عاممدونات

“انتصار الكرامة”..النور آخر النفق

على سرير حديدي لا غطاء لي سوى كلمات التصبير التي عودت نفسي على قولها، ولا فراش يمنع عظامي من الارتطام بذلك الحديد، أكاد أموت لولا أن الله يكرمني بغفوة قصيرة ينزل عليّ النعاس فيها أمنة منه، فأرى زوجتي بجانبي وطفلتي تأتي من جانب السرير تريد أن تنام بجانبي فأضمها وأسمع ضحكتها التي أذكرها جيداً، لا بل إنني أراها وأسمعها وأضمها حقاً، وكأن الله يُهديني هذه الرؤيا فتتمثل حقيقة أمامي.

سرعان ما أستيقظ فأسمع صوت عظامي تدق الحديد دقاً وجروحي لا زالت تنزف، أنفي ووجهي ورأسي ليسوا كما عهدت، تلك الجروح غيرت معالمي ورأسي أصبح مليئاً بالجبال والأودية المؤلمة.

تلك الليلة لا تُنسى، بل إنني عندما أذكرها تكون كمشهد في فلم حربي يرى فيه ذلك الجندي نفسه في الحرب وكأنه يعيشها مجدداً، يرى القنابل تتساقط، يسمع صوتها ويشم رائحة البارود كأنه هناك مجدداً، يشاهد الدماء ويستيقظ بصراخ مدوي، فيشعر كأن جروحه لا زالت تنزف ولم تبرأ قط.

أنا ذلك الجندي الذي طالما شاهدته على التلفاز ولم أتخيل أن هذا يحصل في الواقع قط، ظننت أنه إبداع مخرج والكثير من المؤثرات البصرية والصوتية. لكن هذه الليلة لم تكن على التلفاز، ولم تكن من صنع المؤثرات، فقد اقتحموا السجن العفن الذي كُبلنا به وأخرجونا منه قمعاً وعزلاً وضرباً، ونقلونا لقسم آخر ليمنعونا من التواصل مع أحبتنا من خلال أجهزة هواتف مهربة كنا نسميها ” الصرصار” فهي صغيرة سوداء مقززة إلا أننا كنا نحبها لأنها تصلنا بمن نحب.

قررنا حرق القسم الذي نُقلنا إليه، في محاولة يائسة منا أن نعود من حيث قُمعنا، اختنقنا في السواد الذي صنعناه بأيدينا، وقبل أن نستشهد وبعد أن نطقنا الشهادة، أخرجونا وألقوا لنا بخراطيم المياه لنخمد ما حرقنا، أصبح السجن الأسود أكثر سوادً، وامتلأت الأرض بمياه سوداء باردة كقلوب سجاننا، ثم أدخلوا علينا وحدة “المتسادا” التي لن ترا مثلها قط، وحدة لا يسمح لك بالنظر إليها، سوداء قاتمة كجني أرعن من جنود إبليس اللعين.

أمامك ثانية لتنبطح أرضاً رغم سواد وبرودة المياه، أما من تردد فسيطلق عليه رصاص الفلفل، عليك أن تنبطح ولا تلتفت؛ بالتفاتك سيكسر لك عضو أو يحصل لك ما هو أعظم، لا أحد يخمن عذابهم الشديد، أسمع صوتهم وأشم رائحة غيظهم يتخطونا ببساطيرهم يضربوننا دون رحمة، كلابهم تشمنا تريد أن تنهشنا نهشاً، كبلونا…

عليك أن تُكبّل دون أن تقاوم، مقاومتك تعني أن يهشم رأسك في الأرض، رغم عدم مقاومتي إلا أنهم ضربوني ضربة بكعبهم جعلت أنفي ينزف، سلمونا لوحدة “اليماز”، فدفعوا بكلابهم المسعورة التي بدأت تضربنا دون رحمة بالحديد الذي ثبت على فمها، فامتلأ وجهي كدمات وجروح عميقة، رفعوني ومشوا بي مسافة ١٥٠ متر من الضرب بالعصي والهراوات وألقوني بالزنزانة في البرد بملابس مبلله وجروح تنزف بغزارة، ما كان يصبرني أنني سأعود إلى قسمي أخيراً ما أن ينتهي العزل…

ولكن العزل انتهى بعد خمس ساعات، انهكت فيها عظامنا من الصقيع وخجلت منّا جراحنا كثرما نزفت، ولكننا عدنا للقسم الذي حرقنا، ولبثنا فيه مدة من الزمن دون أي مقوم للحياة نمنا على الحديد بملابس مبلله جفت علينا بعد ثلاثة أيام، كنا نعادل درجة حرارة أجسادنا بأن نخلع ملابسنا ونقف تحت الماء الساخن ثم نعود لنرتدي نفس الملابس المبللة من جديد.

أرسلوا لنا طعاماً خاصة بأسرى الزنازين، هل يكفيك أن تأكل القليل من اللبنة مع أربع أرغفة خلال ٢٤ ساعة كاملة، وتمكث على ذلك أيام طوال، قررنا الإضراب رغم أن أجسادنا قد انهكت من كل ما عشناه. إضراب كرامة لا نرضى بأن تذل، أيام مرت كسنين ولكننا انتصرنا على عدونا كما اعتدنا، لنعود لأقسامنا وقد انتزعنا حقاً جديداً بأن يضعوا لنا هواتف قانونية في كل قسم، نكلم أحبابنا منها ونتواصل معهم، هكذا اعتدنا أن ننتزع حقنا انتزاعاً وأن نقتطع من أجسادنا لنعيش بعزة.

في كل مرة تكلم أحبتك وتجالسهم، في كل مرة ترفع سماعة هاتفك لتتصل بأمك وزوجتك وأخوتك وأبنائك تذكرنا وتذكر أن لك أخوة في السجون ينتظرون منك تضامناً وإسناداً ودعوة.

بهيه النتشه

زوجة أسير تمثل امتداد لمسيره، وتسعى لإيصال رسالة الأسرى وعائلاتهم للعالم. موظفة حكومية في تدريس التربية الإسلامية،محاضرة جامعية سابقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق