عامفكر

المدارس المستقلة: مدارس مرتبطة بالمجتمع

كان أول سؤال سألته حين وصلت نيوزيلاند هو؛ عن نظام المدارس، فكان الجواب: يعتمد! فسألت: يعتمد على ماذا؟ الجواب: يعتمد على سياسة المدرسة، فكل مدرسة لها نظامها، منهاجها، وحتى زيها الخاص!

مقاس واحد يناسب الجميع

احتجت عاما لأستوعب نظام المدارس في نيوزيلاند، فالمدارس عندنا في فلسطين بشكل عام، تعمل بشكل متشابه. جميع المدارس -باستثناء بعض مدارس القطاع الخاص-، تتبع وتلتزم بقوانين ونظم مقرة من وزارة التربية والتعليم. نفس المنهاج والكتب المدرسية؛ نفس المواد الدراسية وتوزيع الحصص، وإن اختلفت الجداول. نفس الأهداف المعلنة لكل درس ووحدة، ونفس مخرجات التعلم المتوقعة. نفس مقترح التحضير للمعلمين وإن خالفه البعض؛ سواء بتحسينه أو إهماله. نفس نظام التقييم والامتحانات وتوزيع العلامات وإن اختلفت الأسئلة. نفس الميزانية، نفس الزي، نفس وقت الحصص، نفس ونفس ونفس. فيكفي أن تعرف مدرسة لتعرف كل نظام التعليم في البلد.

نظام مريح للفهم والتطبيق، لا يحتاج من المعلمين والمدراء إلا الاستيقاظ مبكرا والانطلاق فورا للتطبيق، ولم لا؟ فالمفكرون والخبراء في وزارة التربية والتعليم تولوا عناء وضع السياسة التربوية الموحدة للمدارس، تلك المهمة المرهقة والصعبة والمستنزفة للوقت والجهد والتفكير. كما أنه يعطيك شعورا بالتوزيع العادل للفرص والإمكانيات، فالكل سواسية والكل يعطى نفس المواد بنفس القدر، ويمتحن بنفس الطريقة، وبالتالي؛ فالعدل والمساواة تطبق على الجميع. أليست هذه المنطلقات والدوافع المعلنة للنظام المركزي للمدارس؟ أليست هذه الحجج الوردية التي تبدو مقنعة وكفيلة بأن تسكت أي معترض؟ والسؤال: هل لمسنا هذه الحالة الوردية من العدالة والمساواة خلال 12 سنة قضيناها في المدارس؟ وهل النظام المركزي للمدارس هو النظام الافضل او الخيار الوحيد لتشكيل المدارس؟ وهل حقا النظام المركزي للمدراس هدفه العدل والمساواة ام المزيد من التحكم والسيطرة وقولبة الافراد؟ 

تحدي النموذج المألوف

 

في نيوزيلاند، يعتمد نظام المدراس الحكومية على مبدأ المدراس المستقلة[1 ]، أي أن كل مدرسة لها ادارتها الخاصة وحق اختيار منهاجها الخاص الذي يعكس فلسفتها التربوية، وما يترتب عليها من أهداف، وسياسات تربوية، فتجد تنوعا كبيرا في المناهج التي تتبعها المدارس. وعادة يتولى إقرار منهاج كل مدرسة القيادات التربوية في المدرسة، المدير والمعلمون، وأيضا أعضاء منتخبون من الأهالي أو المجتمع المحلي؛ وذلك لتلبي المدرسة احتياجات السكان ورغباتهم في كل حي أو منطقة.

هذا النظام خلق تنوعا فريدا، فمثلا هناك مدارس تتضمن مناهج خاصة، تركز على ثقافة السكان الأصليين “الماوري”، اشتغل عليها وما يزال، عدد غير قليل من أساتذة الجامعات والباحثين. وهناك مدارس اختارت فلسفة معينة مثل: المنتسوري “Montessori Method of education”، أو والدروف “Waldorf education system”. وهناك مدارس دمجت عدة توجهات معا، مثل: التعلم بالمشاريع “Project based learning” أو التعلم بالاستقصاء والبحث “Inquiry-based learning”.

وبرغم أن الرياضة هنا تمارس بشكل كبير جدا في جميع المدارس، إلا ان هناك مدارس اختارت في منهاجها أن تركز على أنشطة رياضية معينة، وتشكل لها فرقا متخصصة، أو توفر مسابح أو ملاعب خاصة بتلك الرياضات. هناك أيضا مدارس تختار مناهج خاصة للعلوم والرياضيات وطريقة تدريسها؛ وتشارك في مسابقات محلية ودولية في العلوم والرياضيات. وهناك مدارس تركز على التفاعل الثقافي لطلبتها، فتهتم بالفعاليات الثقافية وأنشطة تعبر عن إبراز الهوية الثقافية والتنوع الثقافي لطلاب المدرسة، وهذه المدارس تكون مثلا بجانب الجامعات  او في منطقة يكثر فيها المهاجرون حيث الطلبة من أصول ثقافية مختلفة. 

ولمزيد من الأمثلة؛ إليكم روابط إلكترونية لمدرستين في نفس المنطقة تقريبا، كل منها تبنت منهاجا وقيما وهوية خاصة بها. الأولى: newlandsint.school ، والثانية: raroa.school .

من مميزات نظام المدارس المستقلة أنه يخلق مسؤولية مبنية على الثقة، ليس فقط عند المدراء ومعلمي المدارس وإنما أيضا عند الأهالي والمجتمع المحلي. فالكل عليه ان يفكر ويعمل ويساهم، من أجل مصلحة أبناء الحي كأفراد و مصلحة الحي كمجتمع كما يعبر عنه المثل الافريقي “It takes a village to raise a child “. كما أنه يدفع كل مدرسة إلى بناء هوية خاصة تسعى فيها للحفاظ على سمعتها وتعزيز الانتماء إليها. هذا النموذج أيضا يفتح مجال التعلم من تجارب الآخرين، أكثر من كونه يخلق تنافسا؛ فتجد كل مدرسة تحاول أن تبذل جهدا ما، لتقدم نموذجا يتعلم منه الاخرين.

وبالرغم من أنه لا يوجد هنا مديريات تعليم لكل منطقة، إلا أنه توجد مبادرات لتجمع عدة مدارس للتعاون فيما بينها في السياسات، والافكار والتجارب وحل المشكلات المشتركة. في عالم المدارس هنا، عمل دؤوب لكنه متجدد ويسمح بالإبداع والتغيير والتجربة. طبعا هذا لا يعني عدم وجود مشترك بين هذه المدارس، ففي النهاية هناك المنهاج العام الذي تحدثت عنه في المقالة السابقة.

تحديات نظام المدارس المستقلة

 

كما هي طبيعة الأمور، لكل نموذج تحديات تواجهه، سأذكر ثلاثة منها: أولا: التحدي المادي، فالكثير من المدارس تبذل جهودا كبيرة لتوفير التمويل اللازم، سواء لتأهيل المعلمين وفق خططها، أو توفير المستلزمات. وبرغم أن كل المدارس لها مخصصات من الحكومة لكن يظل المشروع التربوي أيا كان، بحاجة لتمويل إضافي. هناك مدارس مثلا تؤجر قاعتها وأراضيها وملاعبها لجهات خارجية، مثل الأندية او الأسواق الشعبية، ومعظم المدارس أيضا تطالب الأهل بتبرعات سنوية، والتي عادة ما تكون مصدر دخل ممتاز في المناطق الغنية التي يقطنها سكان ذوو دخل مرتفع. معظم المدارس تجري فعاليات لجمع التبرعات للمدرسة، مثل: “اركض لنا” و”أنشطة مسرحية”، و”البازارات”.  كما تعمل بعض المدارس على بناء اشكال من التعاون مع مؤسسات تجارية وخيرية داعمة، تقدم لها التبرعات والخصومات.

ثانيا: تعد جودة المدارس من التحديات الهامة، وهو ما يفسر وجود هيئة في الحكومة، مهمتها مراقبة جودة كل مدرسة ودراسة أهدافها، وتقييم سياستها وأدائها ونتائج طلابها. وتصدر تقارير هذه الهيئة بشكل علني، يمكن لأي شخص أن يقرأها من الموقع الرسمي الحكومي.

ثالثا: التحديات الشخصية الخاصة مثل أن اختيار المدرسة مرتبط بمكان السكن، فقد تعجبك مدرسة ما، ولكنك تسكن في منطقة خارج نطاقها، وبالتالي ولا تستطيع ادخال أولادك إليها إلا إذا غيرت موقع سكنك. بالإضافة للتحديات التي تواجه أي نظام تعليمي بشكل عام.

التغير في مفهوم المدرسة

 

من أهم المبادئ التي يطرحها نموذج المدارس المستقلة هو ارتباط المدرسة بالمجتمع المحلي.  هذا المبدأ ليس جديدا فهو يتقاطع بدرجات مختلفة مع افكار الفيلسوف التربوي جون ديوي  ومع أطروحات تربويين فلسطينيين سواء في فترة ما قبل النكبة كالأستاذ خليل السكاكيني أو معاصرين كالأستاذ منير فاشة.

لو نظرنا الى السياق الفلسطيني الذي أعرفه على سبيل المثال، فليس شرطا أن تكون جميع المدارس نسخا مكررة خاضعة في جميع تفاصيلها لنموذج واحد مقرر من وزارة التربية والتعليم.  ليس شرطا أن تكون مدرسة في قرية من قرى جنين، يحتاج سكانها لتعلم حل مشكلات يومية وملحة متعلقة بالزراعة ومصادرة الأراضي، مثل مدرسة في مدينة بيت لحم، تعد دراسة التاريخ والإرث الحضاري جانبا حيويا وهاما من اقتصاد المدينة السياحي وإرثها الاجتماعي. ومن المنطقي والمعقول والمفيد جدا أن يكون تركيز مدرسة على ساحل بحر غزة مرتبطا بدارسة البحر والرياح والكائنات البحرية، وتعلم مهارات السباحة والصيد. وأن يكون تركيز مدرسة في جبال نابلس، على زراعة الزيتون والصناعات المرتبطة بزيتها. وأن يكون تركيز مدرسة في المخيم، على حل مشاكل الاكتظاظ وهندسة المساحات الصغيرة. وفي نفس الوقت يرتبط الجميع بمنهاج يعزز الصمود على الأرض والحفاظ عليها.

هذا النموذج يعني أن التحاق طفل بمدرسة يعني انتمائه لمجتمع. وهذا لا يحافظ فقط على الهوية الثقافية للسكان المحليين، وتعزيز الانتماء إليها، وإنما أيضا يساعد في تعلم حل مشكلاتهم اليومية والمستقبلية، واستغلال الموارد من حولهم. إنه يجعل التعلم ذا معنى، ومرتبطا بحياة الناس وآمالهم وطموحاتهم. إنه يجعل المدرسة مجتمعا محليا مصغرا، يجهّز الطلبة غدا للبقاء والنمو والتطور، وليس سجنا يقضي فيه الطلبة ساعات أمام أشياء لا يفهمونها، وإن عرفوها لا يفهمون علاقتها بحياتهم، ولا يستطيعون استثمارها في حياتهم لا اليوم ولا غدا. 

قد يكون من الترف وغير المنطقي أو الممكن، الحديث عن تطبيق هذا النموذج كما هو في مجتمعاتنا الآن، فأنا في الأصل ضد سياسة “النسخ واللصق”، وضد الحلول الفورية في التعليم. ولكن من الجيد أن يكون ذلك في البال، حين نفكر في معنى المدرسة، وكيف يمكن أن تكون حين نخطط لبناء نموذجنا الخاص بالتعليم، في يوم من الأيام.


قائمة المراجع والمصادر

[1] Starkey, L. and G. Finger (2018). Information and Communication Technology in Educational Policies in Australia and New Zealand. Second Handbook of Information Technology in Primary and Secondary Education. J. Voogt, G. Knezek, R. Christensen and K.-W. Lai. Cham, Springer International Publishing: 1-20.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق