظهرت بصورة المرأة العاملة التي “لا بدّ” وأن تكون جميلة في عيون عملائها وزملائها، وبصورة المرأة التقليدية ( ربة البيت ) التي “يجب” أن تكون جميلة في عيون زوجها، وبصورة المرأة السطحية؛ التي لا همّ لها سوى ملاحقة صيحات الموضة، وجذب اهتمام الرجال.

وبرزت هذه المرأة السطحية “نموذج الجمال” بالتركيز على مواضع أنوثتها التي يشتهيها الرجل، وإبراز مدى اهتمامها بذاتها، الذي جعلها مميزة ومرغوبة على حساب النساء الأخريات الأقل حظًا في الجمال، وذلك بسبب عدم شراء تلكم النسوة “المهمِلات” مستحضرات التجميل، وعدم استخدامهنّ لها؛ وذلك كنتيجة ضمنية. 

وفي كل ذلك برزت المرأة كشيء، نزع عنها ثوب الإنسانية وربطت بسلعة وصورة وغاية مادية؛ مملوءة بالايحاءات الجنسية الجاذبة بطبيعة الحال.

زيفُ الإعلانات 

تسيطر الشركات متعددة الجنسيات على سوق المال والأعمال في العالم، وهي تهدف إلى معاظمة أرباحها ومضاعفة مدخولاتها المالية؛ عن طريق إقناع أكبر عدد ممكن من المستهلكين بشراء منتجاتها. وهي في ذلك تستخدم صورة إعلانية للمرأة وتربطها بالمنتج الذي تروج له وترغب بتسويقه، دون أدنى مراعاة لخصوصية جسد المرأة، وكيانها، وقيم احترامه، وفي ظل غياب المسؤولية الاجتماعية لهذه الشركات، وتجاهلها للقيم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية المتنوعة لشعوب العالم، وغيرها من الأسباب المرتبطة بسلطة الإعلام وعالم الأعمال (فرحي، 2017).

وفي دراسة (عبد الجليل، 2017) التي سعت للتعرف على أثر الإعلانات الرقمية التي تبثّ على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، على القيم الاجتماعية للمرأة العربية، خلصت في بعض نتائجها إلى أن غالبية مضمون هذه الإعلانات تشتمل على قيم فردية كالسعادة، والراحة، والتوفير، والجمال، فيما أهملت فيها القيم الاجتماعية كالاحترام والإيثار والتواضع؛ وهذا عائد إلى ارتباط تحقيق الرفاهية بقيمتي السعادة والراحة الفرديتين.

ومن النتائج التي توصلت إليها الدراسة أنّ الإعلانات المرصودة أثّرت في إشاعة جوّ عام من التذمّر والإحباط، وزادت من تباين الفئات الاجتماعية، وعززت الطبقية، وساهمت في زيادة مظاهر التبذير والإسراف، والانصراف إلى التفاخر بالممتلكات والمباهاة بالترف. كما أن هذه الإعلانات عززت من الثقافة الاستهلاكية لأشياء مادية لا حاجة بالناس إلى شرائها.

إن الإعلانات الرقمية هي من أقوى الأدوات التي يستخدمها أصحاب رؤوس الأموال ومالكو وسائل الإعلام، ولا تتوقف عند حدود البيع أو شراء منتج ما، إنما تتعدى ذلك إلى تقديم رسائل ومضامين دعائية ذات أهداف مادية، من شأنها أن تؤثر على قيم وتوجهات الأفراد الفكرية والنفسية (وخاصة المرأة)، ودفعهم نحو الشراء والتملّك؛ بغية تحقيق زائف للرضا عن النفس وتقدير الذات.

وسنتعرف في الجزء الثاني من سلسلة “هل تستطيع النساء أن تحيا بلا مكياج؟” إلى الوسائل الإعلانية التي تدفعنا بها شركات التجميل و”الماركات” العالمية إلى الاندفاع نحو الشراء. لماذا نشتري؟ وكيف نقرر ذلك؟

دعاء عبدالحميد

حاصلة على البكالوريوس الرئيسي في علم النفس، وفرعي في علم الاجتماع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق