أسرةعام

افتحوا الأبواب وانطلقوا بأطفالكم نحو الطبيعة

” ماما حبيبي ما توسخ ملابسك”، ” ماما حبيبتي لا تلعبي بالتراب بتمرضي”، ” خليك شاطر عشان أوديك على الألعاب”، هذا جزء من حوارتنا اليومية مع أطفالنا، حوارات روتينية تقولب الذهن، وتحدد علاقة الأطفال بالأماكن والأشياء، فالمهم ألا تتسخ الملابس، وأن يبقى البيت نظيفاً، لنتمكن من التقاط صورة “سيلفي” بابتسامة لطيفة نشهر عبرها سعادتنا للآخرين.

هل تساءل أطفالنا يومياً لماذا تسقط الطبيعة من مساومات الثواب والعقاب؟ وهل تساءلنا كآباء وأمهات عن سر السعادة التي احتضنتها عيون أطفالنا في المرات القليلة التي اصطحبناهم فيها إلى مزرعة صغيرة، أو سهل موشح بأشجار الزيتون، أو حتى سمحنا لأيديهم أن تداعب التراب في حديقة المنزل؟

في الطبيعة يتحرر الأطفال من أغلب القيود، ويتمردون على بعض القوانين الضابطة للحياة، يتجرؤن على التجريب ويتفاعلون معه، فيخافون أو يسعدون، يضحكون أو يتألمون، يتعلمون ويكتشفون، يعايشون الحرية ويصنعون ذاتهم، فافتحوا الأبواب وانطلقوا بأطفالكم نحو الطبيعة.

مهارات التعلّم بالطبيعة 

♦ الانطلاق في الهواء الطلق، صحة نفسية رائعة. فالهواء النقي يعزز مناعة الطفل، ويقلل عدوانيته؛ بفضل التأثير المهدئ للخضرة في النفس الإنسانية.

♦ مهارات الطفل الحركية تنمو بشكل ملحوظ وترهف حواسه كلها، فيسمع ويرى ما لا يراه غيره ممن لا يختلطون بالطبيعة. 

هل للطبيعة إيقاع؟ أين تختبئ الحيوانات؟ هل للبحر صوت؟ هل للغابات والحدائق رائحة؟ هل لهبوب الرياح نغمات مميزة؟

♦ تأمل الطفل للزهور والأشجار يعلّمه الألوان وتنسيقها، وتنطبع في ذهنه ألوان السماء والخضرة والبحر، مما ينمّي ذوق الطفل وتنسيقه، ويبعث الهدوء في نفسه.

♦ يتعلم الطفل من الطبيعة الصبر والتأني، مثلًا: انظروا إلى الحلزون الموجود بكثرة وسط الطبيعة، هدوؤه أثناء السير، متابعة الطفل له في تأن، ثم اختفاء الحلزون المباغت حينما يلمسه ذلك الإصبع المستكشف. أي الأشياء يمكنها أن تُعلم هذا الملول الفضولي الصبر، وعدم الاندفاع مثل هذا الحلزون؟

♦ تحفّز التفاعل الاجتماعي مع الأطفال، وتعلّم المشاركة، والآداب الاجتماعية، ومراعاة شعور من الآخرين.

♦ الخروج في الطبيعة بشكل منتظم يحسن قدرات الطفل الذهنية، ويزيد قدرته على التركيز والتفكير والإبداع، وحل المشكلات. وبالتالي تحسين تحصيله الدراسي وقدرته على أداء المهام المطلوبة.

♦ الطبيعة تعزّز انتماء الطفل لوطنه؛ فينمو عاشقا لترابه وأرضه ونسمة هواه، ويظل مرتبطا به لآخر العمر، وليس أجمل من التغني بحب الوطن في الربوع الخضراء.

الطبيعة تفتقد أطفالها

“الوقت الذي يمضيه الطفل باللعب في الطبيعة، يعمل على تحسين صحته بشكل قد يعجز عنه أي دواء” د. شتريت كلين

من المؤسف تراجع تواصل الأطفال مع الطبيعة في عصرنا الحالي، واستبداله بنشاطات آلية وألعاب بلاستيكية وإلكترونية، لا تنمّي روح الطفل وإبداعه، بل تؤذي صحته، وتخرب فطرته، وتحد من نموه وتطوره. وللأسف فإن للآباء دور في ذلك؛ فنجدهم يتجنبون تعريض أطفالهم للطبيعة، معتبرينها مليئة بالخطر والقذارة، فينتقل هذا الميول تلقائيا للأطفال.

ولطمأنة هؤلاء الآباء، فإن أبحاثا جديدة تؤكد أنّ الجراثيم التي يحتويها التراب قد تكون مفيدة للأطفال. وتضيف أخصائية أعصاب الأطفال د. شتريت كلين: “الوقت الذي يمضيه الطفل باللعب في الطبيعة، يعمل على تحسين صحته بشكل قد يعجز عنه أي دواء”. وتضيف بقولها: “في حفنة صغيرة من التراب، توجد ميكروبات بعدد سكان الأرض، وهذه تجربة رائعة لدماغنا وجهازنا المناعي ليتعامل معها، ويتطور تبعاً لذلك”.

وتنصح د. كلين الآباء بمشاركة أبنائهم اللعب في التراب، وعمل أكوام طينية صغيرة، والتمرغ في التراب مع الأطفال إذا أخذتهم الحماسة دون خوف من أي ضرر! وكل ما عليكم فعله هو التأكد من عدم تعرّض الطفل للأذى دون مبالغة.

الطبيعة كنز ربّاني

إن ما تمنحه البيئة للطفل لا يقدّر بثمن؛ اللعب والاحتكاك والسقوط والنهوض والتفكير واكتساب الخبرات والتعلم، وإطلاق العنان للخيال، واقتراب الطفل من فطرة الطبيعة، وبالتالي فطرته هو نفسه. لذا، ادعموا روح المغامرة الملائمة للاستكشاف لدى الأطفال، بل واستمتعوا معهم بتجارب حياتية في الطبيعة.

في الطبيعة إجابات لأسئلة الأطفال الكثيرة، وتحفيز لأدمغتهم على طرح المزيد

لكننا سنحتاج أحيانا لإقناع أطفالنا بالذهاب خارجا، وندفعهم دفعا لتجربة الطبيعة، خاصة إذا كانوا ممن يقضون ساعات طويلة على الشاشات الإلكترونية، بل ويصحبونها معهم لكل مكان، فأطفالنا يشاهدون الطبيعة في التلفاز والكتب، ولا يلمسونها أو يشعرون بها، وشتّان بين الأمرين.  لذا، من المهم أن لا تدع الملل يتسلل لقلوب الأطفال عندما تأخذهم في جولات إلى الطبيعة.

الطبيعة مسلّية!

إليكم بعض الأفكار التي قد تجعل طفلك راغباً في اللعب خارجاً كل يوم:

ممارسة بعض الرياضات: اللعب بالكرة ومضارب الريشة، ركوب الدراجة و”السكوتر”، السباحة، الجري والسباقات، حتى القفز والدوران والتدحرج سيكون ممتعا بلا شك.

اللعب في الرمل أو الطين: الطين هو المادة الخام الأولى للخيال والفن؛ يستطيع الطفل بها تجسيد خيالاته وأحلامه في صورة ملموسة بين يديه.

أدوات تعليمية: أعط طفلك عدسة مكبرة، واتركه يراقب ويستكشف كما يشاء.

التخييم: التخييم وإشعال النار وإعداد بعض الأطعمة، أو التحلق للسمر والتدفئة حولها، حتى لو كان لبضع ساعات أو في وضح النهار، فإن لذلك سحرا لا ينساه الأطفال.

اللعب الحر: اللعب مع الظلال، مطاردة الفراشات، نفخ الفقاعات ومحاولة الإمساك بها. كذلك ألعاب الاستكشاف؛ كإعطائه قائمة لعناصر في الطبيعة لإيجادها، أو يحضر لك اشياء مختلفة حسب اللون المطلوب.

التسلّق: تسلق الأشجار أو بعض الصخور والجبال، بمرافقة البالغين وبأخذ إجراءات السلامة.

الهوايات: ممارسة الهوايات في الهواء الطلق؛ كالرسم والقراءة والتلوين.

التقاط عناصر الطبيعة: جمع عناصر الطبيعة ومكوناتها كأوراق الأشجار، العيدان الخشبية، أكواز الصنوبر وغيرها. ودع طفلك يبدع في تكوين لوحاته الخاصة.

الزراعة: زراعة بعض الشجيرات أو البذور ورعايتها. وزيارة مزارع النباتات، قطف الثمر، وشم الورود، وتأملها.

زيارة مزارع الحيوانات: تأمل الحيوانات والتعرف إليها وجها لوجه، مراقبتها وإطعامها، ركوب الحصان أو الحمار وغيرها.

مراقبة السماء: تأمل الغيوم، شروق الشمس أو غروبها، وذكر إبداع الخالق المدبر الجميل وقدرته، وغرس حب الله في نفسه، ففي الخارج يكون الطفل منشرح النفس ومهيئا أكثر لتقبل الدروس الإيمانية.

ماذا لو كان الوصول للطبيعة صعبا في بعض الأحيان؟ فلنحاول على الأقل أن نحضر بعضًا منها إلينا! تربية حيوانات أليفة وزراعة بعض النباتات، مراقبة الطقس من الشرفة بشكل يومي، جمع الصخور وعينات طبيعية من نزهات دورية، واستكشافها على مهل في المنزل.

في الطبيعة، يمتص الطفل رحيق نموه كاملا جسدا وعقلا وروحاَ، فقط ضع طفلك في مساحة خضراء مفتوحة بلا قيد للعب، وراقبه ينمو ويتطور.

راية سمير

أم لطفلتين .. مهندسة ومهتمه بأنشطة الأطفال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق