حواراتعام

وسيلة طعمة: حكاية 28 عامًا من الانتظار لتحقيق الحلم

مثابرةٌ هي، فثمانية وعشرون عاماً لم تقف حائلاً بينها وبين حلمها بإكمال دراستها بعد سنوات من الانقطاع، لتلتحق بالدراسات العليا، فتتميز بنفس طويل وروح مجدة لمواصلة المسير نحو تحقيق الحلم الكبير. تجلس معها فتجدها منظّمة جداً لا تأبه لكلام المحبطين البائسين، وإنما تشق طريقها بإيمانها الراسخ بفكرتها.

فمنذ أولى خطواتها في الماجستير وضعت عنواناً بل هدفاً تسعى لتحقيقه، بإعداد مادة بحثية حول “الأبعاد القانونية والاجتماعية لإنجاب زوجات الأسرى عبر النطف المهربة”، وكان بالفعل عنواناً لرسالتها، مما أثار استغراب أستاذها الذي نظر إليها بتعجب قائلاً: “هذا عنوان رسالة ماجستير؟ أجابت بمنتهى الثقة: “نعم”، لم يقتنع جميع أساتذتها في القسم أبدًا بالفكرة، ولكن ضيفتنا العنيدة نجحت في إقناعهم بعد محاولات عديدة.

في هذا الحوار سنتعرف على أمّ وباحثة، كرست حياتها لأولادها حتى أوصلتهم لبر الأمان ثم بدأت مشوارها في البحث العلمي.

عرضٌ جريء

زوجة الأسير تامر الزعانين بعد ولادتها لـ “حسن” أول سفراء أسرى الحرية في غزة

الباحثة وسيلة طعمة، حاصلة على بكالوريوس دراسات إسلامية، وماجستير في دراسات المرأة من جامعة النجاح الوطنية، اختارت عنوان رسالة ماجستير جريء وحساس يعالج قضية من قضايا المجتمع الفلسطيني انطلاقا من شعورها بالمسؤولية الاجتماعية.

تقول لـ “بنفسج”: “صدقًا لم أعرف في البداية ماذا سأكتب فيها، ولكنّي مصرة على العمل، كان اختياري صعبًا حيث لم تكن لديَّ أرضية بحثية سابقة، فعكفت على جمع وقراءة كل ما كُتب عن زوجات الأسرى والنطف المهربة في ملف كامل، ودرسته مرارًا لأبدأ بشق طريقي نحو الهدف”.

ثمانية وعشرون عامًا لم تثنها عن رأيها ولم تُقصِ حلمها بنيل درجة الماجستير، ليس حبًا بالشهادة ولكن شغفًا بالعلم، بعد إنهائها للبكالوريوس لم تنقطع عن التعلم وتطوير نفسها، فحصلت على دورات عديدة في التنمية البشرية والعلاج بالطاقة إضافة لدبلوم في علم الحاسوب.

وسيلة كانت تسير في طرقٍ وعرة، فهي أول من تجرأت وبحثت في قضية النطف المهربة على الرغم من عدم وجود دراسات سابقة حول الموضوع، فكان لزامًا عليها أن تتحمل مجريات الأحداث، والبحث، والتحري الشاق للوصول إلى المعلومة.

زوجة الأسير عمار الزين بعد ولادتها “مهند” أول سفراء أسرى الحرية

في أوائل عام 2012 تم تهريب أول نطفة من داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي من الأسير عمار الزين إلى زوجته، وكان نتاجها طفلهم الأول مهند، ثم حذا حذوه العديد من الأسرى ذوي الأحكام العالية. حيث تتم عملية النقل بصعوبة بالغة في ظل انعدام الأدوات والإمكانيات التي تمكن الأسرى من نقل النطفة بأمان، إضافة إلى التضييق والمراقبة والتفتيش المتواصل، والتنكيل من قبل إدارة السجون الإسرائيلية.

ولكن تغلّب الأسرى على هذه العقبة، وتمكنوا من تهريب النطف عبر ابتكار وسائل مختلفة، فمثلًا، الأسير عمار الزين هرّب نطفته من خلال حبة تمر، حيث وضع بدل النوى كيساً بلاستيكياً صغيراً وضُعت بداخله النطفة حتى وصلت للمركز الطبي لزراعتها بسلام، إضافة إلى أن عمليات التهريب تتم أيضًا من خلال حبات الشوكولاتة وكبسولات الدواء.

تهريب النطف يحتاج تقنيًا لأدوات عالية الجودة ودرجة حرارة معينة للحفاظ على النطف، ولكن رغمًا عن الاحتلال تكللت عمليات عديدة بالنجاح.

طريقٌ شائكة

أطروحة وسيلة اعتمدت في البحث على المنهجين الكمي والنوعي، والاستبيان، وعينة دراستها شملت زوجات الأسرى المحكومين مدى الحياة، إضافة للأسرى ذوي الأحكام المحدودة في شمال الضفة الغربية، إضافة إلى الشخصيات الاعتبارية الذين لديهم دراية وعلم بالموضوع.

تضيف لـ “بنفسج”: “شرعت بإجراء مقابلات شخصية مع زوجات الأسرى اللواتي تعرضن للتجربة في شمال الضفة الغربية، أقمت علاقات ودّية معهن، تحدثنا عن تجربتهن الشخصية ومعاناتهن كزوجات أسرى، والنظرة المجتمعية لهن كونهن فعلن شيئًا غريبًا على المجتمع”.

أول زوجة أسير تجرأت على هذه الخطوة كانت من طولكرم المدينة التي تقطن بها وسيلة، حيث سمعت إمام المسجد وهو يُعلن لأهل المدينة قرار الأسير وزوجته. تشرح وسيلة: “تحدثت معهن كصديقة شهدت على الدمعة والبسمة والضحكة، سعدن بي وسعدت بهن، لم يكن أمر الزيارات بالأمر السهل كوني أزور كافة محافظات الضفة، وهذا أمر مرهق في ظل وجود الحواجز”.

حين تحدثت السيدة وسيلة عن زوجات الأسرى اللواتي قررن الإنجاب عبر النطف المهربة، بدا صوتها حزينًا للغاية بسبب الإهمال من مؤسسات شؤون الأسرى في التوعية بهذا الموضوع، تقول: “من الضروري وجود جلسات توعوية لزوجات الأسرى الراغبات بخوض هذه التجربة، وعرض السلبيات والإيجابيات أمامهنّ، وسؤال كل واحدة منهنّ إن كانت قادرة على تربية طفل بمفردها، وتلبية احتياجاته، والإجابة على تساؤلاته مستقبلًا”.

مطبّات حياتية

تُذكر الباحثة أنها تعرضت لانتكاسات حياتية خلال دراستها الماجستير، حيث توفيت والدتها وبعدها بأسبوعين، كان عليها تقديم ثلاثة امتحانات نهائية والسفر لعائلتها، استطاعت أن تلملم روحها المكسورة، والسير من جديد نحو الهدف وتفوقت بدرجات مرتفعة.

خلال مشوارها البحثي أجرت مقابلات مع 27 شخصية من ذوي الاختصاص، وبهمة عالية وإصرار أجرت 6 مقابلات في أسبوع واحد فقط مع شخصيات متنوعة لكل منهم أسئلة مختلفة.

ما النتائج التي توصلت لها الدراسة؟ تجيب وسيلة: “من الناحية القانونية توصلت إلى أن القانون الإسرائيلي يتعمد إصدار قوانين وأحكام جائرة بحق الأسرى الفلسطينيين، أما على الجانب الفلسطيني فتوجد مرونة في القوانين الفلسطينية لتسجيل أطفال النطف المهربة”.

“أطفال النطف المهربة جميعهم مسجلون في الدوائر الرسمية. وهناك إقبال من الأسرى على خوض التجربة بعد دعم المراكز الطبية، ووجود الفتوى الدينية التي تجيز ذلك”.

تؤكد السيدة وسيلة أنّ ما يدفع زوجات الأسرى لخوض تجربة الإنجاب عبر النطف المهربة هو دافع الأمومة الفطريّ. وتلفت إلى أنّ قبول فكرة الإنجاب عبر النطف المهربة مجتمعياً يزداد حيث بلغت النسبة البحثية في البعد الاجتماعي 70%. علماً أن المقبلين على إجراء العملية هم من ذوي الأحكام المحدودة، أمّا المحكومون مدى الحياة فالإقبال لديهم أقل.

بدا صوت السيدة الطموحة عبر الهاتف فخورًا وهي تروي لنا ما حصل بعد مناقشة دراستها البحثية، إذ تم إصدار فتوى شرعية لخطيبات الأسرى الذين حكم عليهم بالسجن المؤبد بإجراء العملية، ويوجد حاليًا حالة في طولكرم تنوي إجرائها.

أحيانًا كانت تعصف بها لحظات يأس وملل من الضغط الواقع عليها، وتقول لنفسها: “شو جبرني على هاد”! فيردّ أحد أبنائها: “إلك 28 سنة بتستني هاللحظة هلأ جاي تتراجعي”.

بعد كل المعتركات التي خاضتها الباحثة وسيلة لحوالي ثلاث سنوات ونيف جاء اليوم الموعود لمناقشة حلم الـ 28 عامًا. يوم المناقشة؛ التوتر سيد الموقف، وبمجرد بداية حديثها استعادت رباطة جأشها وشرعت تشرح وتبين ما توصلت إليه.

ضحكة الانتصار عظيمة، تحلق بصاحبتها في فضاء السعادة، أن تنتصري على نفسك وتحققي ما قلل منه البعض هو في الحقيقة أعظم إنجاز. الباحثة العنيدة لم تترك نفسها لمن قال لها يومًا: “شو بدك بالعلم بالعمر هاد”، وكانت تردد دائمًا: “كن الأول في التحدي والإنجاز، اجعل كل المثبطات طاقة ترفعك لتحقيق الهدف”.

رسالة تصلح لرواية

“هذه رسالة دكتوراه وليست رسالة ماجستير، يوجد بها كم هائل من البيانات تصلح لأن تكون في كتاب”. سائدة عفونة/ عميدة كلية التربية في جامعة النجاح الوطنية

ضيفة بنفسج أم لأربعة أبناء، أوصلتهم جميعًا إلى بر الأمان، تقول: “يسعدني أبنائي حين يقولون أنهم فخورون بي، لقد تركت لهم إرثاً معنوياً واجتماعياً وعلمياً سيظل يرافقهم إلى الأبد”.

السيدة المنظمة تحسب كل ساعة في يومها وتخطط لما ستمضيه بها. يبدأ يومها فجرًا، لا وقت لها للاستراحة، تمقت الفراغ، حتى وهي تطهو الطعام لعائلتها. تستمع لمحاضراتها بالسيارة، في كل مكان تبحث وتدرس.

صوت الباحثة المجتهدة كان سعيدًا وهي تروي لي ما قيل عنها من أساتذة جامعة النجاح وأبنائها وزوجها، فكل لحظات التعب والإرهاق انتهت وسط هذا الكم الهائل من الدعم لها.

“رسالتها يستفاد منها في التخطيط السكاني لفلسطين، تصلح لأن تكون رواية حقيقية، فطريقتها مذهلة”. ذياب عيوش/ عضو لجنة المناقشة

حصلت وسيلة على جائزة “جيرنر” العالمية للأبحاث العلمية من المؤسسة الدولية بالولايات المتحدة الأمريكية على رسالتها: “الأبعاد القانونية والاجتماعية لإنجاب زوجات الأسرى عبر النطف المهربة”، وذلك قبل مناقشة الرسالة في جامعة النجاح، مما أعطاها دفعة للأمام لإنهاء الرسالة بشكل كامل.

حتى بعد انتهاء رحلة الماجستير، لم تتوقف وسيلة عن الدراسة والبحث، فحاليًا تتلقى دورة إعداد مدربين، إضافة إلى تدريب في المحكمة سعياً للحصول على لقب محامٍ شرعي. طموحها لا يتوقف عند حد، شغفها للتعلم كبير للغاية، تفضل التنويع في الدراسة حيث تنوي الحصول على درجة الدكتوراه مستقبلًا، ولكن في مجال آخر ومن جامعة أخرى.

تنهي الباحثة الصاعدة حديثها بدعوة لكل فتاة ترغب بخوض رحلة الماجستير: “بمجرد تسجيلك في برنامج الدراسات العليا، أنت أصبحت باحثة يجب أن تتقني أدوات البحث العلمي وتؤمني بفكرتك”.

 

منى الأميطل

صحفية من غزة. مهتمة بالقضايا الاجتماعية والنسوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق