تاريخ و أدبعام

تربة خاتون: عمارة مملوكية بقرب باب السلسلة

تتميّز مدينة القدس، بكثرة المباني العمرانية القديمة، ولكن المتجول في هذه المدينة والناظر لهذه المباني قد يجهل بأن عمر بعض هذه المباني قد يمتد لآلاف السنين، وأنها قد بُنيت في عصر إسلامي ساحق في القدِم.

فقد اهتم سلاطنة العصور الإسلامية بتشييد العمران في مدينة القدس تحديدا؛ وذلك باعتباره- أيّ العمران- سبيلا لإرهاب الأعداء وأحد أدوات التي يستعينون بها لتعزيز سيطرتهم على المدينة،لبقى هذا العمران مؤكدا على عروبة وإسلامية هذه المدينة. 

تُعد “التُرَب” من أبرز أنواع العمارة في العصر الإسلامي التي اشتهرت بها مدينة القدس، والتُرب في التعريف الأثري المعماري تعني المقبرة أو الضريح كله بما في ذلك اللحد والقبر في باطن الأرض، وتشمل أيضاً البناء العلوي وملحقاته الظاهرة على سطح الأرض.

صُمِمت التُرَب في العصر الإسلامي كأبنية متكاملة، فاشتملت على إيوان للصلاة، وقاعة ورواق لزيارة الضريح، وفيها أيضاً مراحيض واصطبل وصهريج وسبيل وكتّاب.كل هذه الملحقات تدخل تحت عمارة التربة. وقد اعتاد المعمار المسلم أن يجعل التربة أو المقبرة إما مستقلة في مبنى خاص بها، وإما متصلة بمسجد أو مدرسة أو خانقاة أو غير ذلك.

حظيت “التُرَب” أيضاً بصبغة جمالية معمارية، فكانت تزين بالزخارف والنقوش، وكان لأغلبها قبة مصنوعة من الحجر المنحوت المزين بالزخارف النباتية والهندسية والكتابية،أما الدفن فيتم في حفرة مستطيلة في باطن الأرض ذات فتحة واسعة باتجاه القبلة، وتغطى الحفرة بحجارة ترتكز أطرافها على جانبي المستطيل، ثم تقام عليها بناء طاهر لا يتعدى ارتفاعه قامة الإنسان، وغالباً يتصدر هذه التربة شاهد من الحجر أو الرخام يشتمل بعد البسملة وبعض الآيات القرآنية المتعلقة بالموت، وعلى اسم المتوفى وتاريخ وفاته. 

تركان خاتون: الأميرة الخوارزمية

صورة تضوح مخطط تربة تركان خاتون.

إنها تركان بنت الأمير طقتاي بن سلجوقاي الأزبكي، كانت سلطانة خوارزمیة من خوارزم، وهي بلد كانت قائمة في وسط آسيا، غادرت بلادها أثناء غزو المغول عليها.وهي سليلة إحدى الأسر الإسلامية التي حكمت في شرق العالم الإسلامي والتي عرفت باسم خانات القرن الذهبي في إشارة للعصر الذي ازدهر فيه الإسلام وحكم مناطق واسعة في العالم.

ويبدو أن تركان خاتون قد رغبت بالإقامة في مدينة القدس بعد عودتها من أداء فريضة الحج، ثم قررت الاستقرار فيها؛ وذلك إيمانا منها بمكانة القدس الدينية باعتبارها أرض المحشر والمنشر. ثم قامت بجلب جميع أموالها وممتلكاتها وأمرت ببناء هذه التربة، غير أنها توفت قبل اكتمال البناء، فدُفِنت فيها وتم إكمال البناء بعد ذلك. 

معلم تاريخي مطل على باب السلسلة

 

تقع التربة مقابل المدرسة التنكزية في أول الجهة الشمالية من طرق باب السلسلة في جهة الخارج من المسجد الأقصى المبارك، ذلك بجوار التربة السعدية من الغرب، تم وقفها في سنة (753هـ/1352م). تميزت تربة تركان خاتون مقارنة بغيرها من الترب بكثرة الزخارف الجميلة، والتي تتركز في الواجهة الرئيسية الجنوبية الخارجية المطلة على شارع باب السلسلة.

تتكون التربة من حجرة معقودة بثلاث جدران معقودة أيضاً، ورابع مفتوح على حجرة صغيرة، يبدو أنها كانت موجودة أصلا عند بناء التربة. في هذه الحجرة يوجد قبر السيدة تركان. 

التكوين العمراني للتربة

 

النقش التأسيسي لوحة رخامية مستطيلة الشكل منفذة بخط الثلث بالحفر البارز والغائر، وهي تتكون من أربعة أسطر، يفصل بينهم خطوط بارزة بشكل مستقيم، الموجود على الواجهة “بسم الله الرحمن الرحيم كل، نفس ذائقة الموت عمرت هذه التربة لأجل، الشهيدة تركان خاتون بنت الأمير تقطاي، بن سلجوقاي الأزبكي سنة ثلاث وخمسين وسبعمية”.

كان يتوصل- أي الطريق الموصول – لهذه التربة عبر مدخل غربي أغلق في مرحلة ما، ولا أثر له حاليا بسبب وجود مبنى مجاور، واستعيض عنه بمدخل جنوبي كان في أصله شباكا، وهذا المدخل الذي لا يزال يستخدم حتى أيامنا هذه. يفضي هذا المدخل إلى الغرفة الجنوبية الأكبر مساحة من نظيرتها، وفوق هذه الحجرة المعقودة قبة تحملها رقبة ثمانية الأضلاع، لكل ضلع نافذة صغيرة، ويتخلل القبة فتحات للتهوية.

تقع الغرفة الثانية على شمال الأولى، وفي وسطها ضريح تركان خاتون الذي جاء بشكل مستطيل ممتد من الغرب إلى الشرق. وهو ضريح متوسط الحجم إذا ما تمت مقارنته مع الأضرحة الأخرى في القدس، وهناك بقايا بلاط يشير إلى أن التربة كانت مبلطة.

وأهم ما يميز تربة خاتون هو واجهتها الرئيسية الجنوبية، المطلة على طريق باب السلسة التي تعبر عن طراز العمارة المملوكية المحضة، وتتخذ هذه الواجهة شكل المستطيل، مبنية من حجارة بيضاء تحولت إلى رمادية بتأثير العوامل الجوية.

قسمت الواجهة إلى قسمين متماثلين، يشغل الجزء السفلي في كل قسم شباك مستطيل تتقدمه مصبعات [ وهو لفظ يستخدم للتديل على الحمايات الحديدية التي تغطي الشبابيك]، ويعلو كل شباك عتب حجري [درجة حجرية توضح تحت الشباك أو فوقه]، وضع فوقه حشوة حجرية مستطيلة نقش عليها بالحفر البارز زخارف هندسية ونباتية، ويعلو هذه الحشوة لوحة حجرية مربعة حفر فيها زخارف متشابهة، ويتوسطهما نقش تذكاري من الرخام يحمل اسم الواقف وسنة البناء.

 عمارة مملوكية: مسحة من الجمال

 

تتألف الزخرفة الخارجية للواجهة المطلة لطريق باب السلسلة من دخلتين رأسيتين بعمق اثنتي عشرة سنتيمترا عن سطح الواجهة الخارجية، في كل دخلة نافذة مستطيلة عضادتيها من الأبلق وعقد مستقيم فارغ من الزخرفة من الحجر الجيري، يعلوه عقد مستقيم آخر مزخرف، يعلوه تربيعية مستطيلة تقف بشكل رأسي بطول ثلاثة مداميك، وعرض مدماك ونصف. هذه التربيعية غائرة التجويف بعمق ثلاث سنتيمترات عليها زخارف بارزة.

وبين هذين التجويفين هناك تربيعتان، وهي زخرفة لها طوق بشكل هندسي ووريده في الوسط، يوجد على التربيعة العليا نقش ويحيط بسطح الواجهة الخارجي إطار ذو رقبة معكوسة، في داخله تجري زخرفة نباتية لورقة ثلاثية، هذه الزخرفة تجري بشكل متتابع وكأنها قالب لأنها بنفس الحجم.

أما الزخرفة الداخلية فتتوزع في لوحات مستطيلة الشكل بنماذج مختلفة لزخارف هندسية وفي وسطها زخارف لوريدات، كما توجد لوحة مربعة الشكل تجمع ما بين الزخارف النباتية والهندسية، كما يوجد محراب يقع ما بين النافذتين في الداخل على الواجهة الجنوبية، وهو محراب مسطح دون تجويف لضروريات المساحة المتاحة.

في مركز طاقية المحراب عقد صغير منكسر كأنه مركز لنصف وردة تتكون من تسع بتلات، ويحيط بطاقية العقد قوس مخموس ينتهي بتميمة معقودة، ويزخرف القوس زخارف نباتية عبارة عن زهرة اللوتس بشكل تجريدي.

وتجدر الإشارة هنا إلى قدرة المعمار المسلم  في ذلك الوقت للوصول في زخارفه النباتية إلى درجة عالية من السمو والدقة جمع فيها بين الخطوط الهندسية والأشكال النباتية، وهو ما عرف بفن الأرابيسك التي حوّل فيها الفنان الخطوط والنباتات إلى معزوفة موسيقية بصرية.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق