أدهم الشرقاوي: لا أؤمن بوجود امرأة ملهمة حوار(1)

في صباه كان عفريتاً شقياً لا ينصاع بسهولة، ولكن أمه ,حبها الفياض حتى في أوّج غضبها هو الذي صنعه؛ فقد استطاعت من يلقّبها بــ “ست النساء” أن تقوّمه دون أن تكسره.  كانت الكتابة عنها دائماً فكرة مجنونة لذا شبّهها ولدها : ” كمحاولة إذابة ثلج القطب كله بعود ثقاب واحد”.

هل تساءلتم من قبل عن حكاية الأنثى مع الكاتب الفلسطيني الشاب أدهم شرقاوي، الذي يتابع الكثيرون ما ينثره من ورود كتاباته في كل صباح ومساء، ناهيك عن مؤلفاته التي كان آخرها “وإذا الصحف نشرت” و “مع النبي” و”عندما التقيت عمر بن الخطاب”.

في هذا الحوار نحاول أن نسبر خبايا رجلٍ استعار اسم “قس بن ساعدة”، لنبحث مطولاً عما تمثله حواء في حياته الشخصية ونظرته للعديد من الجوانب المتعلقة بها.

السر في القدرة                                                       


ينطلق حيثنا مع أدهم الشرقاوي من عند أصفى وأصلب وأرق امرأةٍ في حياته، فيخبرنا بحفاوة: “أمي ليست أجمل امرأة في العالم، ليست الأكثر ثقافة وحضوراً وتعليما ولكنها أمي، وهذا سبب كاف لتكون أجمل امرأة في العالم. الأم لا يشبهها في عيون أولادها أحد، ربما في عيون الناس تتشابه امرأتين شكلا ومضمونا، ولكن في عيوننا نحن الأبناء هناك نسخة واحدة فقط من كل أم”.

في صغره لم تكتشف فاطمة أمه أمر موهبته، فهو نفسه لم ينتبه لقدرته على الكتابة مبكراً، ذلك أن بداياته الحقيقية في “منتدى الساخر” حين كان في الخامسة والعشرين من العمر.

سؤال كهذا يجب أن يتصدر القائمة حين يكون الضيف “أدهم شرقاوي”: “كاتب مثلك لن يستمد مداده فقط من موهبته، فإلى أي حد شكلّت المرأة عنصراً ملهماً في حياتك؟ هل تقتنع بوجود المرأة الملهمة؟ 

“لا أؤمن بوجود المرأة الملهمة أو الرجل الملهم، أؤمن بوجود أشخاص عظماء على بساطتهم يؤمنون بقدراتنا ويدعموننا. ولكن لا بد أن يمتلك المرء الموهبة أولاً، ففي بيت واحد قد يبرع شخص دون البقية رغم أنه محاط بالأشخاص ذاتهم، فلو طلّق ميسي زوجته وتزوجها رجل آخر لن يصبح زوجها الجديد لاعبا عبقريا، السر ليس في الزوجة أو الأم وإن كنت لا أنكر دورهما؛ السر في قدرة هذا الشخص وموهبته”.

في مدرسة النساء، ماذا تعلّم رجل مثلك؟

بابتسامة أنيقة لا تكلف فيها يقول: “النساء بارعات في تعليم الدروس، ربما تعلمتُ منهن مفاهيم عامة أكثر مما تعلمت دروس خاصة. من جدتي تعلمتُ أن الإنسان لا يحتاج شهادة ليكون عظيما، ومن أمي تعلمتُ معنى أن الراحة لا تُطلب بعيدا عن الله، ومن زوجتي خديجة تعلمتُ معنى أن يكون للإنسان شخص يقاتل في الكواليس بشراسة ليبقى هو في الواجهة”.

هنا قاطعته وتساءلت: ماذا تعني بجملتك الأخيرة؟

 ” أنا في الواجهة لأنها ارتضتَ أن تكون في الكواليس، ظهرتُ للناس لأنها قبلتْ أن تكون خفية، على سبيل المثال دراستي الماجستير والدكتوراه كانتا بعد الزواج، هذا بالإضافة لعملي في المدرسة والجامعة والصحيفة، ما كان لي أن أفعل كل هذا لولا أنها تقوم بدوري ودورها في البيت، وهذا شيء ذكرته في أطروحة الدكتوراه، قلت: “أشكر زوجتي التي قاتلت بشراسة في الصفوف الخلفية دون أن يراها أحد ليكون هذا العمل”.

أحب أسماء لهذا السبب

في بطلة روايته نبض، قال على لسانها: “أنا مع الحكمة القائلة: “لا تتزوج من يمكنك الزواج به، بل تزوج من لا يمكنك الزواج إلا به، وقد أنتهي بسبب ذلك عجوزًا وحيدة تتسلى بغزل جوارب الصوف لأحفاد الآخرين”. ترى هل يؤيد الكاتب هذه المقولة؟

يرد بالقول: “لست مع ولستُ ضد! هناك أشخاص يتزوجون زواجا تقليديا ويعيشون بسعادة غامرة، وهناك أشخاص أحبوا واختاروا وانتهى الزواج بكارثة. لا يمكن جعل تجربة شخصية قانونا للحياة، ولكني أكره أن يُفرق الأهل بين حبيبين، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لم نرَ للمتحابين غير النكاح”.

ماذا عن زواجك؟

.. يضحك ويكشف عن هذه الصفحة من كتاب حياته: “لم يكن زواجي تقليديا، زوجتي كانت في صفي في دار المعلمين، وقد جمعتني بها سنة زمالة عادية، وسنة حب، وكان أول ما فعلته بعد الوظيفة أن تزوجتها، ولا أجد في وصف زواجي بها غير ما قاله رسول الله عن أمنا خديجة “تلك امرأة رُزقت حبها”!

من يقرأ جيداً لأدهم شرقاوي يلحظ أنه يركز على أنموذج خديجة رضي الله عنها، فيما عائشة رضي الله عنها أيضاً كانت من أحب الناس إلى قلب الرسول، يشرح وجهة نظره مبيناً: “رضي الله عن أمهات المؤمنين جميعاً، وعائشة كما تفضلتِ كانت أثيرة حبيبة على قلب نبينا، لكني أؤمن أن خديجة لا يوجد منها نسخة ثانية، وقد كانت حدثا استثنائيا وامرأة لا تتكرر، وبدل أن نفتي ونحلل لنسمع الجواب من فم صاحب المسألة. ألم تقل له عائشة أما زلت تذكر خديجة وقد أبدلك الله خيرا منها؟ فقال: “والله ما أبدلني الله خيرا من خديجة”.

وتابع حديثه في هذا السياق: “كما أن الفترة التي عاشتها خديجة مع رسول الله مختلفة عن الفترة التي عاشتها عائشة معه، خديجة كانت في مكة حيث الإسلام ضعيف والنبي يتعرض للأذى والحصار، في حين أتت عائشة في فترة قوة الإسلام ومنعته، لم تقاتل قتال خديجة، لم تعطه مالها، لم تشهد أول الوحي معه. حديثي عن خديجة بشيء من القداسة ليس تقليلا من عائشة، أنا اتكلم عن حدود شخصية خديجة وليس في نيتي مقارنتها مع غيرها من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي لم تأتِ احداهن وخديجة على قيد الحياة، جميعهن كان لهن مقابل ومواز، أما خديجة كانت وحدها وهنا الفرق”.

نبض وأسماء شخصيات أنثوية في أعمال “قس بن ساعدة” فماذا عنهما؟

يجيب الشرقاوي: “لا وجود لأي منهما في الواقع، لقد صنعتهما على ورق، لكني أشعر أن القرّاء قد أحبوا نبض، أما أنا فقد أحببت أسماء أكثر، والسبب أقوله لأول مرة: أن نبض تكاد تكون امرأة مثالية خارقة في كل صفاتها، بينما أسماء أكثر واقعية، ففي رواية “نطفة” هي شخصية حياتية مسكوبة في أحداث رواية، تشبه النساء اللواتي نلقاهن كل يوم، تحب كما النساء تخاف وتقلق ولديها قضية”.

يتبع

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق