أساطير سنوات الزواج الأولى: عن السعادة الأبدية!

شهدت مؤخرا تعدد حالات الانفصال لشريكين لم يمر على زواجهما عاما واحدا، علامات الريبة والتعجب تحيط بقرار الذكر والأنثى حين يقرران إنهاء كل شيء، الحب والود والعشرة، الأمر لا يتعلق بانفصال شريكين فقط، بل أسرتين بشكل كامل.

في هذا المقال، سأتناول بعض الأساطير التي وقعت فيها شخصيا في سنوات الزواج الأولى، ولا زلت أقع فيها حتى بعد 7 سنوات من الارتباط.

(1)

الفهم ليس كل شيء القدرة هي الأهم: أدرك تماما أنه من الضروري أن يحيط الشريكان بحقوق وواجبات الآخر، لكن في كثير من المواقف ننسى فيها ما قرأناه، وما كرره أهلنا على مسامعنا كي نحافظ على الزواج، أو بالأحرى لا نريد أن “نفهم” لأسباب كثيرة، الفهم والمعرفة بالطرف الآخر وحدها لا تكفي، لا بد أن تكون لدينا قناعات داخلية أنه علينا أن نغض الطرف عن رغباتنا، وحاجاتنا، أن نتنازل عن شيء من الحرية والقوة والسلطة التي نبحث عنها لأجل المحافظة على شريك الحياة أو على الأسرة كاملا.

كم من امرأة منعها زوجها من الخروج للعمل، رغم أنها عُرفت بسعيها الدؤوب وتفوقها وتميزها، فاختارت ورضيت لأجل أن تكون أسرتها سعيدة. كم من رجل روّض نفسه على كظم غيظه أمام حالات الغضب والصوت العالي الصادرة عن زوجته في مواقف متعددة، ومحاولاته الدائمة لتكون أما أفضل لذاتها وأطفالها. كم من أنثى رضيت بأن تحيى في بيت أهل زوجها، وتتحمل ما لا تطيق لأجل أن يكون زوجها سعيدا.

الفهم ليس كل شيء في هذه الحياة، الكثير من الذكور والإناث على وعي تام بقدسية الزواج والارتباط، لكن لا يرغبون بتاتاً الانصياع لما يفرضه الواقع “هم يريدون شريكا رائعاً ورومانسياً لكن بدون دفع أي ثمن”، وهل هذا فيه شيء من المنطق؟

(2)

في سنوات الزواج الأولى يأتي الشريكان محملان بأفكار وثقافة وعادات مختلفة، وكما يقول جون غراي المرأة تكون من المريخ والرجل من الزهرة: “المرأة تريد من الرجل أن يفهمها بنظرة “عين” والرجل يريد من المرأة أن يفهمها “بإشارة” منه”، وهذا ضرب من الخيال والمستحيل، يحتاج الشريكان وقتاً كبيرًا للتناغم والتفاهم ووضع الخطوط العريضة، وفي هذه النقطة دائما أتذكر جدي وجدتي فهو لم يزل حتى اللحظة ينهرها، لأنها لا تتقن طهي “الملوخية” التي يشتهيها؛ رغم مرور 60 عاما على ارتباطهما، ويكره فيها خلق التسويف، فكيف بشريكين مر 3 أشهر على حفل زفافهما!

العلاقة الزوجية تحتاج إلى وقت كي تنضج، وتشتد، ويقوى عودها، وهذا لن يكون إلا بجمر المواقف والأفعال والأحداث اليومية، التي تجعل الإنسان أكثر التصاقا وحبا لشريكه، فلا ينظران لكل ما يلمّ بهما أنه عثرة ودعوى للانفصال والتخلي.

(3)

الزواج ليس مليئا بالأحلام الوردية، ومن يقول ذلك، فهو لم يحيى أعمق معاني الزواج ويتجلاها واقعا، الزواج تعب، إرهاق، نكد، عصبية، تسويف، مشاكل، جدال، قلق، توتر، ضغط نفسي وجسدي؛ لكنه في ذات الوقت سكينة، راحة، نقاء، ود، استقرار، توازن، عفة، زهد هذه هي الرؤية المتوازنة للزواج.

لا تصدقوا أن كل شريكين على هذه الارض هم سعداء سعادة تامة، كل إنسان له حكايته، قصته، سرديته الخاصة به، لكل منهم محنته وشقاؤه، ولكن كل “ثنائيان” جمع الزواج بينهما قررا أن يتخطا كل تعاسة الكون لينعم أحدهما بدفئ يد الآخر، وبضمة فيها كل سعة الدنيا، وبنظرة حانية تحيى كل معاني الحب، لأجل هذه اللحظة يصارعان، يواجهان، يتجاوزان الكثير لأجل أن يكونا “معا”.

(4)

الزواج هو فعليا دورة تدريبية، يروض فيها الانسان ذاته بناء على رغبات الطرف الآخر، وبنظري هذه أصدق “علامات” الحب وأسماها، أن يغير الانسان ما فيه من طباع وسجايا لأجل أن ينعم شريكه بالسعادة، وهذه ليست خطوة سهلة تحتاج الكثير من الصبر والحكمة والذكاء والدعم والتشجيع؛ والتي عادة ما يتم التعبير عنها بالقول: أشكرك لأنك لم تغضب في الموقف الفلاني، أنا أشعر بأنك تعبت اليوم، أنا أقدر محاولاتك الدائمة يا زوجتي لتجنب الصراخ وغيرها؛ فبعض الشركاء يعتبر أنه من مهماته إصلاح الآخر ويعامله كما لو أنه قاضٍ والآخر مجرم، لا كأنه إنسان يأخذ بيده ليكون الأفضل لذاته ولأسرته.

(5)

قل.. تحدث.. عبّر: أنا انزعجت عندما لم تساعدني في عمل البيت، أنا استأت منكِ لأنك لم تحترمي أمي، على الشريكين أن يعبر لكل منهما ما يريد من الآخر، ليس هناك توقع ولا تخمين في حياة الأزواج، خاصة في الأشهر أو السنوات الأولى، قل عبارات واضحة مربوطة بــ”الأنا والمشاعر” ستختصر الكثير من المشكلات.

(6)

تعلّما معا: لا تفترض أن زوجتك تفهم كل شيء، ولا تفترضي أن زوجك يفهم كذلك، علماّ بعضكما الثقافة والإتيكيت والأفكار والعادات التي تربيتما عليها سويا، يعني أنا أحب عندما يأتي أهلي ملبين دعوة الغداء أن تستقبليهم عند باب المنزل، أنا أحبّ كل فترة زمنية أن تتصل بوالدي لتطمئن عليه وغيرها.

(7)

قل أو قولي لا: على الشريكين أن يقولا كلمة “لا” ويغلقا الأبواب لكل ما يمكنه أن يعكر ويشتت صفو الحياة الزوجية، فمثلا، بعض الأزواج لا يقبل أن يكون لزوجته علاقات اجتماعية واسعة، بعض الزوجات كذلك ترفض سهر زوجها المتكرر خارج المنزل، أو يرفض أحد الشريكين الخروج للسوق بصورة متكررة، ولو كان لهدف واضح، كلما تم إغلاق النوافذ التي من شأنها أن تحدث القلاقل في الأسرة، كلما ساعد ذلك على استقرار الشريكين واستمرار العلاقة، وهذا بالطبع يحتاج إلى جهد واجتهاد من الطرفين.

(8)

هناك دائما في الحياة الزوجية شخص يعطي أكثر من الآخر، ويقبل أكثر على الآخر، ليس هناك شريكان يتطابقان في الاندفاع بنفس القدر أي بصورة تامة ومطابقة، هناك دوما من هو متدفق بالمشاعر، وآخر متجنب لها يعبر بطريقة أخرى، هناك من هو كريم وآخر حريص أو بخيل، لا تظني أو تظنّ أن الاندفاع السلوكي والوجداني لا بد أن يتطابق، فإذا أردت أن يتطابق ما تحلم به من الشريك لايكون ذلك سوى بالوضوح والتدريب.

الحب ليس اشتداد بل امتداد، الحب موقف وسلوك، الحب صبر وذكاء وحكمة، الحب سرّ الزواج والحياة. ونتذكر دائما قول الحبيب “ص” لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً، رضي منها آخَرَ”…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق