تاريخ و أدبعامفكر

الحضور النضالي للمرأة: نكبة الفالوجة كما ترويها السعافين

تتذكر الحاجة هادية السعافين أحداث النكبة بدقة، وتتنقل بين الأخبار التي تعتقد أنها مهمة ويجب الوقوف عندها، فذكرت نسف البلدية. وهي من الأحداث المفصلية لبداية احتلال القرية، والتي تم نسفها على يد عصابات الهاجاناة،  إذ أن الفالوجة كانت من آواخر القرى التي تم تهجيرها إن لم تكن الأخيرة.

وقد خرج أهلها في عام 1949 وليس 1948 أي بعد بداية التهجيرات بعام، وكان عمرها حينها ثلاثة عشر عاما، وتأخير خروجهم جاء وفق التاريخ المدوّن ووفق شهادتها بسبب ممانعة الناس في الخروج ودعم “المجاهدين لهذه المنطقة” (الدباغ 228).  إضافة إلى وجود لواء مصري كان يخدم فيه جمال عبد الناصر حينها، كما تؤكد هي وكتاب الدباغ، بالإضافة إلى لواء سوداني وعراقي: “كنا نشوف مصريين وسودانية وعراقية”.

وقد ساعدهم أهالي الفالوجة ودعموهم للبقاء واستمرار المقاومة. فقالت: “عائلة الوحيدي (وهي إحدى العائلات التي ساعدت الجيش كثيرا) بقوا يجونا في النجدات، مسلحين وفي النجدات، أمي كانت تحضر وتطبخ لهدول النجدات، الشاطر يقول في نجدات والكل يرسل خبز ويحضر”.

حوصرت القرية واللواء أكثر من 6 شهور. ثم انتهى الحصار بهدنة أقيمت بين الكيان الصهيوني ومصر[1] ،إلا أن الكيان الصهيوني نقض الاتفاقية وأرغم السكان على المغاردة تحت وابل القنابل والبراميل المتفجرة على مغادرة القرية بتاريخ 21\4\1949- الذين رفضوا الخروج حتى بعد خروج القوات المصرية- (الخالدي 1997، 564)، يقول ابنها أمجد : “سيدي وجّه والدي للذهاب إلى الخليل، وعندما قال له والدي وإنت يابا بدّكش تطلع معاي، قال له الشيخ عبد المجيد بيطلعش من الفالوجة، واستشهد هناك بنفس الليلة”.


في النكبة : حضور نضالي للسعافين

 

من الجدير بالذكر أن الحاجة هادية لم تتوقف كثيرا عند دور النساء التقليدي الذي كن يقمن به بشكل روتيني قبل النكبة وحتى بعدها ، في كيفية تدبير أمور المنزل ومساعدتها لزوجها، وتوقفت كثيرا عند دور آخر كان محط فخر لها، وهو دورها كمناضلة ضد الاحتلال.

ففي معرض حديثنا عن أشكال مقاومة الناس أثناء عملية الاحتلال كانت تقول: “القنابل كنت أعبيهم أنا، كان لهم مخازن، وكان يأخذني (تقصد شقيقها الشهيد سلمي السعافين) عالمخازن، وأعبيله الإستن والبرن والميلز (سلاح الماني)، وأمسّحها وأعبيها وأسكرهن ورّاني كيف أسكرها الله يرحمه”

إن منع الوالد ابنته الصغيرة من الذهاب إلى الدراسة حماية لها من العصابات اليهودية، لم يدفعه لمنعها من المشاركة في العمل النضالي، بل سمح لها بالمشاركة  لذات السبب:  “لا كان يسمحلي والله ما يخاف علي أضلني مع أخوي، أعبي البارود والقنابل، أنا بقيت كل حين أطخ الشارة خطرتين (تقصد أنها كانت تتدرب بشكل دوري)، أنا كل الكرتونة هالقد أعبيها”.

أعتقد أن عملية مشاركة النساء في تحضير السلاح لم تكن سمة منتشرة في كل القرية، وإنما انحصرت في البيوت التي فيها رجال مقاومون تجندوا مع القوات الموجودة في القرية، وأخذوا يقاومون الاحتلال ويعدون العدة للمواجهة والدفاع، وهذه البيوت كانت تساهم فيها شابات العائلة في المساعدة، وقد ساعد هادية في مهمتها أختها وبنات أخواتها.

لم تكمل في نفس الموضوع بسبب إحدى المقاطعات، لكنها كانت ترغب في خوض تفاصيل متعلقة بموضوع النضال والسلاح بشكل أكبر، وكأنها ترى في هذا المجال دائرة امتياز لها، فقد ذكرت مسألة تحضير الطعام ،ولم تتوقف كثيرا عندها ولم تتوقف كثيرا عند الأعمال المنزلية.

أما موضوع مشاركتها في النضال فقد أخذ نصيبا مهما من كلامها، “وييجي هالزلمة يدق علينا ويقول لي بدي سلاح، أقول له أنا وليّه وما عنديش سلاح ، وشردوا، كإنه خاين وبده يشوفنا وين رحنا ووين جينا وبعد شوي إلا هو رادد واحد تاني غيره، فقال تخافيش إحنا حواليك، فقلت له مش ضروري تقعد عنا إنت ما هو ضروري، ولما أجا خبيت البارودة وحطيت الشك في البارودة وطخيت على بعيد، وقلت هالحين بييجي أبويا وإخوتي، وبتعرف ع مين تخش”.

إن هذا الموقف وقدرة فتاة بعمر الزهور على التعامل مع رجال غرباء جاؤوا لتخويف النساء أو تجميع معلومات عن البيوت التي كانت تستعد لمقاومة الاحتلال، إنما له دلالات واضحة على البيئة التفاعلية التي كانت تعيش بها هادية والتي لم تكن فيها هامشية أو مغيبة عن فهم الحقائق أو التعامل مع الأحداث بجرأة دون استئذان أحد رجال العائلة.


الفالوجة: آخر القرى المهجرة 

 

خرجت العائلات من الفالوجة بالإرغام تحت القصف الجوي، في عدة أيام وتركوا خلفهم الشهداء الذين لم يتمكنوا من إخراجهم، وقد كان من الشهداء كما أردفت هادية نساء أيضا قالت ” فيه من دار السعافين واحدة وهاجر أبو تبانه، ماتوا بالقصف الجوي، بالبراميل المتفجرة.”

 كان من الشهداء ثمانية أو تسعة من أسلافها (أشقاء زوجها أو خطيبها في ذلك الحين) هدم عليهم المنزل، وثلاثة من أولاد عمها، ومن الذين أصيبوا في هذه الأحداث شقيقتها والتي كتب لها أن تعيش بعد أن كانت في وضع صحي خطر، ومن الذين استشهدوا شقيقها سلمي، وقد مات مسلحا وكان من المقاومين ولم يستطيعوا إخراج جثته من القرية مباشرة لشدة القصف إلى أن نجحوا في إخراجها ليلا بعد عدة محاولات، مؤكدة أنهم قاموا بدفنه والقنابل التي يحملها على صدره دفنت معه كرامة لعمله الأخير.

يذكر الخالدي  في كتاب “كي لا ننسى” أن القرية عندما رفضت الخروج بعد خروج اللواء المصري “باشرت الحامية الإسرائيلية المحلية ارتكاب أعمال الضرب والسرقة ومحاولات الاغتصاب، بحسب ما شهد مراقبو الأمم المتحدة الموجودة في الموقع” (الخالدي 1997، 564).

تؤكد هادية أنها لم تر أحداث مجابهة مباشرة مع العدو إلا القصف الجوي والبراميل المتفجرة التي كانت تلقى على الأهالي والتي جعلت فرص البقاء مستحيلة. ومن المواقف الأكثر ألما التي عايشتها هادية حينما نادى أحدهم على النساء: “يا بنات مين ابنها وقع في البحر (كان هناك بحيرة ماء قريبة من القرية ربما هذا ما قصد بكلمة البحر) ” فاتضح أن إحدى نساء البلدة غرق ابنها أثناء الخروج ولم تكن تعلم بعد، وكان هذا بالنسبة للحاجة هادية من المواقف الصعبة التي شاهدتها بعينها.

وتؤكد أن وفاة النساء حدث خلال القصف العام ولم تُستهدف النساء لوحدهن أو يتم عزلهن أو حجزهن من قبل القوات الاسرائيلية. تضيف واصفة حالهم أثناء الخروج:  “ييي فش قول ولا عيد الكل شرد، من الطيارات اللي دبحتنا، والقصف علينا، الملاجئ كله انتلت واليهود ما خلوا ولا ملجأ، اليهود هدوهم والبلدية هدوها وكل شي هدوه شردنا على خوال أبوي في دورا “عند دار الشحاتيت” بعد القتل وتريحنا شوي، اللي يخش الفالوجة يطخوه أو يطارده،(أي من يحاول دخولها بعد الخروج لأخذ ممتلكاته أو البحث عن شيء ما ) ما قعدنا بييجي أربع خمس تيام وورانا الصبر والقتل والحزن، ثم ما بقي ولا أحد والقتلى فوق بعضهم، وهم شاردين مرمّين”.

أردف ابنها “أمجد”: “هذه آخر قرية مدمرة” وأضاف ابنها د. عدنان: أرسل الصليب الأحمر جزء من أهلها إلى الخليل والجزء الآخر إلى غزة”، وجزء كبير من العائلات المهجرة هي من اختارت بنفسها أن تذهب إلى الخليل أو غزة، واختارت عائلة الحاجة هادية الخليل.


بعد النكبة: السعافين في التهجير واللجوء

التهجير من الأرض، ومفارقة البيت والمال والوطن أمور لا يمكن أن تمر دون أن ترسم على وجه الذاكرة خطا عميقا من الألم، وإن مر الرجل بألم فقد مرت المرأة بذات الألم ويزيد، تحدث عن هذا البعد أبناؤها بحماسة قبل أن تتحدث هي، واصفين حجم الألم التي قد تتعرض له فتاة صغيرة وهي تمر بتجربة القصف والبراميل المتفجرة ومشاهدة القتل والتهجير، إضافة إلى فقد الأحبة.

وأضيفت عبارات أثناء النقاش  بأسلوب يوحي أنهم قد تأملوا حالها في مخيالهم وهم أطفال عدة مرات، فقال ابنها: “دفعت الوالدة ثمن غالي من النواحي الاجتماعية ومن النواحي الإنسانية، يعني وإحنا صغار لما تييجي الأعياد كانت الحجة تعيط واحنا كنا صغار ما نعرف، لما كبرنا عرفنا قديش كانت فاقدة إخوتها اللي في منهم في عمان ومصر، ومن النواحي الاقتصادية فقد كانت تعمل لتساعد زوجها، كانت تخيط الملابس وتبيع لتساعده بعد أن وصلوا الخليل”.

هذا إضافة إلى مصاعب أخرى تحدثوا عنها بألم تشير إلى عدم تقبل كل شرائح المجتمع لوجود لاجئين بين ظهرانيهم، فقد كانت تتعرض لبعض التعليقات المؤلمة من قبل أصحاب الأراضي أثناء ذهابها لتعبئة الماء وتسمع أوصافا لا تريحها.

وفي ذات الوقت أضافت الحاجة هادية بوضوح أن هذه ليست كل الصورة فقد كان هناك من ساعد واحتضن وتعاطف ومن العائلات التي اهتمت بعائلتها الأولى (أي أسرة والدها) بعد الهجرة مباشرة ،عائلة أخوالها في الخليل \دورا عائلة الشحاتيت، وقد أفرد أقاربهم لهم حصة كبيرة من القمح والقطين كمونة خاصة بهم ، فقال لهم والدها “الخبية تبعتكوا خبوها إلكوا” خوفا من الفقر أو العجز، فرفض أخذها بعزة نفس، وبكت قليلا وهي تصف حالها.

إلا أنها تؤكد أن وضعهم المادي بالرغم من كل الخسارة التي لحقت بهم والأراضي التي سلبت منهم والسكن المريح الذي كانوا يمتكونه، لم يكن صعبا، وقد استطاعوا الوقوف على أقدامهم مجددا بعد أقل من عامين من التهجير، إذ أنهم عندما غادروا البيوت أخذوا ما استطاعوا من المال والذهب، وقد ألحق بهم من بقي من المقاتلين من أهل القرية متاعهم من البقر والمواشي ،بل والفرس العربي بعد أيام من تهجيرهم، فرفضوا أن يأخذوا ما عرض عليهم من تموين وطعام وأصبحوا يبيعون من مواشيهم ليعيشوا به.

“كنا نأكل اللحم ونأكل الجمال، إحنا كنا ننام في دورنا ومالنا ” ،ومن العائلات التي ساعدتهم أيضا دار أبو شمسية وعمر زيتون، وهي العائلات التي تعاونت مع زوج الحاجة هادية بعد زواجهما وقامت بتوفير مسكن لهم، ولم تأخذ منهم المقابل المادي للسكن إلا بعد أن استقر حالهم، وأصبحوا قادرين ماديا على السداد. كان البيت الذي عاشت فيه في الخليل في حارة الشيخ بسيطا ومتواضعا تقطن فيه هي وزوجها وأخواته الست، إلا أن زوجها قد عاد إلى مهنة التجارة واستقر حالهم بعد بضعة سنين.


النكبة المستمرة

 

كانت تعمل بالخياطة لتعيل زوجها، لكن تؤكد في مرات عدة خلال المقابلة أن وضعهم المادي كان مقبولا جدا مقارنة بحال اللاجئين بالعموم، وتؤكد أن أغلب مهجري الفالوجة كانوا بحال مقبولة الا القلة من الفقراء. لا أدري إن كان هذا الوصف وصفا رومنسيا لطفلة كانت ترى في قريتها المقفودة كل جميل، أم أن أغلب أهل الفالوجة بالفعل كانوا من الأغنياء، غير أن التاريخ يؤكد أن مجتمع الفالوجة كان مجتمعا مستقرا اقتصاديا وله موارد مادية جيدة .

ويجدر بي أن أذكر أن هذه الشابة اليافعة قامت في السنوات الأربع التي عاشتها بعد التهجير وقبل زواجها بتربية أطفال شقيقها الشهيد سلمي الثلاثة، بعد رفضت زوجته البقاء معهم وإصرارها على اللحاق بأهلها رغبة في بدء حياة جديدة.

قامت هادية بالاعتناء بثلاثة أطفال أصغرهم رضيع وأكبرهم لم يتجاوز حينها الأربع سنوات، إلى أن تزوجت وانتقلت إلى بيت زوجها فأصبحت تزورهم بشكل دوري. تقول هادية واصفة شقيقها وكأنها تصف بطلها المفقود: “طوله بيسوى اثنين، عمره اثنين وعشرين، وهذا أكبر اخوتي” ونظرت لابنتها التي شاركتها لحظات الوجوم والصمت: “خالك مع الظباط.. عسكري في الجيش للبلد حماية للبلد”.

وأضافت وقد بدأت في البكاء: “والله كل ما ييجي في بالي بجن ” ثم بدأت تقول كلمات هي أشبه بالشعر قالتها حين وفاته “شيحة تودعهم وشيحة تقول لهم مع السلامة يا كبار العرايب” .. بكت هي… وبكت ابنتها .. ورسما لي بدموعهما ذكرى وطن جميل غاب ولا يعرف أحد متى سيعود إن كان سوف يعود.


قائمة المصادر والمراجع 

الخالدي، وليد. 1997. كي لا ننسى قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 . ترجمة حسني زينة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

الدباغ، مصطفى مراد.؟.  موسوعة بلادنا فلسطين، الجزء الأول القسم الثاني1ب.

[1] يؤكد ابن الحاجة هادية د. عدنان أن اسم الاتفاقية كان اتفاقية هيرودوس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق