عامفكرمراجعات فكرية

شهادات بلا علامات: طرق بديلة لتقويم حقيقي لأطفالنا

لن أنسى أول لقاء واحتكاك لي مع المدارس هنا في نيوزلندا حين ذهبت لتسجيل أولادي، تفقدت جيدا جميع الوثائق والأوراق، كانت الوثائق الأهم من وجهة نظري إلى جانب جوازات السفر هي شهادات الأولاد المدرسية.

ولن أنسى ردة فعل المديرة حين سلمتها الشهادات، نظرت لي نظرة لم أستطع أن أفهمها أبدا أو أن أميّز هل هي نظرة تعجب أم سخرية أم لوم أم عتاب! قالت وهي تعيد إلي الشهادات: “نحن نعلم جميعا أن هذه الأرقام لا تعبر عن شيء، أحتاج فقط لعمر الطفل وحالته الصحية وعنوان السكن لأسجله في المدرسة”!

التصور المألوف

لا يختلف اثنان في بلادنا على أن كلمة الشهادات تعني العلامات، والعلامات هي مستوى الطالب، وهي مستقبله ومفتاح دخوله وقبوله ليس فقط في الجامعات وإنما أيضا في بعض المدارس وبعض الوظائف. إنها العملة التي تعطي قيمة للمتعلم.

وبقدر امتلاكك لتلك العملة بقدر امتلاكك لقيمة، وبقدر تحصيلك لها بقدر حصولك على فرص وامتيازات في حياتك. وهذا الأمر ليس في البلاد العربية فقط بل في العديد من دول العالم. ولكن المشكلة أن نظام العملة هذا نستخدمه في بلادنا باكرا جدا وبشكل مبالغ فيه مع أطفالنا الصغار، حين يكون هذا النوع من النظام للتقييم عائقا حقيقيا أمام تعلم ونمو الطفل ذهنيا ونفسيا.

اليوم الدراسي في مدارسنا هو عبارة عن تنافس بين المعلمين على عقل الطالب ووعيه وطاقته. كل منهم عنده نصوص محددة يجب أن “تودع” في عقل ذلك الكائن الصغير كما “يزغط البط تماما”.

ليقوم المعلم بعد ذلك من فترة إلى أخرى “بسحبها” عن طريق الامتحانات. وأهم ما في الأمر أنها “مثلما دخلت تخرج” لا حرف ناقص ولا زائد، وأي خلل في عملية السحب هذه بعد الإيداع تعني خسارة الطالب من العملة الشهيرة المسماة: علامات. إنها العملية التي يطلق عليها باولو فريري “التعليم البنكي”، حجر الأساس في تعليم المقهورين.

ولحظة استلام الشهادات، اللحظة التي يكرم فيها المرء أو يهان، كانت هي الذكرى الأكثر توترا في طفولة العديد منا إلى جانب لحظة دخول الامتحان.

فمسلسل الرعب الذي كنا جميعا أبطاله في حياتنا المدرسية كان يحتوي ذلك الثالوث “الشهادات، العلامات، الامتحانات”.

وحين أصبحت معلمة في المدرسة ومحاضرة في الجامعة كانت عملية وضع العلامات المهمة الأكثر بغضا إلى قلبي، وبقدر حبي للتعليم بقدر كرهي للحظة وضع العلامات. كنت أكره ملاحقتي للصغار من أجل تجميع علامة من هنا وهناك قبل نهاية الفصل. والأسوء على الإطلاق هي حالة الاستنفار القصوى في ذلك اليوم العظيم المشهود، يوم تجهيز الشهادات وكشوف العلامات لتسليمها للأهالي ووزارة التربية والتعليم. وما زلت أتذكر اتصالات الأمهات، هذه تقاتل من أجل علامة مصيرية لابنها في الصف الأول! وتلك تضرب ابنها إن لم يحصل عليها. حالة جنون بالكامل.

المشكلة أن في كل تلك الدوامة نادرا ما نقف لنسأل أنفسنا: هل حقا هذه العلامات والشهادات تعبير حقيقي عن تعلم أطفالنا؟ وهل تساعد الطفل على تحسين تعلمه؟ أم أنها أداة للوصم الاجتماعي من نوعية [الأول، الراسب، الفاشل، الناجح، الشاطر، الضعيف؟] هذا الوصم الكفيل بأن يسلب الطفل الرغبة والقدرة على التعلم. كنت أسأل نفسي دائما هذا السؤال وأعرف الإجابة جيدا ولكن لم أكن أعرف البديل أو البدائل، حتى رأيت النموذج النيوزيلاندي.

تحدي التصور المألوف

لكي أكون واضحة من البداية سأكتفي هنا بالحديث عن عملية التقييم في مرحلة التعليم الأساسي وليس في مرحلة التعليم الثانوي لاختلاف التقييم بشكل كبير.  ولذا أرجو أن لا يغيب عن البال أني أتحدث عن عملية تقييم الأطفال من الصف الأول وحتى السابع تقريبا. الأمر الثاني والمهم جدا أنه هنا يتم التفريق بشكل كبير بين عملية التقييم Assessment وبين الشهادات Reporting.

أولاً: التقييم بدون امتحانات

التقييم أو التقويم عملية مستمرة يقوم بها المعلمون والمدارس من أجل قياس تقدم الأطفال. في بلادنا تعد الامتحانات هي وسيلة التقييم الأساسية والمعتمدة والموثوق بها في جميع المراحل في حين أنها هنا لا تستخدم مع الأطفال في المرحلة الأساسية، فلا يوجد ورقة وقلم وأسئلة وأجوبة وصح وخطأ. ولا يوجد أيضا علامات، لا بنظام الـ 10 أو الــ 100 أو A أو B.

حقيقة لا يوجد أي شكل من أشكال التصنيف المعلن للأطفال، فلا وجود لمسميات[ أوائل، أواخر، ناجح، راسب]. الكل يذهب للمدرسة ليتعلم وفق سِعته الخاصة واستعداداته. والامتحانات بالطريقة المتعارف عليها عندنا تبدأ في المرحلة الثانوية أي بعد الصف السابع.

يستخدم المعلمون طرق تقييم بديلة لتقييم تعلم الطلبة، مثل حل عدد معين من مسائل رياضيات بشكل فردي أو جماعي في وقت محدد، إنجاز مشاريع، كتابة مقالة أو قصة، وغيرها من الطرق التي تركز على تتبع تطور التعلم وليس القياس اللحظي لها.

أن تقدم وتطور تعلم الطفل هو محور عملية التقييم. لذلك لا يتم أبدا مقارنة طفل بآخر، وإنما يقارن الطفل بنفسه على مدار العام.

والسؤال المهم والمركزي هو: هل يتقدم في تعلمه أم لا؟ هل كتابته للقصص بداية العام وعدد الكلمات المستخدمة تزداد طوال العام الدراسي أم أنها لم تزل كما هي؟ هل مهارات الجمع والطرح واستخدام طرق مختلفة وعدد الإجابات الصحيحة زادت أم بقيت كما هي؟ هل قدرة الطفل على البحث والحصول على معلومات ازدادت أم قلت؟ هل تعاون الطفل مع زملائه وتكيفه معهم ازداد أم لا؟  

وتتوفر للمعلمين طرق تقييم لمهارات مختلفة ومراحل مختلفة وهي متاحة على موقع الوزارة للمعلمين المسجلين، منها ما هو مخصص لتقييم القراءة والكتابة والرياضيات، ومنها ما هو مخصص لتقييم الكفاءات الأساسية الخمس Key Competencies في المنهاج النيوزلندي وهي: التفكير، استخدام اللغة والرموز والنصوص، إدارة النفس أو ضبط الذات، العلاقة مع الآخرين، المساهمة (نفع الآخرين).

ثانياً: الشهادات بدون علامات

الشهادات هي الوثيقة التي يتم بها إبلاغ أولياء الأمور والأطفال بنتيجة التقييم وتسمى Reporting. والشهادة عادة تتناول ثلاثة محاور رئيسية: مهارات الطفل في القراءة، مهارات الطفل في الكتابة، مهارات الطفل في الرياضيات. توضح الصورة التالية نموذجاً لشهادة توفره وزارة التعليم على موقعها للمعلمين عن تطور تعلم طفلة افتراضية اسمها ميا خلال السنوات الأربع الأولى في المدرسة. والطفلة رغم أنها ضمن المستوى المأمول في القراءة إلا أنها متأخرة قليلا في الرياضيات والكتابة.

وفيما يلي ترجمة لجزء من الشهادة التي توضح معنى الرسم في الاعلى [للاطلاع على النسخة الأصلية كاملة انقر هنا]

الملاحظ هنا استخدام الكلمات فقط في التعبير عن تعلم الطفل واستخدام لغة مشجعة ومحفزة خالية من إطلاق الأحكام أو اللوم. الأمر الآخر هو الدقة في تحديد مواطن الخلل، والدقة في تحديد خطة العلاج لها. وتوزيع الأدوار بين المدرسة والعائلة. والأهم وضوح وتتبع تقدم الطفلة خلال عدة سنوات وخلال سنة واحدة.

اللافت هنا أن استخدام National standards أي المعايير المشار إليها في الشهادة (NS) عليها خلاف كبير وجدل وهي محل للتجاذبات السياسية. ففي حين أقرتها الحكومة السابقة إلا أنها أثارت ضجة واعتراض كبير من التربويين والأهالي، لأنها قد تصيب الطفل والأهل بالإحباط في حال تأخر الطفل عن اللحاق بما هو متوقع “Standard“.على اعتبار أن كل طفل يجب أن يترك ليتعلم وفق طاقته وإمكانياته وسرعته الخاصة وليس وفق معايير قد نختلف عليها أو نتفق أو تتغير يوما ما.

وقد كان أول إجراء قامت به الحكومة الحالية هو إلغاء فرض هذه المعايير على المدارس، وجعلها عملية اختيارية غير ملزمة في حال خالفت فلسفة المدرسة التربوية ومنهاجها الخاص. ويجرى حاليا حوار تربوي شامل حول بدائل تقييم لمثل هذه المعايير.

من هذه البدائل أن تكون الشهادات مرتبطة بالكفاءات الخمس التي أشرت إليها سابقا. وفي الصورة التالية نموذج مقترح من وزارة التربية (تمت ترجمة جزء منه) عن كيفية كتابة تقرير متعلق بالكفاءات الخمس لطفل مأخوذة من الرابط التالي

التغير في مفهوم التقييم والشهادة

 

لفتتني العبارة أدناه، والتي كتبت على حائط غرفة المعلمات في إحدى المدارس، إننا حين نتحدث عن أطفال فإننا نتحدث عن مرحلة نمو.

 وأخطر ما نفعله لهذا النمو هو أن نحبطه، وذلك بأن نجعل عملية التعلم عملية مؤلمة ومرهقة لنفسية طفل ومليئة برهبة الاختبار والخوف من الامتحانات وألم خسارة العلامات وآلام المقارنة واللوم والتنافس غير الملائم.

ما تأكد عندي وبت الآن أتحدى به كائنا من كان، أن النظام الحالي لتقييم الأطفال في مدارسنا ضرره أكبر من نفعه. وليس هناك أي سبب يدفعنا لوضع أطفالنا في هذا الضغط المبكر وهم ما زالوا في عمر التفتح. ليس هناك أي سبب يدفعنا لأن نقتل الرغبة في التعلم وتعريض أبنائنا لحالة إحباط منظم وفقدان الثقة في أنفسهم وقدراتهم من أجل علامة أو امتحان.

ولو صارحنا أنفسنا سنجد أن السبب الوحيد لبقاء هذا النموذج هو كسلنا وعجزنا أن نغيّر هذا الإرث الذي أنتج أجيال تكره المدرسة والدراسة والعلم والتعلم. وأن استخدام بعض الأطفال الذي استطاعوا التكيف مع هذا النموذج (عادة أوائل الصف) للدلالة على أن نظام الامتحانات والعلامات مجدي هو استدلال خاطئ تماما لأنه يشير إلى الاستثناء وليس إلى القاعدة.

مؤخرا حتى الدول الأولى في التعليم في العالم  مثل سنغافورة حدّثت نظام تقييم الأطفال في المرحلة الابتدائية، وذلك بعد التحذيرات من أن متطلبات المستقبل ستحتاج مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة وليس الحفظ وحل أسئلة الامتحانات. للمزيد عن هذا الموضوع 

بالنسبة لي فإن أخطر سيناريو ممكن أن يحدث هو حالة النسخ واللصق والترقيع التي قد يتبعها البعض في التعاطي مع هذا الأمر. فنطالب المعلمين مثلا بتطبيق هذه الطريقة في ظل نظام مليء بالمواد الدراسية ومناهج للحفظ والبصم، أو دون تدريب وإعداد المعلمين بشكل كاف على استخدامه.

أو أن يأتي مثلا من يطالب المعلمين بدمج الطريقتين في تقييم الطلبة فنزيد الطين بله ونرهق المعلمين بالمزيد من العمل ونرهق الطفل بالمزيد من الضغط. أن نجاح هذا النموذج مرتبط أساسا بنظام تعليمي مرن يركز على محاور أساسية محددة، ويستند إلى أبحاث أكاديمية وتأهيل منظم للمعلمين وتهيئة للمجتمع المشبع بثقافة “علامات بترفع الراس”.

إن الكثير من الجهد والعمل في عمل الامتحانات وإصدار الشهادات والعلامات ورصدها وتدقيقها يمكن أن يصرف على تقييم حقيقي لأطفالنا في المدارس. تقييم يفهمه من يقرأه وينتفع به لا ليستخدمه في حفلات التباهي ومواسم المقارنة.

هذا الأمر ليس خيالا ولا مستحيلا، ومادامت هناك شعوب ومجتمعات استطاعت التغلب على ثقافة التعليم البنكي فانه بإمكاننا في يوم ما أن نقوم بذلك. دوام الحال من المحال وسيأتي اليوم الذي نستطيع فيه إبداع نظام تربوي جدير بنا وبأبنائنا، يحترم إنسانيتهم وكرامتهم وقدراتهم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق