أسماء الشرباتي: حكايات الأسرة والتجارب

منذ عدّة أعوام، تحافظ على روتين تنفّذه في “موسم الالتحاق بالجامعات”، إذ تشارك في محاضرات إرشادية لخريجي الثانوية العامة لتوعيتهم بكيفية اختيار تخصصاتهم الجامعية، حتى لا يكونوا ضحية “الفخ” الذي سبقتهم بالوقوع فيه؛ حين اختارت تخصصًا ما لبثت أن اكتشفت عدم مناسبته لميولها، فلم تعمل فيه كثيرًا.

المهارات الدراسية ليست المجال التدريبي الوحيد الذي دخلته بناءً على تجاربها السابقة، فجلّ ما تقدمه للمجتمع عبر التدريب كانت قد شعرت بالحاجة إليه ذات يوم.

ضيفة “بنفسج” في هذا الحوار أسماء الشرباتي، أم لأربعة أطفال، حاصلة على البكالوريوس في الصيدلة، والماجستير في التنمية والتعاون الدولي، وحاليا هي طالبة دكتوراه في العلوم الاجتماعية، مدربة في مجال التطوير الشخصي، ومحاضرة جامعية، ومؤلفة كتاب “ادرس أقل تنجح أكثر”.

عرفت أنها ليست مهنتي فتركتها

حصل معها ما يحصل مع الكثير من خريجي الثانوية العامة الحاصلين على معدلات مرتفعة، يختارون تخصصهم الجامعي وفقًا لدرجاتهم لا لرغباتهم. ومن هذا المنطلق درست الصيدلة، لكن تلك العلاقة التي لم تكن مبنية على الحب، انقطعت بعد أربع سنوات من العمل في الصيدلة، عندما وجدت الشرباتي ذاتها في مجال التدريب التنموي.

عن قصة هذا التحول، تتحدث الشرباتي لبنفسج: “توجهي نحو التدريب التنموي بعد التخرج لم يكن في بدايته سعيا لامتهان مهنة جديدة، بقدر ما قد كان موهبة واهتماما مني في تقديم المحاضرات وتطوير برامج تدريبية؛ استفدت منها شخصيا، واكتشفت أنني قادرة على مساعدة الشباب من خلالها لتحسين حياتهم المهنية أو الشخصية”.

وتستدرك: “لكن بمرور الوقت وازدياد اهتمامي بالتدريب ومساهمتي مع مجموعة مع الزملاء في تأسيس (جمعية تطوير القدرات الذاتية)، إضافة إلى قلة اهتمامي بمجال عملي في تخصصي الأساسي، اتخذت قرارًا بترك الصيدلة بعد أربع سنوات تقريبا من ممارستها، والتركيز أكثر على اهتمامي وشغفي”.

عندما حسمت أمرها، التحقت بالعديد من الدورات التدريبية واستعانت بالقراءات المكثفة، ثم توجهت نحو الدراسات العليا لتساعدها في فتح آفاق مهنية جديدة أكثر ديمومة وثباتا.

التواصل وتبسيط المهارات

توضح الشرباتي: “أغلب البرامج التدريبية التي شاركت فيها؛ هي لتطوير مهارات كانت قد سهلت عليّ إنجاز مهمات بشكل أفضل، أو مهارات واجهت تحديا في امتلاكها سابقا وشعرت بأهمية وجودها في حياتي، فقمت بتوفيرها لغيري حتى لا يقع في الحيرة التي وقعت بها”.

ومن هنا، ينبع اهتمامها الكبير بتنسيق برامج اختيار التخصص الجامعي لطلاب المرحلة الثانوية، فهي عندما أنهت الثانوية لم يكن باستطاعتها الحصول على معرفة جيدة حول التخصصات المتاحة، وكيفية انتقاء ما يناسبها، ولم تجد أي توجيهات إرشادية في المدرسة أو المراكز التدريبية. منذ 2006 التزمت بالمشاركة سنويا في تنظيم نشاط كبير يساعد الطلبة على اختيار التخصص الجامعي.

الأمر ذاته ينسحب على اهتمامها بالتدريب في تطوير المهارات الدراسية. فعندما كانت في الجامعة كانت تقضي الكثير من الوقت في الدراسة للحفاظ على معدّلها المرتفع. وفي المقابل، كانت مشاركتها في الأنشطة الطلابية والنقابية محدودة جدا.

بحثت عن طرق وأدوات تساعدها فوجدتها محدودة وليست كلها قابلة للتطبيق، ومع ذلك استفادت منها كثيرا، وبعدها بسنوات بحثت عن أفضل الكتب العربية والعالمية في هذا المجال، وطوّرت برامج تدريبية وكتيبات إرشادية لمساعدة الطلاب في الدراسة واستخدام وسائل دراسية تساهم في تعميق الفهم وتقليل الوقت.

تقول: “لم تكن الفكرة استحداث طرق غير مسبوقة وإنما تجميع أفضل الطرق والتجارب الدراسية الناجحة وصياغتها بشكل يناسب طلبتنا والسياق الفلسطيني”.

وتضيف عن كتابها “أدرس أقل تنجح أكثر”: “كان حصيلة تجميع وتطوير مجموعة من المهارات الدراسية التي وجدتها أساسية للحصول على معدل دراسي جيد. وهي خمس مهارات من تلك التي يدرك الجميع أهمية امتلاكها، غير أن الطلاب بشكل عام غير قادرين على الحصول عليها وحدهم، خصوصا في ظل إهمال المدارس والمؤسسات التربوية في تدريبهم عليها”.

وتتابع: “فكرة الكتاب كانت في قدرته على تجميع المشتت من هذه المهارات، وتبسيطها وجعلها قابلة للتطبيق. وقبل إصداره أجريت تجربة على مجموعة من الطلبة في المرحلة الثانوية بمستويات أكاديمية مختلفة لتدريبهم على المهارات التي يتناولها الكتاب. ولما كانت نتائج نهاية العام الدراسي مفرحة لي ولهم، قررت طباعة هذا الكتاب الإرشادي، مضمنة إياه ملاحظاتهم حول البرنامج ونوعية المهارات التي أثرت فيهم وساعدتهم بشكل مباشر”.

وبناء على تجربتها، تعتقد الشرباتي أن: “التواصل مع الطلبة في سن الشباب، وهم يخطون أولى خطواتهم الكبرى تجاه حياتهم الجامعية والمهنية مهم وحساس، وأن إطلاق الأحكام العامة على الشباب في المرحلتين الثانوية والجامعية بأنهم غير جادين فيه ظلم وتسرع”.

وتوضح: “بعد المشاركة في عدد كبير من الورشات التدريبية معهم، أرى بأنهم بحاجة إلى اهتمام جاد، وتصميم لقاءات مبنية على احتياجاتهم وتساؤلاتهم، وأن ابتعادهم عن القراءة والعمل التطوعي والمشاركة المجتمعية؛ بسبب وجود فجوة كبيرة بينهم وبين المجتمع، ساهم في تعميقها مؤسسات تعليمية ومدارس لم تزرع فيهم حب المعرفة”.

وتتأكد الشرباتي من وجهة نظرها هذه، كلما وصلها ردّ فعل إيجابي من طلبة تدربوا على يديها، تبين: “لا أخفيك حجم السعادة التي تتملكني حين يراسلني طلابي ليخبروني بمستوى تحصيلهم الجديد، وإدراكهم لحجم الاستفادة مما درّبتهم عليه، هذا دلالة على أن الطلبة راغبون في العمل وبذل الجهد، إن وجدوا معينا يساعدهم في طريقهم”.

أولادي نور كل صباح

هذا عن الجهد الذي تبذله ضيفتنا لأجل مجتمعها، فماذا عن صغارها الأربعة؟ “تقوى” و”رؤى”، و”سما”، و”محمد”، تتراوح أعمارهم بين الستة أعوام والثلاثة عشر، وهم “النور الذي يشرق في حياة أسماء كل صباح”، كما تصفهم.

تقول: “أستشعر من خلالهم حجم المسؤولية والأمانة الملقاة على عاتق الآباء والأمهات، وتحديدا الأمهات، وأتمنى أن أكون على قدر المسؤولية في هذا الجانب، والاهتمام بالأبناء ليس ترفا أو خيارا، وإنما هو واجب مهم وأساسي ويأخذ الصدارة من رصيد المهمات في حياتنا، وهكذا يجب أن يكون”.

وتضيف: “لا يكفي أن تحب الأم أطفالها لتكون جيدة، والمسؤولية أكبر من الحب بكثير، عليها أن تبذل جهدا كبيرا في الاستعداد وتثقيف نفسها والتفكير جيدا في الإجراءات التي تقوم بها تجاه أطفالها، ولنتذكر أن أهم مشروع نقدمه شفيعا لنا يوم الحساب هو جيل صالح كنا نحن سببا في صلاحه وتوجيهه وإنعاش روحه واستقرار نفسيته وسعادته”.

مساراتٌ تربوية

في بداية دخولها في مرحلة الأمومة، أعطت الشرباتي هذه المهمة أغلب وقتها، وتزودت بكم كبير من القراءة في التربية، واليوم ثمة مسارات تحدد شكل تعاملها مع أبنائها، تشاركها مع قراء “بنفسج”.

“من أهم الأمور التي ساهمت في تربيتهم؛ هي تخصيص وقت جيد يوميا للعب معهم بما يتناسب مع مستواهم العمري، والتواصل الجيد معهم أثناء اللعب. وكلما كان التواصل بيننا أكبر وهم صغار، كلما ازداد القرب والألفة بيننا حين بدأوا يكبرون، والصداقة معهم في سن المراهقة لا تأتي فجأة، بل حصيلة سنوات من الاهتمام، والاستماع الجاد”، هذا أول المسارات التي حدّثتنا عنها.

وعن المسار الثاني، توضح: “أهتم بمهارات التفكير النقدي، تلك الغائبة في مجتمعاتنا، الأمر ليس صعبا، فمثلا أثناء قيادة السيارة أو بينما نجلس حول مائدة الطعام، نتحدث في موضوع ما ثم أطلب رأيهم فيه. واستشيرهم في أغلب قرارات المنزل. وربما أفتعل بعض المواقف الإشكالية للاستماع إلى نقدهم وتوجيهه أو تدريبهم على اتخاذ قرار مبني على المنطق؛ ورصد قائمة ذهنية سريعة بإيجابيات وسلبيات القرار قبل اتخاذه دون أن يكون مبنيا على العاطفة”.

وفيما يتعلق بالتواصل تحديدا، تتحدث عن فضل زوجها في هذا السياق، فهو يتواصل مع الأبناء بشكل جيد، ويبدي اهتماما خاصا بكل واحد منهم. فبرغم قضائه وقتا كبيرا في العمل، إلا أن لكل واحد منهم معه وقت خاص وحوار خاص واهتمام خاص، فيتصل يوميا أثناء عمله بأحد الأطفال لسؤاله عن شيء معين أو الاطمئنان عن إشكال قد طرأ.

القراءة، نقطة لا بد من التوقف عندها، ما مكانتها في بيت ضيفة حوارنا؟ وكيف تدرب أبناءها عليها؟ تجيب: “أدخلت روتين القراءة لهم منذ صغرهم، أبدأ القراءة لهم قبل أن تتجاوز أعمارهم العشرة شهور”.

وتبين: “حياتنا في النهار عادية جدا، لكن هناك جلسة قبل النوم مدتها لا تزيد عن عشر دقائق، في قصة قبل النوم حياة وتجارب ومواقف وخبرات يتزودون بها ويعايشونها في خيالهم، جلسة قصيرة كهذه لها أثر تراكمي كبير على مدار السنوات”.

بشكل سنوي تقريبا، يشارك هؤلاء الأطفال في مسابقة “تحدي القراءة”، وقد حصلت “تقوى” على المستوى الثالث على مدينة الخليل على مدار ثلاثة أعوام. وشاركت رؤى في المسابقة عدة مرّات، وحصلت هذا العام على المستوى الثامن على فلسطين، وترى والدتهم أن هذا الأمر “ثمرة تلقائية لما اعتادوا عليه في المنزل”.

وتشير إلى أن المشاركة دفعتهم للالتزام بإنهاء القراءات بشكل منتظم ورفع مستوى القراءات سنويا بشكل جيد، والقدرة على التلخيص والنقد، لافتة إلى أنها تشجعهم لا بهدف الفوز، وإنما لرغبتها في أن يدركوا أهمية موهبة القراءة.

“باختصار، فإن مسارات التربية الأساسية في بيتي هي التواصل اليومي الهادف مع الأبناء، والاستماع الجيد لهم، وقصة قبل النوم خاصة قبل عمر التاسعة، والقراءة الجهرية الجماعية لهم وهم أكبر سنًا”.. هذه أسرار الحكاية.

تحديد الأولويات

بعض الشخصيات المميزة في مجالاتها تقع في مشكلة إهمال الأسرة، فقد يكون المربي منشغلا بالتربية خارج بيته، لكنه لا يجد الوقت لأطفاله. فما قولك في ذلك؟ وكيف تتجنبين هذا الأمر؟ وكيف تسعين للجمع بين تحقيق أهدافك الشخصية بشكل عام وهدفك التربوي؟

توضح: “التوازن في الحياة مطلوب، بل ومهم جدا، والأمهات تحديدا عليهن الكثير من الالتزامات داخل المنزل وخارجه، إضافة إلى مهمة تربية الأبناء، ولا تكتمل هذه المنظومة إن لم تكن الأم قادرة على إدارتها بحكمة”.

ومن وجهة نظرها، فالمسألة ليست صعبة، وإنما تحتاج إلى ضبط وتركيز.

تقول: “لا توجد وصفة واحدة تساعد الجميع في هذا المجال، فأحيانا طاقة المرأة لا تكفي للعمل في عدة أصعدة داخل المنزل وخارجه، فتأخذ قرارا بترك العمل للحفاظ على المنزل والأبناء، وهذا قرار مقدر ومعتبر.وبعض النساء تجد في شغفها ما يدفعها للعمل في مجال معين ترى فيه تميزا وإضافة نوعية، المهم في كل هذا أن لا يختل ميزان الأولويات، فعلى رأس الأولويات تأتي العلاقة الطيبة مع شريك الحياة المتفهم، والاهتمام بالأبناء، وبعدها تضبط باقي المهمات في ذات الميزان”.

وتضيف: “بالنسبة لي، ساعدني ترتيب الأولويات وإدارة الوقت بشكل منظم في إحداث التوازن وعدم التقصير، وأسرتي أولا وأخيرا على رأس قائمة الاهتمام”.

وتتابع: “حاليا أنا أكمل دراستي في برنامج الدكتوراه لعلوم الاجتماع وأرعى أطفالي مع زوجي، وأقوم ببعض الأعمال التوعوية للطلبة والشباب، ولا تسير الأمور بشكل جيد إن لم يكن هناك برنامج موزون، مع تسريع أداء الأعمال، خصوصا تلك التي لا تحتاج إلى تفكير كالأعمال المنزلية الروتينية، والتضحية ببعض الأمور الأقل أهمية.

فعندما تزداد الأعباء الدراسية والمتطلبات البحثية أختزل الكثير من الزيارات الاجتماعية ومهمات التسوق ومشاهدة التلفاز إلى الحد الأدنى، ليبقى ميزان الأداء الجيد حاضرا بين علاقتي مع أسرتي ومع دراستي، وأحيانا أجمع بين مهمتين، كأن أستمع إلى محاضرة مهمة أثناء إعداد الطعام”.

وتؤكد: “عامل الزمن مهم في حياتنا، وينبغي استخدامه جيدا في الرفاه والضيق، الكثير من الأعمال الصالحة في القرآن الكريم ارتبطت بالسرعة والمسابقة وليس فقط بالأداء الجيد. فالوقت جزء مهم من المعادلة ، كما في قوله تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)”.

تربيةٌ في الحضور والغياب

تحدّثت الشرباتي عن دور زوجها في تربية أبناءهما، لكن ماذا لو عرفنا أن زوجها تعرض للاعتقال في سجون الاحتلال أكثر من مرة! لا شك أن هذا الغياب انعكس على الأسرة، عن ذلك تقول:

“اعتقل زوجي عدة مرات، وكان يغيب في بعضها لسنوات، وفي الاعتقال امتحان كبير للأسير وأسرته. وإن كان الأسرى قد حملوا على ظهورهم مهمة نضالية أوجبت اعتقالهم، فأقل واجب تقوم به زوجاتهم تجاههم هو في إكرام بيتهم، وملأ الفراغ الذي خلّفه غيابهم”.

وتضيف: “من أصعب ما يواجهه الأطفال أثناء غياب والدهم حيرة الأم وإظهار فزعها أو تعبها أمامهم، وتضخيم هامش الحزن والألم والبكاء على غيابه. من الجيد إظهار مشاعر الفقد والبكاء أمام الأطفال أحيانا، لكن المبالغة فيها جزع وقلة صبر وضعف، وهي مشاعر ليس من الجيد تعريض الأبناء لها. وإنما الأصل استبدالها بذكر حبه لهم، وحبهم له، ومآثره معهم، وأهمية قضاء وقت غيابه بالدعاء له وإعلاء صوت قضيته لأنها مسؤوليتهم”.

وتتابع: “عندما اعتقل زوجي، كان الهاجس الأهم بالنسبة لي ألّا يشعر أطفالي بالحرمان، وإن ظهر هذا الشعور لا محالة، أوظّفه بشكل تربوي إيجابي، فكنا نكثر الحديث عن أن الابتلاء اختبار، وربما اصطفاء، وأن الأسرَ شرف رغم الألم، وأن كون الإنسان ابنًا لأسير فهذا يعني أن في حياته قيمة مهمة تجاه فلسطين والأسرى يجب أن يقوم بها، كالتعريف بقضيتهم في المدارس والأماكن العامة، فكان أبنائي يلقون الشعر عن الأسرى في المدارس ويشاركون في الأنشطة المتعلقة بالأسرى”.

وتتابع: “تجارب من هذا النوع، تُنضج الأطفال وتجعلهم أصحاب قضايا لأنهم فعلا كذلك، ففي حضور والدهم بينهم تربية، وفي غيابه أيضا تربية”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق