عامفكرمراجعات فكرية

“حجاب كول”: كيف اختلطت قيّم الستر بقيم الاستهلاك والفُرجة؟

تذكر إحدى الفتيات المسلمات التي درست وتخرجت من إحدى الجامعات الغربية، أنها اكتشفت فلسفة الحجاب عن كثب من واقع تعاملها واندماجها في الحياة الغربية؛ وتضيف أن الحجاب أكسبها سمتًا شكليًا يدلل على هويتها، ويفرض عليها وعلى من حولها التعامل وفقاً لما تمليه هذه الهوية.

وتواصل الفتاة سردها وتشرح فكرتها فتقول إن الحجاب يحفظ للفتاة مساحتها الشخصية دون الحاجة للتوضيح والتفسير، فمعنى كونها محجبة؛ أن اقتراب الأجنبي منها غير محبذ ولا مستحب، المحجبة مثلا لا تصافح الرجال الغرباء، وهذا أمر معروف لدى الجميع في الغرب.

فهمت الفتاة أن الحجاب في فلسفته الأصيلة يحفظ لها مساحتها الشخصية لتشارك وتتفاعل في أي مجتمع، مهما كانت صورته أو هويته، دون أن تتماهى في هذا المجتمع أو تطغى هويته على هويتها أو أن تُطالَب بما لا ترتضيه لنفسها. يعفيها الحجاب من كل هذا الحرج، وفي ذات الوقت، يوصل للمجتمع رسالة صريحة مفادها: “أنا إنسان أشارككم ذات الحياة لكن لي مساحتي الخاصة التي أطلب عدم الاقتراب منها، وعليك احترام ذلك والالتزام به”.

فلسفة الحجاب في الإسلام

للخروج من حالة الفتاة الخاصة أعلاه لحالة أكثر تعميماً، فإننا نرجع لأصل الحجاب لغة وشرعاً، فالحجاب لغة يعني الستر، حَجَبَ الشيء عن الأعين: أي ستره وأخفاه وواراه، ومنع الغير من مشاهدته والوصول إليه. ومن هنا، فالغرض الأصيل للحجاب هو الستر.

وحول فلسفة الحجاب الشرعية، هُنا، فحن لا نتحدث عن أحكام فقهيه، وإنما نعني الأبعاد المقاصدية الشرعية للحجاب، والتي نرتئي بأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالمقاصد الكلية للشريعة، ومنها ما يتعلق بتنظيم علاقة الفرد بجسده، وعلاقته بالحيز العام، بحيث لا تجور حرية فرد على حرية آخر. وفي هذا السياق أيضا، فقد حرص الإسلام حرصًا حثيثًا على جوهر الإنسان وأكد أنّ معيار النظر إلى المرء أولاً هو تقواه وفاعليته في المجتمع.

“لباس المرأة في الإسلام ليس أحكامًا شكلية فحسب، بل هو مضمون جوهري، يرتبط بالطبيعة الوجودية للمرأة من حيث هي إنسان”. د. فريد الأنصاري

يشرح د. فريد الأنصاري في كتابه “سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة” بأن الإنسان هو خليفة الله في كونه المكلف بحمل الأمانة، ومن هنا خاطب الله سبحانه المرأة بما يضمن حملها لأمانتها بصفتها “عاملًا”، أمانة الاستخلاف.

وتفصّل د. هبة رؤوف عزت في هذا التأصيل، فتقول: إن الحجاب ينتمي لنمط من العبادات ذات الأبعاد الاجتماعية؛ فكما حوى الإسلام عبادات فردية تجمع بين العبد وربه، حوى أيضاً عبادات جماعية أو ذات بعد اجتماعي؛ تضمن تفاعلا مجتمعيا لتحقيق عبادة ما، كالحج وصلاة الجمعة وصلوات الجماعة بشكل عام، وكذلك نظم الإسلام تعاملات ومعاملات أفراد مجتمعه.

ومن ضمن هذا التنظيم، أن الإسلام قبح إطلاق النظر إلى النساء أو الرجال. من هذا المنطلق، أمرت المرأة بالحجاب، وألزم الرجل بغض البصر في مجتمع أريد له استمرار الحراك والتفاعل بين أفراده دون أن تظلم فئة أو تهمش أو تخترق مساحتها على غير رغبتها، أو تنتهك خصوصية جسدها أو تنافي طبيعتها.

الشارع الحكيم لم يحدد للحجاب صورة بعينها إنما جعل في الأمر سعة، وللمرأة ذوقها واختيارها طالما التزمت بشروطه الأصيلة، وفي هذا تكريم وتخفيف على المرأة.

ليس المقام هنا للانسياق وراء الجدليات التي تسأل مستنكرة حول فرض الحجاب على النساء دون الرجال، إن كان الغرض النهائي هو تحييد الجسد، وضمان فعالية المجتمع. وفي هذا، تجنيب المرأة الانشغال بإرضاء المجتمع عن شكل جسدها وموافقة صورة جسدها للصورة المثالية التي تحددها معايير الجمال؛ فلا يحق للمجتمع أن يحكم على المرأة أي حكم يتعلق بشكلها أو جسدها، ويقتصر الحكم على درجة تفاعلها وتأثيرها في المجتمع.

الموضة بغرض التباهي وتكريس الطبقية 

“أصبح زيّ الموضة، هو زي الغواية؛ الذي يبرز مفاتن الجسد”. (ليبوفتسكي: مملكة الموضة زوال متجدد)

لم يكن الهوس بالموضة والأزياء شرقيًا ولا إسلاميًا بأي حال، وإنما كان منبعه غربياً أوروبياً قصد في بداية الأمر التمايز الطبقي، وسعى إلى إظهار ثراء النبلاء وعرض ممتلكاتهم من الجواهر والحلي والأزياء، ثم اقتدت الطبقات الأكثر تواضعًا بالطبقة الغنية وحذت حذوها؛  فمنشأ الموضة بالأساس غرضه الاستعراض الطبقي، وهي الفكرة التي يعارضها الإسلام، ويقف الحجاب في مواجهتها كحائط صد.

يقول ليبوفتسكي: “إن الطبقات الفقيرة قلدت طريقة الطبقات الراقية، فيما يلبسون، وكيف يبدون، بحثًا عن التقدير الاجتماعي”.

تطورت الموضة واتسعت وأصبحت صناعة رائجة، صناعة حقيقية وضخمة يعتمد عليها الناتج القومي لبلدان كبرى؛ حيث احتلت صادرات بيوت الأزياء الباريسية الكبرى المرتبة الثانية في التجارة الخارجية منذ عام ١٩٢٠. ومن هنا، أصبح هناك ما يعرف ب “الديفيليهات” عروض الأزياء، وأزياء خاصة لكل موسم، واللون المميز للموسم، وما إلى ذلك. كانت باريس دائمًا هي المصدر؛ فأصبحت باريس تملي الموضة على العالم بأكمله.

ولما كان الزمن قد دار دورته وتبادل الشرق والغرب موقعا الغالب والمغلوب؛ حيث أصبح الشرق مغلوبًا وجريحًا يرزخ تحت وطأة الاحتلال، وكما قال ابن خلدون فإن “المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب”، انتقلت إلى الشرق موضة الغرب كما هي واتبعها الشرقيون كما هي بلا تعديل ولا تبديل.

ظل الحال كذلك، حتى جاءت الصحوة الإسلامية العالمية وعادت على إثرها النساء للحجاب، بنمط ثياب بسيط ومحتشم؛ إما حكن ثيابهن بأنفسهن، أو استعنّ بحائك يحيك لهن زيّاً بسيطاً بإمكانات زهيدة.

كما ارتبطت هذه الصحوة بعودة الإسلام السياسي إلى ساحة العمل العام؛ وحمل الحجاب سمتًا سياسيًا بالتبعية كما جاء على لسان د. عصام العريان، أحد قيادات جماعة لإخوان المسلمين بمصر في ندوة مسجلة: “دخلت كلية الطب عام 1970 ولم تكن هناك سوى طالبة واحدة محجبة بالدفعة، وحينما بدأت الجماعة تمارس نشاطها الإسلامي والدعوي انتشر الحجاب دون إكراه، وكل ما كانوا يفعلونه هو توزيع منشورات وكتيبات مثل كتيب: “إلى كل فتاة تؤمن بالله” للشيخ الداعية الإسلامي السوري محمد سعيد رمضان البوطي.

ومن بعدها بدأت الجماعة تفكر في توفير طُرح تصلح للحجاب، فتعاملوا مع مصانع بعينها ومع المنطقة الحرة في بورسعيد بعد 1973 لتوفير احتياجات تكفي الفتيات الراغبات في الحجاب حينها؛ حيث إنّ أزياء المحجبات لم تكن منتشرة، وتم بيع الحجاب بسعر التكلفة، وهكذا لم يمضِ سوى 5 سنوات و تحجبت ثلث زميلات الكلية، وكل شيء بالإقناع، وهكذا بدأت الجماعة مسيرة الحكم مع تحجيب النساء”.

أسلمة الموضة وتسليع الحجاب

“عالم لا تحده حدود؛ حيث تتحقق الأحلام مع ارتداء الحجاب”.شركة star للملابس الإسلامية في وصفها لملابسها

مع انتشار الحجاب بين عامة مسلمات الشرق، أخذت صبغته السياسية تتوارى بشكل ملحوظ لكن المثير للاندهاش تواري السمت الديني للحجاب كذلك، وتحوله من زي ديني يحمل هوية وتحدده شروط إلى الشكل الأمثل للزي “المقبول اجتماعيًا”. وبالتالي، يمكن العمل على عصرنته أو أن يصبح الحجاب “cool” على نحو ما.

ظهرت سلاسل تستهدف المحجبات بالأساس، كما أصبحت أقسام أزياء المحجبات ركنًا لا غنى عنه في الكثير من السلاسل التجارية العالمية، انطلق مثل هذا النوع من تركيا التي تمثل نقطة الالتقاء بين الصحوة الإسلامية والبرجزة، فتقوم على دعوة البرجوازية الإسلامية إلى الدخول في تجارب استهلاكية في إطار من المبادئ الإسلامية. 

#VogueArabia الجازي الراكان، طبيبة أسنان وناشطة في مجال الأعمال الخيرية، كما أنها سفيرة لعدد من الجمعيات الخيرية في السعودية. شغوفة بعالم الأزياء والسفر، تقول في مقابلة لها: “على المرأة أن تدرك متى يمكنها اتباع الموضة لتبدو أنيقة ومعاصرة، ومتى تترك ما لا يلائمها”.

في البدء ألقت معايير الحجاب الصحيح، وعلى رأسها الحشمة بظلالها على السمت العربي للملبس لكن ما فتئ الأمر حتى انقلب وأصبح الزي غربيًا بامتياز، لكنه أضاف بضعة أمتار تستر ما يفرق بين المحجبة وغيرها من وجهة نظر صناع الأزياء.

صاحب هذه الفترة ظهور خطاب إسلامي مستجد متنصل من السياسة والاسلام السياسي، وبحسب تعبير باتريك هايني صاحب كتاب إسلام السوق: “خطاب يضفي طابعًا رسميًا على التدين الجديد، وهو طابع التدين المرح والتنافسي”، وهي ظاهرة طمأنة متابعاتها المسلمات من أن دينهنّ مواكب للعصر.

مواكبة الإسلام لكل عصر، حقيقة لا خلاف فيها، لكن باطن الخطاب الحداثي كان إخضاع الإسلام لقيم النظام العالمي الجديد، وإن خالفت قيمه ومبادئه الأصيلة؛ وإلا نعت بالرجعية وعدم مواكبة العصر، وكأن قيم العصر حتمية غير قابلة للتغيير، والإسلام قابل لتعديل صورته وتماهي قيمه.

بدأ هذا الجيل بإنجاب دعاة يقنعون شريحة عريضة من الفتيات بارتداء الحجاب العصري، وما يرونه حجاباً ميسراً على الفتيات، حتى ولو سلبت منه مواصفات الحجاب الشرعيّ التي لا يخطؤها حس الحشمة والحياء. ويتم في كل هذه البرامج والدعوات الترويج لصور وأشكال وماركات و”تقليعات” من شأنها جعل الفتاة تبدو أجمل وأكثر غنى وأناقة، وبالتالي دفعها إلى إنفاق أموال طائلة إن لم يكن كل ما تجنيه؛ لاهثة وراء صيحات الموضة.

تزامن ذلك مع ظهور أول مجلة نسائية تستهدف المحجبات بصورة خاصة، وتطلعهم على آخر صيحات الموسم وتقاليعه، ظهرت على أغلفة هذه المجلة المذيعات المحجبات والفنانات الشابات المعتزلات حديثًا، واللاتي قررن أن يعدن إلى الساحة بمساعدة الفتيات المحجبات في انتقاء ملابسهن وتسليط الضوء على حجاب لا يختلف في أي شيء، سوى وضع وشاح أنيق يغطي الشعر وهذا جل ما يفرق بين زي المحجبة وغير المحجبة. ثم توالت من بعدها المجلات العربية وتفننت في عرض ما بات يعرف ب”الفاشينستا” المحجبة والأنيقة. 

اختزال الحجاب في تغطية الرأس وحسب؛ جعلنا نجزم بأن الرأسمالية صنعت حجابًا منزوع الهوية.

وظلت الهوية الدينية الأصيلة للحجاب تتوارى في مواجهة الزي العصري، فتخرج الصيحة تارة تقتضي كشف جزء من اليدين أو السيقان أو كشف الرقبة وغير ذلك من الأمور الدخيلة، ناهيك عن استعراض ما يعرف “بالفاشونيستا المحجبة” لنمط ثيابها المناسب للعمل أو السباحة أو الرياضة.

أصبح حجاب المرأة يحمل رسالة مغايرة لغرضه الأصيل، فأصبح معروضًا يشير إلى صاحبته التي اقتنته من إحدى الماركات العالمية، وأصبحت هي تحمل حجابها، أو تحمل قطعة قماش ذات هوية بديلة مختلفة عن الحجاب الإسلامي البسيط الزاهد الساتر. الساتر وحسب.


مصادر

١_ إسلام السوق، باتريك هايني.

١- ليبوفتسكي، مملكة الموضة زوال متجدد.

٢- إسلام السوق، باتريك هاني.

٣-سيماء المرأة في الإسلام، فريد الأنصاري.

٤- فلسفة الزي الإسلامي، د. أحمد الأبيض.

٥- محاضرات دكتور هبة رؤوف عزت، المرأة في الإسلام.

٦_ علمنة الحسد، د. عبد الوهاب المسيري.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق