هل جربت السجن يوما؟

“ديروا بالكم ع حالكم ودينكم وأمكم، ادرسوا منيح وارفعوا راسي، صِلوني بالدعاء”.

“في أمان الله، رأسك مرفوع دائما، استودعناك لله”.

كان هذا الحوار الأخير بينهم، كانت تلك الدقائق الحاسمة لفراقهم، لم يودّعوه لرحلة سفر، ولا حتى إلى منحة دراسية، لم يذهب لإتمام صفقة تجارية، ولا حتى إلى رحلة علاج في إحدى المستشفيات العالمية..، إنه ذاهب إلى السجن! يودعونه إلى أجل غير مسمى، يودّعونه إلى قدرِ غيبٍ غير معروف، بثبات وقوة عجزت الأرض من تحتهم أن تحتملها فاحتملوها، ودّعوه وكانوا حينها لو انتُزعت أرواحهم أهون ألف مرة من انتزاعه منهم.

ما أصعب أن تُنتزع الروح من الروح! ما أصعب أن تعيش مهشّما يا بنيّ! كل جزء منك في بقعة، يا لقساوة قدر يُقسّمك ويشتّت فيك شملك! والوطن.. يا للوطن الذي ضاق بنا ذرعا! الوطن أمسى سجننا يا أبتي، الوطن الذي نعشق ترابه دفننا في أعماقه يا أبتي، الوطن الذي نعشق نور شمسه نفانا وراءها يا أبتي، آه لو تدري يا أبي ماذا فعل بنا الوطن! أتذكُر يوم قلت لنا من لا يحارب لحرية وطنه ليس بإنسان؟ من لا يدافع عن وطنه جبان؟! أتذكُر يوم جمعتنا وقلت لنا الوطن غالي، ما أغلى الوطن يا أبتي! الوطن.. لأجل حريته حبسك وحبسنا فيه يا أبتي..!

مرت الأيام والشهور، تعاقبت السنين تلو السنين، حكمٌ لقضية، أو اعتقالٌ إداري لملف سرّي، والتهمة؛ ثائر وطن وعاشق لترابه! تكاثرت الأيام وتغيرت الأحوال، مدن برمتها تغيّرت، فلا الشوارع يعرف ولا الطرقات، محلات وأبراج شاهقة لن يتخيلها يوما، الدنيا من الخارج تغيرت وانقلبت عن بكرة أبيها.

وحيث يعيش؟
_قلت لي يعيش؟!
نعم، فقد أضحى السجن مرتعه وحضنه الدافي! قد أمسى بيته ومأواه!
_ألم يحب الوطن؟!
نعم!
_وأكرمه بعيشة في جوفه؟!
الوطن كريم، إلى الحد الذي يخشى عليك أن تعيش إلا فيه! كثرة الحب تقتلك أحيانا!
_أتراه اعتاد؟!
هل تعتاد وخز الشوكة وإن توالت؟!
_وأهله؟
تغيرت أحوالهم، لا يعرفون عنه إلا القليل ولا يعرف، أبناؤه أتموا مراحلهم الدراسية الأولى، وذاك التحقت ابنته بالدراسات العليا كما يحلم وهو بعيد، هذا الذي تراه فوق “البرش” حزينا باكيا قد تُوفي والده قبل أسبوع واليوم جاءه الخبر، وذاك ينكبّ على كتابه علّه يشغُل نفسه فيه، أما هذا الذي يُهرول تجاه فتحة الباب ينتظرها تُفتح ليسمع كلمة “شحرور” فاليوم قد أتم عقده الأول في السجن، وذاك يتربع واضعا ذبلته نصب أعينه يتطلع أملا تركه وحبا أزهد فيه، ما أصعب سجن الروح والجسد مجتمعين! ما أقسى أن تُبعد قسراً عن حبك ووطنك، عن كلّ، لن أكمل.. فلكل واحد منهم قصة وحكاية!

السجن يا عزيزي كالوطن، كالحب، كالشوق، كبير إلى درجة أنك لن تجد فسحة لتجلس وحدك، فائض بالناس لدرجة أنك غريب لا تعرف أحدا، يحتشِد الناس حولك ولكنك وحيد.. وحيد جدا، السجن!!.. هل جرّبت أن تُسجن يوما؟ هل عشت شعور أن يكون لك أحد أسير؟ أوَ تعرف معنى السجن يا صديقي؟ أسمعت يوما عمّا يعانونه؟ أأحسست يوما باكتواء قلب أم أسير؟ أسمعت شهقات زوجته المنكوبة؟ أأبكتك يوما خفقات ابنته؟ أهزّك قهر ابنه الشاب؟ ما تعرف عن السجن يا رفيق، أسماء تتلعثم في ذكرها؟ أم قيود وجدران؟! السجن كالجنة يا صديقي، ألم يتغنوا فيه “السجن جنات ونار” فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا يخطر على بال إنسان حرّ طليق في وطنه.

دعني أحدثك قليلا عن ويلات السجون، هناك شيء يسمونه “البوسطة” تقوم بنقل الأسير من قبر إلى قبر وهو حيّ يرزق، لا نعلم تماما إن كان حي أثناءها، تلك اللعينة أمرّ ما يعانونه، يقطعون مسافات مُقيّدين على حديد بارد صدئ، يتراشقونهم من كل صوب ويرمونهم في مقبرة جديدة قيْد تدبير أمورهم، تلك المشؤومة قد تأخذ أسبوعا وأكثر لمسافة لا تأخذ أكثر من ثلاث ساعات، أمتعطش للمزيد؟ أم جفلتَ لهذا؟

أيستوعب عقلك أن تكون على فراش المرض مكبّلا مقيّدا لا تقوى على الحراك، وتحت أعتى القوى الحراسية في مشفى عسكري؟ تتأوّه وليس من أحد يشدّ عضدك يقوّيك، أو يمسح تصبب عرقك، هذا وإن حَسُن فيك المآل بعد أن تكون قد شارفت على الموت، أو مُت. مشافيهم كالفردوس يا صديقي، حُلم صعب المنال، ربما تنالها إن يئستْ حبة “الأكامول” عن علاجك للمرة الألف! ها؟ هل لديك قدرة على استقبال المزيد مما تجهل؟ أعندك استعداد أن أُكمل لك أساطير السجون؟ أتدري حتى هي ذاتها تتفاوت في المأساة؟! هناك سجون سبع نجوم، لا أمزح! أتعرف ما يباريها مع غيرها؟ جهاز صغير كل قطعة منه مترامية متهالكة، يُجمع على أنه محمول، مُهرّب بالطبع! توضع لأجله أكثر أجهزة التشويش تطوّرا لصدّ موجات التواصل مع الخارج، الخارج الذي أنت منه وكلّك فيه، الخارج الذي نُفيت عنه ودفنت، الخارج.. يا للحظة تُعيدك إليه حرّا طليقا!

قبل أن أنهي، تذكرتُ شيئا قد تعدّه أنت عاديّا، شيئا لن نفهمه نحن الذين نعيش في الخارج، تذكُر كم كانت ورقة الحضور والغياب تُغيظك؟ تذكُر كم كانت بصمة العمل تضبط حريتك؟ رغم أنهما باسمك، لك صلاحية التهرّب والغياب، أو على الأقل بيدك القدرة على تنفيذ ذلك، لك أن تتخيل.. سجن منفيّ معزول، سجن مُراقب بأشرس القوى، تماما كالقبر.. لن تستطيع فيه حراكا، مُقيّد أينما تذهب، مراقب أينما تتوجه، ومع هذا، يهابونك! يخشون هروبك! يخافون تسلّلك من بين أنياب الأسلاك الشائكة.

والذي وإن تم فستصيدك رصاصة النائم في أعلى البرج، لن تسمع حينها صوتها أصلا! ستقتُلك فقط. ومع هذا يا رفيقي.. يعاملونك بلغة الأعداد، نعم، يجب أن تكون يقِظا، لك عدد معيّن، يُلازمك أكثر من جسدك، قد تسمعه في اليوم ثلاث مرات بل أكثر، قد تنسى اسمك ما لم يتلذّذ بأحرفه أحد، أنت رقم هنالك يا صديقي، أوَ أشد غيظا من هذا؟ أوَأكثر استحقارا من هذا؟

لم أُكمل ما بجعبتي بعد، لن أستطيع المواصلة، جاهلة التفاصيل رغم علمي بما يدور، فقيرة الأحداث رغم أني عشتها لأكثر من عقد، لا يكفي أبدا أن تسمع أخبارهم من بعيد، لا يكفي أبدا أن تكون حتى من أهل ذلك الأسير لتفهم ما يعانونه ويعيشونه، من يأكل العصا ليس كمن يعدها يا صديقي. لن أُكمل، ليس لما سبق وفقط، لأنّي وإن أكملت وتابعت وأخبرتك بكل شيء، ستقرأ هذه الأسطر كاملة؟ لن أراك بتلك القدرة، وإن قرأت، بكبسة زر ستغلقها وتعود لحياتك الطبيعية، وإن تأثرت للحظات فهي صدّقني لن تدوم، لن يؤلم الجرح إلا من به ألمّ..

لكن أرجوك يا رفيقي، لا تُنكِر عليهم أوجاعهم، لا تبدّد ما تبقى من أحلامهم، لا تؤذهم ولا تقتل آمالهم، لا تؤخر بحماقتك نصرهم، ادعُ لهم يا رفيق، صلّ لأجلهم، الدعاء يغيّر الأقدار حتما.. وأرجوك أرجوك .. جرّب أن تُسجن ولو يوماً واحداً فقط!
جرّب السجن قليلا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق