عاممدونات

خدعوك فقالوا: الإنجاب قرار غير قابل للتأجيل

الإنجاب قرار مصيري يجب أن لا يأخذ بعشوائية، وأن لا يتم إلا بعد بحث واستعداد نفسي لكلا الأبوين، فهو مسؤولية عظيمة ترسم ملامح حياة كائن “إنسان”، وهو أمر دقيق جدا، سواء كان هذا الطفل الأول في العائلة أو حتى العاشر.

يعتقد كثير من الناس أن السباق مع الوقت للإنجاب هو الأمر المحبذ والمفضل، فتبدأ الأسئلة، وتكثر الشكاوى إذا تأخر الزوجان لأشهر قليلة منذ بداية زواجهما عن الإنجاب،  علماً أن الطب لا يبحث في المسألة إلا بعد مرور عام كامل.

أما الضغط المجتمعي، فيبدأ منذ الشهر الثاني أو الثالث، ففي حين يكون الزوجان متفقان على تأجيل الإنجاب لفترة ما، لأسباب مختلفة متعلقة بهما، يأتي هذا الضغط ليجرّد الأبوين من حقهما في اتخاذ قرارهما بوعي تام ومراعاة لظروفهما النفسية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، واستعدادا لتحمّل المسؤولية.

ولا يقتصر ضغط المجتمع على الأبوين بإنجاب الطفل الأول، إنما يمتد إلى الثاني والثالث وحتى الرابع، فمثلا؛ لو كان الزوجان متفقان على تأجيل الطفل الثاني لفترة أطول، تبدأ الأسئلة تنهال عليهما: “متى بدك تجيبي لابنك أخ؟ لا تتركي مسافة كبيرة، بتنسي. جيبيهم ورا بعض أحسن بربو بعض، بيجو الولاد وبيجي رزقهم معهم”.

وتتواصل التدخلات لتجعل هذا القرار ليس حكراً على الأب والأم، إنما قضية مجتمعية محل بحث للعائلة بأكملها. مما يزيد من توتر الأبوين، ويصعّد المشاكل بينهما، فأمه تضغط عليه، وأمها تضغط عليها، والأسئلة والنقاشات تتوسع رقعتها وصولا لتغيير القرار فقط لأجل إرضاء الأهل.

حسب رأيي الخاص ومن التجارب المحيطة بي، أعتقد بأن وجود مسافة لا تقل عن ٣ سنوات هو أمر محبذ وضروري، لا بل وصحي للأم والطفل معاً.

إنّ تجربة الحمل والولادة تجربة تحمل من الصعوبات ما تحمله، سواء على الأم أو حتى على هذا الطفل الغض الذي بدأ لتوّه بالتفتح في هذه الحياة، يبدأ رويدا رويدا بالتعرّف على هذا العالم الواسع، وهو بحاجة للحماية وللاهتمام الكامل حتى يتمكن من الاستقلال الجزئي، ولا يتحقق الاستقلال الجزئي قبل ثلاثة أعوام. أما في حال تكرار الحمل فجسد الأم يصبح مرهقا، ويقل عطاؤها، ووقتها الموزع وغير المتكافئ، وتشعر بالتعب والتقصير وتأنيب الضمير، مما ينعكس سلباً على جو الأسرة ككل.

اختلفت المعايير واختلفت الأجيال واختلفت الحياة برمتها عن عهد سالفنا من الأمهات، ولا بد من مراعاة تبدّل الظروف والأحوال، واتخاذ القرارات العائلية بناء عليها. قديما، كانت الأسر في معظمها أسراً ممتدة، الجدة تساعد الأم، وترعى الأبناء، الخالات والعمّات بالجوار للرعاية والملاعبة، متطلبات تنشئة طفل سليم سويّ كانت أكثر بساطة وأقل تعقيداً.

أما نمط الحياة الحالي الذي تختار فيه الفتاة العيش بمعزل عن حماتها وتدخلاتها، جعل مهمة تربية الأبناء والاهتمام بهم مهمة محصورة على عاتق الأم والأب وحدهما، وفي أحيان كثيرة يلقي المجتمع هذه الأعباء على الأمّ وحدها، بدلاً من تشارك كلا الأبوين. 

إنّ وجود طفلين بفارق عمريّ بسيط هو إرهاق كامل للأم، وعندما ترهق المرأة تفقد حيويتها وقدرتها على العطاء، فلماذا هذا السباق مع الوقت؟ ولماذا لا نجعل سنة الزواج الأولى لتعميق التفاهم وتقوية الأواصر بين الزوجين؟

أرى أن الأولوية الأولى هي لتقوية العلاقة بين الأبوين، فوجود طفل هو مسؤولية عظيمة تحتاج إلى تعاونهما، وتفاهمهما، وتضحية كليهما، وهو أمر يمكن تأجيله حتى تستقر العلاقة نفسيا بينهما.

فالزوج والزوجة قد أتوا من بيئات مختلفة وبعقليات مختلفة، وكلنا نعلم مدى الاختلافات التي لا تختبر -حتى ولو امتدت فترة الخطوبة إلى سنوات- إلا عند وجود الزوجين تحت سقف واحد، فالمثالية لا يمكن أن تستمر، حتى يبدأ الاثنان بعد انتهاء مرحلة الانبهار باختبار الحياة عملياً كواقع يعيشانه ويتفاعلان معه كلاهما.

أما في حال حدوث حمل متعجل، تزداد رقعة الضغط النفسي مع تغير هرمونات الأم، تحديداً في شهور الحمل الأولى التي تكون فيها أعراض الحمل صعبة على كثير من النساء؛ فتصبح حساسة بشكل أكبر، ومنحازة لرأيها، وهو أمر يؤثر سلبا على العلاقة حديثة العهد، فترتفع نسب المشاجرات والمشاحنات، وأحيانا تصل إلى مراحل متقدمة من الاختلاف قد تنتهي بمأساة الطلاق.

لذا، حبذا لو وجدت أصوات تزيد الوعي وتؤجل هذا القرار، وتجعله قراراً قابلاً للتأجيل لحين استقرار الزوجين نفسيا في هذه المؤسسة الناشئة، وتجعل الإنجاب مرهوناً بالاستقرار النفسي للأم حتى بعد الطفل الأول.

وحبذا لو يتم إلحاق الزوجين بدورة تأهيل للزواج ليتعلم كل منهما حقوقه وواجباته، وكيفية تنظيم النسل تجنبا للكوارث التي تنتهي بالطلاق، فقد زادت نسبته في المجتمع العربي ككل نتيجة لتراكمات وأخطاء كثيرة، نشأنا عليها دون أن نعي مدى خطورتها فعلياً، وحان الوقت لنتعلم من تكرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق